Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسباب الاندحار السريع لقوات جبهة تيغراي أمام الجيش الإثيوبي

يرى مراقبون أن ما جرى في الإقليم الشمالي ليس "انسحاباً تكتيكياً" ولا هزيمة كاملة

عناصر من "قوات سلام تيغراي" الموالية لأديس أبابا في مدينة ميكيلي (مواقع التواصل)

ملخص

على رغم بعض النجاحات المحدودة التي حققتها قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي" في الأيام الأولى للحرب التي اندلعت في إثيوبيا في سبتمبر الماضي، فإنه سرعان ما استعادت القوات الفيدرالية والجماعات المتحالفة معها زمام المبادرة، فما أسباب الاندحار السريع للجبهة؟

أثار انسحاب قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي" من معظم المدن في الإقليم الواقع شمال إثيوبيا، إثر اندلاع الحرب مع الجيش الفيدرالي والقوات المتحالفة معه في الـ23 من سبتمبر (أيلول) الماضي، جملة تساؤلات حول أسباب هذه الهزائم التي تصفها وسائل إعلام الجبهة بـ"الانسحابات التكتيكية"، إذ تمكن الجيش الإثيوبي خلال أسبوعين من تحرير المدن الكبرى كافة، بدءاً من مدينة ألاماطا في الجنوب مروراً بآخر مدينة في الشمال التيغراوي، وصولاً إلى الحدود الإثيوبية - الإريترية.

وبحسب مراقبين لشؤون المنطقة، فإن الانسحابات الدراماتيكية التي أعقبت بدء الحرب باستيلاء "الجبهة" على ثلاثة مطارات في الإقليم، لم تكن متوقعة بتلك الوتيرة المتسارعة، وبخاصة أن للجبهة تجربة طويلة في مجابهة الجيش الإثيوبي على مدى خمسة عقود ماضية، لا سيما حرب تيغراي التي جرت في عامي 2020 و2022، إذ كشفت عن مقدرات عالية لديها في القتال، على رغم تحالف الجيش الفيدرالي الإثيوبي حينها مع وحدات الجيش الإريتري وميليشيات الفانو الأمهرية.
فما الذي أدى هذه المرة إلى تغيير المعادلة على نحو دفع قوات "الجبهة" إلى الاندحار السريع، وبخاصة أنها متحالفة مع ست قوى مسلحة تمثل الأقاليم الإثيوبية الأخرى؟ وهل ثمة ما يشير إلى اعتمادها على تقديرات خاطئة لقدرات الجيش النظامي؟ أم إن الأمر يتعلق باختلالات معينة داخل قوات الجبهة نفسها، سواء في الخطط العسكرية أو في اختيار التوقيت المناسب للمعارك، أم إن الخلل يكمن في التقديرات المتعلقة بقدرة الحلفاء الجدد من الكيانات المتمردة الأخرى وأدوارهم؟

ليس "انسحاباً تكتيكياً" ولا هزيمة

يرى مدير مركز القرن الأفريقي للتكامل الإقليمي عبدالرحمن أبو هاشم أن ما جرى في تيغراي منذ الـ23 من سبتمبر الماضي لا يمكن اختزاله في سردية "الانسحاب التكتيكي" التي تتبناها "جبهة تحرير شعب تيغراي"، ولا يمكن الوصول إلى الخلاصة التي يروجها الجيش الفيدرالي والقائلة إن قوات "الجبهة" تعرضت لهزيمة عسكرية خالصة، مشيراً إلى أن "القراءة الموضوعية للأحداث تحتم الخروج من تلك الثنائية المتضادة والنظر  إلى الوقائع بصورة مجردة بعيداً من خطابات الدعاية الحربية".

ويوضح أن "ما حدث يمكن اعتباره حصيلة لتحول عميق في موازين القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية منذ اتفاق بريتوريا عام 2022"، كاشفاً عن أن "الجبهة التي دخلت الحرب في سبتمبر الماضي ليست ذات الجبهة التي خاضت حرب 2020 - 2022، سواء من حيث العتاد العسكري أو الحاضنة الشعبية التيغراوية المنقسمة". ويضيف أن "الوقائع تؤشر إلى حجم الانهيار الذي حدث في هيكل الجبهة، فعلى رغم إعلانها الانسحاب من عاصمة الإقليم ميكيلي بصورة موقتة للعمل من مكان آخر، فإن الأحداث التالية تؤكد أن الأمر لا يتعلق بمجرد انسحاب تكتيكي وبخاصة بعد سقوط المدن الأخرى، بما في ذلك شيري وعدي قرات وأكسوم، وصولاً إلى عدوا، إضافة إلى استسلام خمسة عقداء من قادة الجبهة قرب إنتيتشو. كل ذلك يؤكد أن الأمر لا يتعلق بمجرد انسحاب تكتيكي".

ويستطرد أبو هاشم بالقول "ومع ذلك يجب الحذر من إعلان نهاية المعركة، فالتقارير متضاربة في شأن مكان قيادة الجبهة، بين فرضية انتقالهم إلى وسط إقليم تيغراي، أو فرارهم إلى إريتريا".

وفي هذا السياق يرى الباحث أن "ثمة سابقة تاريخية ينبغي استحضارها في التحليل، والتي جرت عام 2020 إذ انسحبت الجبهة إلى المناطق الجبلية والريفية في وسط الإقليم، وخاضت حرب عصابات، ونجحت في استعادة ميكيلي خلال يونيو (حزيران) 2021".

الأسباب السياسية

ويضع مدير مركز القرن الأفريقي للتكامل الإقليمي "عدة احتمالات للأسباب التي قادت الجبهة إلى هذا الوضع، أهمها الأسباب السياسية المتعلقة بتفكك البيت التيغراوي من الداخل، والذي أدى بدوره إلى انهيار اتفاق بريتوريا فعلياً في مارس (آذار) 2025، وبخاصة بعدما نفذت الفصائل المحسوبة على رئيس الجبهة ديبريتسيون جبريمايكل انقلاباً مدبراً على الإدارة الموقتة المدعومة فيدرالياً. وأدى الصراع بين ’المتشددين‘ و’المعتدلين‘ إلى انشقاقات بارزة، وإلى تشكيل قوة مسلحة منافسة لقوات الجبهة يقودها جنرالات سابقون في قوات دفاع تيغراي"، مشيراً إلى أن هذه القوة، التي عُرفت لاحقاً بـ"قوات سلام تيغراي"، يدعمها الحكم الفيدرالي منذ تأسيسها مطلع عام 2025، فيما يقودها حلفاء الرئيس السابق للإقليم، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، غيتاتشو ردا، مما أسهم في تغيير طبيعة الحرب الحالية، إذ لم تعد بين تيغراي والمركز أو الجيش الإثيوبي، بل أضحت حرباً بين تيغراويين في ما بينهم أيضاً. وهذا أفقد الجبهة أهم سلاح لها تاريخياً، وهو التعبئة القومية الجامعة".

تآكل الحاضنة الشعبية

ويتابع أبو هاشم "أن ثمة أسباباً أخرى من بينها تآكل الحاضنة الشعبية، وبخاصة في ظل فشل إدارة ديبريتسيون في حلحلة كثير من الأزمات، بما فيها أزمة النزوح والجوع وانعدام فرص العمل للشباب، مما أدى إلى تقلص الرصيد الشعبي للجبهة بصورة غير مسبوقة وبخاصة في المدن الكبرى، فيما يظل التأييد في الأرياف مرتفعاً نسبياً، لكنه لم يتحول إلى دعم سياسي فعلي يسمح بقبول فكرة قيام حرب جديدة، لا سيما أن ذاكرة الحرب الدامية منذ أربعة أعوام لم تجف بعد، ومن ثم لم يكن أحد مستعداً لدفع ثمن حرب أخرى".

الرهانات الخاسرة

ويعد أبو هاشم أن "تطور العلاقات بين الجبهة والنظام الإريتري، دفعها إلى المراهنة على دعم أسمرة في حال قيام الحرب"، واصفاً ذلك بـ"الرهان الخاسر"، وبخاصة أن "الأحداث كشفت عن أن إريتريا لم تكن مستعدة للانخراط مرة أخرى في حرب إثيوبية داخلية، إذ أبقت قواتها على الحدود أمام التقدم الإثيوبي. أي إن السند الإقليمي الذي ربما عولت عليه الجبهة لم يتجسد ميدانياً حين احتاجته".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف "ثمة رهان آخر خاسر اعتمدت عليه الجبهة من خلال انضمامها إلى تحالف يضم سبع قوى إثيوبية مسلحة"، مشيراً إلى أنه "تحالف سياسي أكثر منه عسكري، إذ كشفت أحداث الأسابيع الثلاثة أن التحالف يفتقد الفاعلية والتنسيق المشترك، وبخاصة في ظل بقاء جذور النزاع بين الجبهة وميليشيات فانو الأمهرية قائمة على ملفات الأراضي والهوية والنظام الفيدرالي"، موضحاً أن "القاسم المشترك الوحيد بينهما هو معارضة حكم حزب الازدهار، الذي يتزعمه رئيس الوزراء آبي أحمد، علاوة على أن الخطط العسكرية المرسومة للتحالف تعتمد على أن يقاتل كل فصيل في إقليمه، في غياب عامل القيادة الموحدة أو القدرة على فتح جبهات موازية تخفف الضغط عن قوات تيغراي".

الأسباب العسكرية

من جانب آخر، يرى مدير مركز القرن الأفريقي للتكامل الإقليمي أن "الأسابيع الثلاثة الماضية من عمر الاشتباكات كشفت عن اختلال جوهري في الميزان العسكري، إذ عززت الحكومة المركزية مخزونها من المسيرات، وشرعت في إنتاجها محلياً، بينما كانت الجبهة قد سلمت أسلحتها الثقيلة بعد اتفاق بريتوريا، مما يعني أن الجبهة دخلت الحرب بترسانة أسلحة خفيفة بمواجهة جيش متفوق عليها بالعتاد الجوي".

ويضيف أن "ثمة محادثات مسربة بين قادة الجبهة، كشفت عن الأثر المدمر لضربات المسيرات على تماسك الوحدات المقاتلة ومعنوياتها، وأشارت إلى انقسامات داخل القوات الأساس، وكشفت عن الكلفة البشرية الباهظة، وبخاصة أن غالب وحدات قوات الدفاع التيغراوية شُكلت بصورة عاجلة عبر عملية تجنيد قسري"، موضحاً أنه "على رغم أن الجبهة تنفي ممارستها التجنيد القسري، فإن مصادر عدة تؤكد حدوثها في الأشهر الماضية، والمقاتل المجند قسراً لا يصمد في معركة لا يرى ضرورتها. علاوة على ذلك، فان بدء العمليات العسكرية من قبل الجبهة عبر احتلال المطارات، حقق بعض المكاسب الأولية، إلا أن القوات الفيدرالية سرعان ما أعادت تنظيم صفوفها وتجاوزت الصدمة في ظرف مثالي، مما يعني أن التخطيط راهن على الصدمة الأولى دون حساب كافٍ لمرحلة ما بعدها، وبالمفهوم العسكري يعد هجوماً بلا عمق استراتيجي".

ويختم أبو هاشم إفادته بالقول إن "الجبهة لم تخسر الميدان، بقدر خسائرها على المستويين السياسي والاستراتيجي قبل أن تبدأ المعركة. لكن انتقال بقاياها إلى الجبال قد يفتح مرحلة حرب عصابات طويلة. وهذا يعني أن الحسم العسكري للمدن لا يساوي بالضرورة حسم الصراع، ما لم يعالج جذره السياسي الذي تركه اتفاق بريتوريا معلقاً".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات