ملخص
قبل أيام وصف المدير العام لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني روسيا بأنها "المعتدي رقم واحد"، في أحدث محطة من مواجهة استخبارية بدأت مع الثورة البلشفية عام 1917، وتنقلت بين أربعة أطوار: دهم "أركوس" وتسريب الأسرار الذرية، ثم اختراق شبكة "كامبريدج" لقلب المؤسسة البريطانية، وبعدها العملاء المزدوجون في "كي جي بي"، وصولا إلى السموم المشعة والكيماوية والهجمات السيبرانية على البنى التحتية، ومع ارتفاع عدد الدبلوماسيين الروس المطرودين حول العالم منذ غزو أوكرانيا إلى قرابة 1000، اتجهت موسكو، وفق الاستخبارات البريطانية، إلى مجرمين مأجورين، فيما تفتح لندن بوابات على الإنترنت المظلم لتجنيد جواسيس داخل روسيا.
في الـ 13 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، ألقى المدير العام لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (إم آي 5) كين ماكالوم خطابه السنوي من مقر الجهاز في "تيمز هاوس" بلندن، وقال إن الجهاز يكرّس اليوم لمواجهة التهديدات الصادرة عن دول أجنبية، موارد تفوق ما خصصه لها في الحرب الباردة، وإن هذه التهديدات تضاعفت أربع مرات خلال العقد الأخير، وإن روسيا لا تزال "المعتدي رقم واحد".
وأورد ماكالوم مثالاً محلياً حين قال إن رجلاً وُجّه إليه اتهام في سبتمبر (أيلول) الماضي بموجب قانون الأمن القومي بالتحضير لتخريب مصنع للمسيّرات في مدينة سويندون، وقبل عامين، في خطابه لعام 2024، تحدث ماكالوم عن نحو 750 دبلوماسياً روسياً طُردوا من أوروبا منذ غزو أوكرانيا، قال إن "معظمهم جواسيس"، أما اليوم فيتحدث عن قرابة 1000 عملية طرد حول العالم.
وبين خطاب الأمس وبدايات المواجهة نحو قرن من التخابر المتبادل، تبدلت فيه أسماء الأجهزة وأدواتها، فيما بقيت المواجهة على حالها.
نشأ جهاز الأمن السوفياتي مع الثورة البلشفية عام 1917 تحت اسم "تشيكا"، ثم تعاقبت أسماؤه حتى استقر على "كي جي بي"، وظلت الاستخبارات العسكرية (جي آر يو) جهازاً مستقلاً عنه، ولم تتأخر المواجهة مع لندن، ففي مايو (أيار) 1927 دهمت الشرطة البريطانية مقر البعثة التجارية السوفياتية وشركة "أركوس" (الجمعية التعاونية لعموم روسيا) في لندن، بحثاً عن وثائق سرية قيل إنها سُرقت من وزارة الحرب.
وخرقت عملية الدهم اتفاق التجارة لعام 1921، الذي منح الوكلاء التجاريين السوفيات حصانة دبلوماسية، وانتهت بقطع العلاقات بين البلدين، وكانت العلاقات قد توترت قبل ذلك بسبب ما عُرف بـ "رسالة زينوفييف".
كان الدافع الأيديولوجي آلية التجنيد الغالبة في تلك المرحلة، فالفيزيائي الألماني المولد، كلاوس فوكس، عرض بنفسه أبحاثه الذرية على موسكو، فجندته الاستخبارات العسكرية السوفياتية أواخر عام 1941 عبر قنوات شيوعية ألمانية، وسرّب فوكس أسرار البرنامج الذري البريطاني "تيوب ألويز" ثم "مشروع مانهاتن" الأميركي عن قناعة لا مقابل مال، ووفق التاريخ الرسمي لـ "إم آي 5"، فقد أسهمت تسريبات فوكس مع مصادر أخرى في تطوير موسكو نسخة شبه مطابقة لتصميم القنبلة الأميركية، وكُشف فوكس بتحقيقات أفاد بها برنامج "فينونا" الأميركي - البريطاني لفك الشيفرات السوفياتية، فاعترف ودين عام 1950، وكان الفيزيائي البريطاني آلان نان ماي قد سبقه إلى الإدانة عام 1946 بتهمة تسريب أسرار ذرية مماثلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شبكة كامبريدج
بلغ الاختراق السوفياتي ذروته مع شبكة جنّدتها الاستخبارات السوفياتية في جامعة كامبريدج خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وعُرفت باسم "خماسي كامبريدج": كيم فيلبي ودونالد ماكلين وغاي بيرجس وأنتوني بلانت وجون كيرنكروس، وتغلغل أفرادها خلال الحرب العالمية الثانية، وبعدها في وزارة الخارجية وجهازي الاستخبارات الخارجية (إم آي 6) والداخلية، وكان فيلبي أخطرهم، فقد التحق بـ"إم آي 6" عام 1940، وعُين قبيل نهاية الحرب رئيساً لقسم مكافحة النشاط السوفياتي فيه، أي أنه تولى ملاحقة الشبكة التي ينتمي إليها، ثم أصبح كبير ضباط الاستخبارات البريطانية في الولايات المتحدة، وحين اقترب المحققون من ماكلين عام 1951، حذّره فيلبي ففرّ مع بيرجس إلى موسكو، ولحق بهما فيلبي نفسه من بيروت عام 1963.
أما كيرنكروس فسرّب مواد من مركز فك الشيفرات في "بلتشلي بارك" خلال الحرب، وفي الـ23 من أبريل (نيسان) 1964، استجوب ضابط "إم آي 5" آرثر مارتن أنتوني بلانت، ضابط الجهاز السابق وأمين المجموعة الفنية الملكية داخل شقته فوق معهد "كورتولد"، فاعترف في مقابل الحصانة من الملاحقة، ثم اعترف كيرنكروس في العام نفسه أمام "إم آي 6" بالشرط ذاته، وبقي الأمر سراً لـ 15 عاماً إلى أن اُتهم الصحافي أندرو بويل بلانت علناً عام 1979، فأكدت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر أمام مجلس العموم أنه اعترف منذ زمن، وجُرد من لقب الفروسية.
وخلال الحقبة ذاتها، تحوّل ضابط "إم آي 6" جورج بليك إلى عميل لموسكو بعد أسره خلال الحرب الكورية، وسرّب هويات عشرات العملاء الغربيين، وحُكم عليه عام 1961 بالسجن 42 عاماً، لكنه فرّ عام 1966 إلى الاتحاد السوفياتي، وتوفي هناك عام 2020.
وفي الاتجاه المعاكس، اخترقت لندن المؤسسة العسكرية السوفياتية عبر العقيد في الاستخبارات العسكرية، أوليغ بينكوفسكي، الذي أداره "إم آي 6" ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالاشتراك، وساعدت وثائقه المصورة المحللين الغربيين في رصد الصواريخ السوفياتية في كوبا خلال أزمة عام 1962، قبل أن يُكشف ويُعدم في موسكو.
عملية "فوت"
بحلول عام 1971، بلغ عدد العاملين السوفيات في بريطانيا نحو 550 شخصاً، وهو أكثر مما في أي بلد أوروبي آخر، ونسبة كبيرة منهم ضباط استخبارات تحت غطاء دبلوماسي وتجاري، ووصف "إم آي 5" نفسه آنذاك بأنه منهك يضغط من أجل رد، وفي يوليو (تموز) من العام نفسه، رفع وزير الخارجية أليك دوغلاس هيوم ووزير الداخلية ريغنالد مودلينغ إلى رئيس الوزراء إدوارد هيث مذكرة بالغة السرية، قدّرت عدد ضباط الاستخبارات السوفيات في البلاد بين 120 و200، يستهدفون الوزارات ومشاريع تجارية بينها طائرة "كونكورد".
وتسارع القرار بعد انشقاق ضابط "كي جي بي" أوليغ لياليين الذي أوقف في أغسطس (آب) 1971 بتهمة القيادة تحت تأثير الكحول، فقد ساعد لياليين في تحديد هويات ضباط سوفيات متخفين، وكشف خطط تخريب أعدها جهازه على الأرض البريطانية، وفي الـ 24 من سبتمبر 1971، أعلنت الحكومة "عملية فوت"، فطردت 90 مسؤولاً سوفياتياً ومنعت 15 آخرين من العودة، أي 105 أشخاص في المجموع.
ويصف "إم آي 5" العملية بأنها نقطة التحول الكبرى في مكافحة التجسس خلال الحرب الباردة، إذ جعلت بريطانيا هدفاً صعباً للمرة الأولى، وجُمد معظم العملاء السوفيات فيها لأعوام، واضطر "كي جي بي" إلى الاستعانة بأجهزة حلفائه في الكتلة الشرقية وكوبا، لكن العملية لم تطل أهم عملاء موسكو في السبعينيات، المتخصص في اللغة الروسية جيفري برايم، فبحسب البيان الذي ألقته تاتشر أمام البرلمان، تلقى برايم تدريباً ومعدات تجسس في برلين الشرقية عام 1968، قبل التحاقه بمقر الاتصالات الحكومية (جي سي إتش كيو)، وظل على اتصال بالسوفيات بعد استقالته منه عام 1977، ولم يكشفه صائدو الجواسيس، بل أبلغت عنه زوجته بعد توقيفه في قضية اعتداء جنسي، وصدر بحقه في نوفمبر (تشرين الثاني) 1982 حكم بالسجن 35 عاماً بتهم التجسس، وثلاثة أعوام إضافية بالتهم الجنسية.
العميل المزدوج
أنتجت حقبة ما بعد عملية "فوت" أثمن اختراق بريطاني لـ "كي جي بي"، فقد جنّد "إم آي 6" ضابط الجهاز أوليغ غورديفسكي في كوبنهاغن عام 1974، وظل يزوده بالمعلومات حتى عام 1985، ورُقي غورديفسكي خلال خدمته في لندن إلى منصب رئيس محطة الجهاز المرتقب.
ونبّه غورديفسكي الغرب مطلع الثمانينيات إلى أن خشية القيادة السوفياتية من ضربة نووية مفاجئة من حلف شمال الأطلسي (الناتو) قرّبت الطرفين من الحرب، ولا سيما خلال مناورة "إيبل آرتشر" عام 1983، مما دفع الرئيس الأميركي رونالد ريغان إلى تخفيف خطابه، وساعد أيضاً في كشف ضابط "إم آي 5" مايكل بيتاني الذي دسّ عام 1983 مغلفاً يحوي مواد سرية في صندوق بريد رئيس محطة "كي جي بي" في لندن، واُستدعي غورديفسكي إلى موسكو عام 1985، فذهب على رغم خشيته من انكشاف أمره، قبل أن يهربه "إم آي 6" في عملية حملت اسم "بيمليكو"، ثم حُكم عليه بالإعدام غيابياً وتوفي في منزله بمدينة غودالمينغ في الرابع من مارس (آذار) 2025 عن 86 سنة، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، انشق إلى بريطانيا في عام 1992 أمين أرشيف "كي جي بي" فاسيلي ميتروخين حاملا نسخاً من سجلات بالغة الحساسية.
سم في لندن
تفكك "كي جي بي" عام 1991 إلى جهاز للاستخبارات الخارجية وآخر للأمن الداخلي هو جهاز الأمن الفيدرالي، فيما استمرت الاستخبارات العسكرية جهازاً مستقلاً، لكن المواجهة لم تتوقف بل انتقلت إلى مستوى أكثر دموية، ففي الأول من نوفمبر 2006، سُمّم الضابط السابق في جهاز الأمن الفيدرالي ألكسندر ليتفيننكو بمادة "البولونيوم 210" المشعة في إبريق شاي داخل فندق في لندن، وتوفي في الـ23 من الشهر نفسه، وفرّق التحقيق العام الذي ترأسه القاضي روبرت أوين عام 2016 بين ثلاثة مستويات من اليقين، فقد جزم بأن الروسييْن أندريه لوغوفوي وديمتري كوفتون وضعا السم بقصد القتل، ورأى "احتمالاً قوياً" بأن لوغوفوي تحرك بتوجيه من جهاز الأمن الفيدرالي، وخلص إلى أن العملية "حظيت على الأرجح بموافقة" سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف وبوتين، وفي عام 2021 ذهبت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أبعد من ذلك، فنسبت القتل إلى الدولة الروسية، ورفضت موسكو تسليم لوغوفوي.
وفي الرابع من مارس 2018، تعرّض الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الروسية، والعميل لمصلحة الاستخبارات البريطانية، سيرغي سكريبال، وابنته يوليا لغاز الأعصاب "نوفيتشوك" في مدينة سالزبري، وكان سكريبال وصل إلى بريطانيا ضمن صفقة تبادل جواسيس عام 2010، وتحققت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية من هوية المادة، بينما بقي تحميل روسيا المسؤولية تقييماً حكومياً بريطانياً، ثم وجّه الادعاء البريطاني اتهامات إلى رجلين يحملان اسمي "بتروف" و"بوشيروف"، وكشف تحقيق مفتوح المصدر، أجراه موقعا "بيلينغكات" و"ذي إنسايدر"، أنهما ضابطا الاستخبارات العسكرية ألكسندر ميشكين وأناتولي تشيبيغا، قبل أن يُسمى ضابط ثالث هو دينيس سيرغييف.
وطردت حكومة تيريزا ماي 23 دبلوماسياً روسياً لترد موسكو بالمثل، لكن الفارق عن "عملية فوت" أن عشرات الدول الحليفة طردت أكثر من 100 دبلوماسي روسي تضامناً مع لندن، بينما كانت بريطانيا قد تحركت منفردة عام 1971.
ولقيت دون ستورجيس حتفها في الثامن من يوليو 2018 بعد أن رشّت على نفسها ما ظنته عطراً من زجاجة ملقاة قرب مسرح جريمة "سكريبال"، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، خلص التحقيق العام في وفاتها، برئاسة القاضي السابق أنتوني هيوز، إلى أن العملية ضد سكريبال "حظيت بموافقة أعلى المستويات، وأن بوتين يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن وفاتها، وردت الحكومة بعقوبات طاولت جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية، وهكذا انتقل الإسناد البريطاني خلال أقل من عقد من صيغة "على الأرجح" إلى صيغة "لا بد".
حرب الشبكات
لم يعد التجسس الروسي على المملكة المتحدة يحتاج دائماً إلى عميل على أراضيها، فالمركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني يرى أن مجموعة القرصنة المعروفة بـ "إيه بي تي 29" تتبع "على الأرجح الشديد" جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، ونُسب إلى المجموعة اختراق سلسلة إمداد شركة "سولار ويندز" واستهداف مؤسسات تطوّر لقاحات "كوفيد-19".
وفي يوليو 2025، فرضت لندن عقوبات على ثلاث وحدات من الاستخبارات العسكرية الروسية و18 من ضباطها، بتهمة استهداف مؤسسات إعلامية ومزودي اتصالات ومؤسسات سياسية وبنى تحتية للطاقة في بريطانيا وأوروبا، وشملت العقوبات ضباطاً قالت الحكومة إنهم اخترقوا جهاز يوليا سكريبال قبل خمسة أعوام من محاولة الاغتيال.
وفي الـ13 من يوليو 2026، نشر المركز مع 18 وكالة من 12 دولة تحذيراً مشتركاً من "المركز 16" التابع لجهاز الأمن الفيدرالي، الذي يمسح الإنترنت بحثاً عن أجهزة توجيه (راوتر) ضعيفة الحماية، ليخترق شبكات البنى التحتية الحيوية، وفي اليوم نفسه نسبت بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي إلى هذا المركز هجوم ديسمبر 2025 على شبكة الكهرباء البولندية، الذي لو نجح لقطع التيار عن 500 ألف مدني.
الوكلاء المأجورون
مع غزو أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، تقلص الوجود الروسي الرسمي في بريطانيا إلى حدود غير مسبوقة، ففي مايو 2024 طردت لندن الملحق العسكري الروسي العقيد مكسيم يلوفيك، ونزعت صفة المقار الدبلوماسية عن عقارات روسية، قالت إنها اُستخدمت لأغراض استخبارية، وذكر ماكالوم في خطابه الأخير أن البصمة الاستخبارية الروسية التقليدية تآكلت بفعل قرابة 1000 عملية طرد منذ الغزو، وهو ما دفع الكرملين إلى دفع المال لمجرمين لتنفيذ مهماته.
وتجسد هذا التحول في "الشبكة البلغارية" التي صدرت بحق أفرادها الستة في مايو 2025 أحكام تجاوز مجموعها 50 عاماً، إذ كانت تُدار من دار ضيافة سابقة في بلدة غريت يارموث، بتوجيه من المدير التنفيذي الفار من شركة "وايركارد" الألمانية، يان مارساليك، وفي أكتوبر 2025 صدرت أحكام بحق عصابة أحرقت مستودعاً في لندن يزود أوكرانيا بالمساعدات، بأوامر من مجموعة "فاغنر"، وكان المتهمان الرئيسان دايلن إيرل وجيك ريفز، أول من دينا بموجب "قانون الأمن القومي" لعام 2023.
وتخص أحدث القضايا جوشوا كاميدج، (31 سنة) من سويندون، المتهم بمساعدة جهاز استخبارات أجنبي والتحضير لعمل تخريبي، ويقول الادعاء إنه أرسل بين الـ27 من مارس والخامس من سبتمبر لقطات من خرائط "غوغل" تحدد مواقع أربعة مصانع للمسيّرات في المدينة، وعرض تنفيذ أعمال تخريب لمصلحة بريطاني يقاتل مع روسيا في أوكرانيا، ونفى التهم، وبحسب ماكالوم فإن قانون الأمن القومي يُستخدم بكثافة فاقت التوقعات، مع عشرات التوقيفات منذ دخوله حيز التنفيذ.
الطرف الآخر
ولا تقتصر لندن على الدفاع، ففي الـ19 من سبتمبر 2025، أطلق رئيس "إم آي 6" المنتهية ولايته، ريتشارد مور، من إسطنبول منصة "سايلنت كورير" (الساعي الصامت) على الإنترنت المظلم، لتمكين أي شخص في العالم يملك معلومات حساسة من التواصل مع الجهاز بأمان، وقالت الحكومة صراحة إن الهدف تجنيد جواسيس جدد "في روسيا وحول العالم"، مستلهمة نهجاً اتبعته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عام 2023، حين نشرت مقاطع مصورة تستهدف مجندين روساً محتملين.
وفي الـ 15من ديسمبر 2025، ألقت خليفته وأول امرأة تقود الجهاز، بليز متريويلي، خطابها الأول، ووصفت روسيا بأنها "عدوانية وتوسعية وتحريفية"، وبعد أيام أعلن رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين أنه أجرى معها مكالمة هاتفية مطولة، قائلاً إن ضباط استخبارات روساً يعملون رسمياً في لندن مثلما يعمل ضباط "إم آي 6" في موسكو التي طرد جهاز الأمن الفيدرالي فيها خلال يناير (كانون الثاني) ومارس 2026، دبلوماسييْن بريطانييْن بتهمة التجسس، ووصفت الخارجية البريطانية الاتهام الأخير بأنه "هراء تام"، ثم ردت بسحب اعتماد دبلوماسي روسي.
الاتهام والنفي
تنفي موسكو باستمرار أي تورط في أعمال عدائية داخل بريطانيا، ولم تسلّم يوماً المشتبه فيهم في قضيتي ليتفيننكو وسكريبال، والاستنتاجات البريطانية نفسها متفاوتة الوزن، فالتحقيقات العامة لا تصدر أحكاماً جنائية، والتحذيرات السيبرانية وعمليات الإسناد عامي 2025 و2026 تقوم على تصريحات رسمية يتعذر التحقق منها باستقلال في غياب البيانات التقنية الخام، وفي قضية الشبكة البلغارية، قال الادعاء إن أفرادها تحركوا بدافع الكسب المادي، لا بوصفهم جزءاً مباشراً من جهاز استخبارات روسي، فيما لم تقل المحكمة كلمتها بعد في قضية سويندون، ومثلما أن التجسس لم يكن يوماً في اتجاه واحد، فبينكوفسكي وغورديفسكي وسكريبال كانوا عملاء لبريطانيا داخل الأجهزة الروسية، ومنصة "إم آي 6" الجديدة تستهدف الروس علناً، وهذا يمنح موسكو حجة حين تتهم لندن بالنشاط ذاته، ولم يُعف التحقيق في وفاة ستورجيس الحكومة البريطانية من النقد، إذ أشار، بحسب بيان عائلتها، إلى إخفاقات في تقييم الخطر الذي شكلته روسيا على سكريبال.
واليوم، تختبر المحاكم البريطانية قدرة "قانون الأمن القومي" على ملاحقة وسطاء يصعب ربطهم مباشرة بأجهزة الدولة الروسية، فيما يتواصل الطرد المتبادل للدبلوماسيين، ويتقلص الوجود الرسمي للبلدين إلى حدوده الدنيا، من دون أن تنقطع قناة رؤساء الأجهزة، كما كشفت مكالمة ناريشكين - متريويلي، وإذا كان "كي جي بي" قد التف على طرد 1971 بتجنيد برايم في برلين، فإن موسكو تلتف اليوم على طرد دبلوماسييها بتجنيد هواة عبر شاشة هاتف، فيما تبحث لندن عن جواسيسها في الزاوية المظلمة نفسها من الإنترنت.