ملخص
ثلاثة عناصر حاسمة يمكنها رسم الصورة المقبلة، تتلخص في موقف الحوثيين وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وقدرة واشنطن وحلفائها على الفصل بين الملف اليمني والملف الإيراني.
يقتضي فهم مستقبل الصراع في اليمن وعليه، النظر إليه على جبهتين مترابطتين، الصراع الداخلي على السلطة في اليمن، والصراع الإقليمي الذي يجعل اليمن إحدى ساحات المواجهة الأساس بين إيران وخصومها، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل.
والسؤال الأساس ليس فقط هل سيحسم الصراع في اليمن أولاً؟ بل هل يمكن أن يصبح اليمن مقدمة لتصعيد أوسع مع إيران، أم أن طهران ستستخدمه (عبر الحوثيين) ورقة ضغط لتجنب مواجهة مباشرة؟
ثلاثة عناصر حاسمة يمكنها رسم الصورة المقبلة، تتلخص في موقف الحوثيين، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وقدرة واشنطن وحلفائها على الفصل بين الملف اليمني والملف الإيراني.
ولكن ما الذي تغير في اليمن الآن خصوصاً في الأيام الأخيرة؟
لقد دخل المشهد مرحلة أكثر خطورة من مرحلة الهدنة السابقة، فقد عادت الحرب اليمنية الداخلية، وأعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) حملة لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.
وفي منطقة البحر الأحمر سيطر الحوثيون على مواقع ساحلية استراتيجية، مما رفع أهمية باب المندب في المواجهة الإقليمية. ومن جهة أخرى، اتسعت المواجهة مع السعودية، فقد تحدثت تقارير حديثة عن هجمات حوثية على منشآت سعودية ومطارات، وعن تحركات سعودية لاستعادة مواقع من الحوثيين بدعم من حلفاء إقليميين.
وتعني هذه التطورات أن اليمن لم يعد مجرد ملف تفاوضي منفصل، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن الخليج والممرات البحرية والحرب الأوسع مع إيران، خصوصاً مع بروز التحالف الثابت بين الحوثي وطهران.
هنا يُطرح سؤال آخر، ما دور الحوثيين في المواجهة مع إيران؟ يمكن فهم دور الحوثيين على ثلاثة مستويات:
1. ورقة ضغط بحرية:
يستطيع الحوثيون تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، مما يرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، ويؤثر في التجارة والطاقة. وتزداد أهمية ذلك إذا تعرض مضيق هرمز للتعطيل أيضاً.
2. توسيع الضغط على السعودية:
استهداف المطارات أو المنشآت النفطية السعودية يضع الرياض أمام معادلة صعبة تتمثل في حماية أراضيها ومصالحها الاقتصادية، مع تجنب الانجرار إلى حرب طويلة تستنزف مواردها. وظهرت مؤشرات إلى تعزيز التنسيق السعودي - الإماراتي في مواجهة التقدم الحوثي.
3. جبهة مساندة لإيران
إن فتح جبهة إضافية يشتت الموارد العسكرية الأميركية والإقليمية، ويجعل حماية السفن والقواعد والمنشآت أكثر تعقيداً. لكن ذلك لا يعني أن طهران تتحكم بكل قرار حوثي، فالحركة تمتلك حساباتها المحلية ومصالحها الخاصة.
النقطة المهمة في السياق أن الحوثيين ليسوا بالضرورة "الدرع الأول" لإيران بالمعنى العسكري التقليدي، لكنهم يستطيعون أن يكونوا جبهة ضغط استراتيجية مؤثرة، خصوصاً في الملاحة وأمن السعودية.
ثالثاً، السيناريوهات الثلاثة المقبلة:
السيناريو الأول في الصراع، تصعيد يمني يتحول إلى جبهة إقليمية:
تتوسع العمليات الحكومية المدعومة سعودياً، ويرد الحوثيون باستهداف مواقع سعودية أو سفن في البحر الأحمر. وإذا تزامن ذلك مع تصعيد أميركي - إيراني، فقد تتحول اليمن إلى جبهة إضافية تستنزف القوات والموارد.
النتيجة المحتملة، اتساع المواجهة جغرافياً، وارتفاع أخطار اضطراب الملاحة والطاقة. لكن هذا لا يعني أن الحرب ستتوسع حتماً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
السيناريو الثاني، حسم عسكري محدود من دون إسقاط الحوثيين:
تحقق القوات الحكومية وحلفاؤها تقدماً في الساحل أو حول تعز، لكن الحوثيين يحتفظون بمناطقهم الأساس في الشمال.
النتيجة المحتملة، تتغير خطوط السيطرة إلا أن الحرب تستمر. وقد تتراجع قدرة الحوثيين على تهديد باب المندب إذا خسروا المواقع الساحلية المهمة، من دون أن تنتهي قدرتهم على إطلاق الصواريخ والمسيرات.
السيناريو الثالث، تسوية مرتبطة بتفاهم أميركي - إيراني:
إذا ظهرت تسوية أوسع أو تفاهمات جزئية، فقد تتراجع الهجمات البحرية ويفتح باب التفاوض في شأن اليمن والسعودية والملف الإيراني.
النتيجة المحتملة تهدئة نسبية، لا سلام نهائياً بالضرورة، لأن الخلافات اليمنية الداخلية وتوزيع السلطة والموارد ستظل قائمة، والتطورات الميدانية الأخيرة تجعل من الضروري متابعة ما إذا كانت العمليات ستؤدي إلى تغيير مستدام في السيطرة أم إلى جولة جديدة من الاستنزاف.
قد يتحقق تقدم في اليمن قبل أي تسوية مع إيران، لكن لا توجد ضرورة عسكرية أو سياسية تفرض هذا الترتيب. بل قد يحدث العكس، إذ يؤدي التصعيد مع إيران إلى زيادة الدعم للحوثيين، فيصبح الحسم اليمني أصعب.
كذلك فإن محاولة إسقاط الحوثيين بالقوة قد تؤدي إلى حرب طويلة، حتى لو نجحت الحكومة في استعادة بعض المناطق. وتجارب الأعوام الماضية تظهر أن التفوق الجوي وحده لا يضمن تغيير السلطة على الأرض.
المؤشرات التي ينبغي مراقبتها في هذا السياق أربعة:
1- معركة تعز، هل تستطيع القوات الحكومية إعادة فتح الطريق إلى عدن؟ تعز نقطة مهمة في التوازن العسكري بين الشمال والجنوب.
2- باب المندب وميناء المخا، هل يحتفظ الحوثيون بمواقعهم الساحلية أم تستعيدها القوات الحكومية؟ سيؤثر ذلك مباشرة في قدرتهم على الضغط البحري.
3- طبيعة الهجمات على السعودية، هل تبقى محدودة أم تتوسع إلى منشآت الطاقة والمطارات بصورة متكررة؟
4- حجم التدخل الخارجي، هل يقتصر الدور الأميركي على الاستخبارات والدعم الدفاعي أم يتطور إلى ضربات مباشرة أوسع؟ وهل يستمر التنسيق السعودي - الإماراتي؟
وما الدور المصري المرتقب بعد إعلان الرئيس المصري عزم بلاده الدفاع عن السعودية والخليج ضد الاعتداءات الحوثية؟
مع ذلك، قد يكون اليمن إحدى الجبهات التي تحدد كلفة المواجهة مع إيران واتساعها، لكنه ليس بالضرورة الجبهة التي تحسمها.
إذا تعثر الهجوم على الحوثيين، فقد يطول الصراع وتستمر تهديدات البحر الأحمر. وإذا استعادت الحكومة مواقع استراتيجية، فقد يتقلص مجال الضغط الحوثي، لكن ذلك لن ينهي تلقائياً المواجهة مع طهران.
والسؤال الأهم في المرحلة الراهنة، هل تهدف العمليات إلى استعادة الدولة اليمنية فعلاً، أم إلى انتزاع ورقة باب المندب من الحوثيين قبل أي تفاوض أو تصعيد أكبر مع إيران؟ قد تجتمع الغايتان، لكن لكل واحدة منهما حساباتها ونتائجها.