Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأزمة الخانقة تُفقد معرض بيروت للكتاب وهجه السابق

غياب عربي شبه تام وناشرون لبنانيون صامدون رغم ضيق المساحة

طفلة تقرأ أمام أحد الأجنحة (خدمة المعرض)

يشبه معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ64 لبنان وأحواله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والسياسية أيضاً. يشعر الزائر، لا سيما إذا كان قد عرفه في سنوات عزه الماضية، بوطأة ذلك. فالمساحة المخصصة له الآن لا تتجاوز ثلث ما كان يشغله. وليس سبب ذلك أن انفجار مرفأ بيروت دمر المكان ولم ينجز ترميمه كله فحسب، بل هناك السبب الاقتصادي في البلد الغارق في أزمة هي الأقسى في تاريخه. وإذا ما كانت الدور الـ133 المشاركة (بحسب الإدارة) تشكو تضاؤل المساحة، فإن ذلك أوفر عليها من سداد كلفة مساحة أكبر، في ظل ارتفاع كلفة الطباعة والنشر وتراجع القدرة الشرائية للقارئ.

لكن الأخطر من تضاؤل المساحة هو أن المعرض الذي لطالما شكل واجهة للنشر والثقافة العربيين قد تقلص وبات محلياً، إذ تغيب عن المعرض هذه السنة الدور العربية. وقد أسهم في ذلك تزامن الدورة الحالية مع معرضي جدة وبغداد، علماً أن ذلك لم يكن سائداً أو مبرراً في السنوات الماضية، عندما كانت تحرص الدور العربية، والكتاب العرب، على المشاركة في الحدث الثقافي في بيروت، عمدة المعارض العربية وأقدمها.

 

هذا ليس أمراً عابراً أو يتعلق بسوق الكتاب فحسب، بل يتعدى ذلك إلى البعد الثقافي. فالمعرض الذي تقلصت مساحته وغرق في محليته يكشف تضاؤل موقع بيروت على خريطة النشر والثقافة العربيين. وفي وقت تحرص فيه دور النشر اللبنانية على المشاركة في المعارض العربية، لأسباب اقتصادية ولكون البلدان العربية سوقاً لكتابها، لا تجد الدور العربية لبنان سوقاً مغرية. هكذا يغيب عن معرض بيروت، مثلاً، الناشر المصري "مدبولي" الذي لم يفعل ذلك في الدورات السابقة، بل إن هناك دوراً لبنانية وأخرى عربية مقرها في لبنان تغيب عن معرض بيروت فيما تشارك في المعارض العربية.

خطاب غير مطابق للواقع

إزاء ذلك، تبدو كلمة رئيس الحكومة نحيب ميقاتي خلال افتتاحه المعرض غير مطابقة للواقع، فقد قال "64 عاماً ومعرض الكتاب شاب لا يشيب، مثله مثل بيروت، المدينة التي احتضنت هذا المعرض ورعته سنوياً، ليس كمناسبة للاطلاع على أحدث المصنفات والإصدارات في الآداب والعلوم والفنون فحسب، بل كرسته مساحة تفاعل وإثراء معرفي"، مشيراً إلى أن "بين جنبات هذا المعرض تلتقي الأفكار، وتتعدد الآراء، ويحاضر أبرز الأدباء والروائيين والمفكرين، إذ بات مقصد كل طالب علم ومعرفة وثقافة، وكل متعطش لهذا النوع من المنابر الثقافية".

ورأى أن "هذا المعرض يروي ظمأ الجمهور الباحث عن فسحة ضوء، وعن مساحة تلاق حضارية، طالما تميزت بها أم الدنيا، باحتضانها للكتاب، بدور نشرها المتنوعة، بمساحة الحرية المتاحة لأفكار كتابها ومثقفيها، إذ باتت مقصداً لأهل الفكر من كل البلدان".

صمود وقلق

 

تحضر السياسة هنا أيضاً. فمعرض بيروت العربي الدولي الذي رعته دائماً رئاسة الحكومة، فيما نظمت نقابة اتحاد الناشرين القريبة من رئاسة مجلس النواب لسنوات عدة معرضاً آخر، ورعا رئيس الجمهورية معرض أنطلياس (بيروت الشرقية)، يبدو يتيماً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وعلى الرغم من اتفاق "النادي الثقافي العربي" الذي ينظم معرض بيروت و"اتحاد الناشرين" بعد تجاذبات دامت أعواماً، فإن ذلك لم يترجم رعاية مادية للدورة الحالية التي تبدو محاولة صمود في وجه الظروف الاقتصادية أكثر من كونها نشاطاً ثقافياً.

وفي شأن الصمود، قالت رئيسة "النادي الثقافي العربي" سلوى السنيورة بعاصيري، إن "معرض الكتاب مناسبة ما زال يستدعيها التصميم الثابت والأكيد على استنهاض الذات، ناهيك بإرادة الاستمرار في التصدي لشتى صنوف الانسداد والانقسام لتشكل هذه المناسبة فضاء رحباً يتجاوز فيه الرأي والرأي المعاكس، ليتضافرا معاً في حياكة النسيج العام للثقافة، ويكتشفا مساحات تلاق فكري خلاق يفعل حيوية الاختلاف ويرسي قاعدة معرفية مستنيرة لاستشراف الآفاق".

وهناك بعد سياسي آخر، ففي ظل الأزمة الاقتصادية التي تكبل دور النشر اللبنانية التقليدية، وفي ظل اليتم الحكومي اللبناني وغياب الناشرين والكتاب العرب، يزداد في معرض بيروت حضور دور النشر المدعومة من مؤسسات وجهات دينية وسياسية، وخصوصاً "حزب الله" وإيران. وهذا الجانب بات واضحاً في المشهد مع انتشار دور نشر جديدة، بعضها يمتلك قدرات تنافسية مع دور النشر، على الصعيدين المادي والفني. فدور النشر الجديدة، وخصوصاً المدعومة، تقدم منتجاً مشغولاً بلغة عصرية فنية تخاطب ذائقة الأجيال الجديدة.

وسط هذا، يرى الناشر سليمان بختي أن الكتابين الديني والإنجليزي باتا يتقدمان على الكتب الأخرى التي تنتجها الدور المعنية بنشر الأدب والثقافة، التي تواجه صعوبات اقتصادية. ويشير بختي إلى التداعيات السلبية لذلك على الثقافة وتنوعها، إضافة إلى تهديده دور النشر في حركتها وإنتاجها ومستقبلها.

تفاوت في القدرات

 

هكذا، وإزاء الظروف الاقتصادية القاسية بالنسبة إلى غالبية دور النشر والقراء، يظهر المعرض في دورته الحالية تفاوتاً في قدرات دور النشر وطبقاتها. ويتمثل ذلك في المساحات التي تشغلها الدور وفي أعداد الكتب الجديدة وحفلات توقيعها. فبينما تكثر دور النشر التي تعرض ما سبق أن أنتجته في السنوات الماضية، وتشغل مساحات محدودة، هناك دور نشر تتنافس على أرفف أجنحتها العناوين الجديدة وتحتشد أجنداتها بحفلات التوقيع، إضافة إلى هذا، أولت إدارة المعرض اهتماماً بالعناوين المحلية السياسية والاقتصادية والثقافية، وبالكتاب والباحثين اللبنانيين، في الأنشطة والندوات المرافقة.

وقالت بعاصيري: "يتضمن البرنامج الثقافي المرافق للمعرض مجموعة عناوين ترتبط ببعض قضايانا وانهماكاتنا التي تستدعي يقظة فكرية متجددة وتصميماً على العمل الجدي العميق والمنسق، وكم جميل أن تجتمع العقول في فناء واحد لإعمال العقل لا الغرائز، في مقاربة تلك القضايا وعناوينها المتنوعة في سعي لتشريحها واستنباط رؤى خلاقة بشأنها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشارت إلى أن "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب يؤكد في كل مناحيه، أن للمثقف المستنير دوراً بارزاً في صوغ مصير الوطن، وأن العلم والفكر هما الشعلة المضيئة التي من شأنها إزالة السواد المقيت الذي يعوق جلاء الرؤية ويعطل المخيلة المبدعة".

إضافة إلى ضيق المساحة والتحديات الاقتصادية والسياسية والثقافية، هناك مهمة تحديث المعرض الذي بات تقليدياً على نحو رتيب، وفق الناشر بختي ومدير "دار المصور العربي" هادي بكداش، الذي يعتبر أن تطوير المعرض بات ضرورة، لكنه يسأل عن إمكان ذلك في ظل الانهيار الاقتصادي. ويلاحظ أن "القارئ الذي فقد القدرة الشرائية ويفكر 100 مرة في كلفة النقل قبل التوجه من المناطق اللبنانية إلى المعرض في بيروت، بات يشتري الكتاب بناء على سعره، وهناك طلب على الكتاب المستعمل القديم أو الكتب التي تباع ضمن عروض الأسعار الرخيصة".

 

وتقول رنا صيفي المسؤولة عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر" إن زمن القراءة لم ينضب و"بدأنا نستقطب زواراً يحرصون على هذه الطقوس في الثقافة والمعرفة".وتضيف: "الرواد لديهم شغف بتصفح الكتاب وملمس الورق، هذا الشعور يجعلهم أكثر قرباً للرواية والكتاب بشكل عام، من دون أن نهمل أهمية التطور التكنولوجي، لا سيما أن عدداً من الكتب يتم إصدارها أيضاً بأقراص مدمجة".

الكتب الأفضل شكلاً

ولدى افتتاح المعرض أعلنت جوائز الكتب الأفضل إنتاجاً، وجاءت كالآتي: جائزة أفضل إصدار تصميماً وإخراجاً وطباعة لفئة الكبار لكتاب "التراث المأثور" لمحمد مصطفى منصور عن "دار الانتشار العربي". جائزة أفضل إصدار تصميماً وإخراجاً وطباعة للفئة الناشئة توزعت على ثلاثة كتب الأول بعنوان "الحروف العربية" عن "دار إبداع الدراسات"، الثاني بعنوان "منديل جدتي" لجيكر خورشيد عن "دار أصالة"، أما الثالث فهو "أحوال كتب الأطفال" لماتيلدا شافر عن "دار صنوبر بيروت". جائزة أفضل إصدار تبرز جمالية اللغة العربية وانفتاحها على الثقافات الأخرى لكتاب "العربية في شوارع بيروت" تأليف مجموعة باحثين عن "مرصد اللغات- العربية وأخواتها في جامعة القديس يوسف". أما جائزة أفضل إصدار عن استخدام التطور الرقمي في خدمة اللغة العربية فلكتاب "المورد الحديث الإلكتروني" قاموس إنجليزي - عربي بنسخة ورقية إضافة إلى نسخة إلكترونية لمنير بعلبكي ورمزي بعلبكي عن "دار العلم للملايين".

وإذ تشارك في دورة هذا العام مع حضور متميز لدور النشر المستوردة للكتب الفرنسية، وجه المعرض تحية إلى أعلام لبنانيين وعرب بينهم الراحل رياض نجيب الريس، في حين تذكرت "دار الآداب" رئيس تحرير مجلة "الآداب" الكاتب سماح إدريس، فأصدرت في الذكرى السنوية الأولى لرحيله عدداً خاصاً به توزعه مجاناً.

المزيد من ثقافة