Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كرافاش بولحية" حلي جزائري بلون الأساطير

عقد طويل وغليظ مفتول كالحبل وأصله يعود للقرن الـ14 خلال فترة حكم الزيانيين وسعر أفخمه يفوق 20 ألف دولار

باتت المرأة الجزائرية ترتدي "كرافاش بولحية" مع كثير الأزياء والفساتين التقليدية (مواقع التواصل)

ملخص

تقول رواية شعبية إن "كرافاش بولحية" من اختراع بحارة الجزائر خلال القرن الـ13، حيث قاموا بربط حبال طويلة حول أعناقهم تعبيراً منهم عن حبهم لزوجاتهم ووفائهم لهن، وأطلقوا عليه "سوط الحياء"، أي "حافظوا على الحشمة والعفة في غيابنا، نحن نحبكم ولا نستبدلكم"، إذ كانوا كثيراً ما يخرجون إلى حملات الصيد والحرب والقرصنة.

يثير اسمه استفهامات وتتنوع تفاصيل صناعته وتختلف الروايات حول أصوله، إلا أن جماله يحبس أنفاس نساء الجزائر، إنه "كرافاش بولحية"، ذلك الحلي الذي لا يزال يشكل واحداً من أهم وأغلى المجوهرات التي لا تغيب عن أزياء المرأة الجزائرية... فما قصته؟

الذهب في الموروث الثقافي والشعبي الجزائري له قيمة مالية وعاطفية، فهو الإرث المتناقل بين الأجيال، وتحوّل خلال الأعوام الأخيرة إلى مصدر أمان في ظل الارتفاع المستمر لأسعاره، إذ لا يصرف بسهولة، ولا يفقد قيمته بسرعة، ولا تنقص إلا في حالات نادرة، وحين يُستدعى فاعلم أن الأمر شديد الاستعجال، فيتم اللجوء إليه وقت الشدة مثل المرض والسفر والبناء والزواج وشراء عقارات ودفع ديون، وغيرها من محن الحياة.

لكن الذهب يرمز أيضاً إلى الحب والثقة والسعادة والوفاء، وفي الجزائر تأخذ قطع ذهبية أسماء تعبّر عن لحظات أو حوادث أو مسيرة حياة أو واقع، وغالبية الحلي مرتبطة بروايات وأساطير وحقائق تاريخية مثل "خيط الروح" الذي ظهر على خلفية زواج فقير لا يملك المال لشراء مجوهرات لزوجته، سوى عقد صغير لم تتمكن العروس من ربطه حول رقبتها، فوضعه والدها على رأسها بغرض تجاوز الحرج أمام حضور الزفاف، إضافة إلى "عقدة الحب" التي كان يلفها البحارة حول رقبتهم ومعاصمهم خلال القرن الـ18، عند خروجهم إلى القرصنة أو الصيد أو الحرب كعربون ثقة وتعلق وحب لزوجاتهم، وغيرها من المجوهرات التي لا تزال متداولة إلى اليوم.

بين السوط والأهداب

ويبقى "كرافاش بولحية" إحدى قطع المجوهرات التي تواصل فرض نفسها في المجتمع وتأسر قلوب نساء الجزائر، على رغم أن أصلها يعود للقرن الـ14 الميلادي، وبالضبط خلال الفترة التي حكم فيها الزيانيون البلاد، مما يطرح تساؤلات حول ما وراء هذا الاهتمام بهذه القطعة.

 

"كرافاش بولحية" هو قلادة جزائرية تقليدية على شكل عقد طويل وغليظ مفتول كالحبل، وتسميته يجهل تفسيرها كثير من الجزائريين ولا سيما الشباب، لاعتبارات عدة أهمها عدم البحث في التراث وسطوة العولمة، ويعني الجزء الأول "كرافاش" وهي كلمة فرنسية، السوط الذي يستخدم للتحكم في الخيول، وأما "بولحية" ومعناها صاحب اللحية، فتنسب إلى الأهداب التي تتدلى من القطعة التي تشبك السلسلة، وهي على شكل لحية.

أبو الحياء... وأقدام الفرنسيين لم تطأ الجزائر

لكن بالتدقيق في التفسير المتداول، يظهر جلياً أن الأمر يتعلق بروايات وأساطير، على اعتبار أن كلمة "كرافاش" منسوبة للفرنسية، في حين أنه في بداية القرن الـ14 لم تطأ أقدام الفرنسيين الجزائر محتلين، بل كانت البلاد تحت حكم إسلامي محلي يتمثل في الدولة الزيانية التي اتخذت من مدينة تلمسان عاصمة لها، بالتالي فإن الحديث عن الفرنسية في الجزائر خلال تلك الفترة يبقى ظالماً ويشوبه الغموض.

وأما "بولحية"، فترتبط بكلمة "أبو الحياء" وبالدارجة الجزائرية تختصر بـ"بوالحيا" وتعني "الحشمة" في اللهجة المحلية، ولا علاقة لها بالخيوط والأهداب المتدلية من العقد.

الفارون من الأندلس... أصل القصة؟

"كرافاش بولحية" يرجع تاريخ ظهوره إلى عام 1492، مع سقوط مملكة غرناطة وهجرة المسلمين من الأندلس إلى شمال أفريقيا، فراراً من بطش الكنيسة، وكان اليهود الذين مسهم الاضطهاد من ضمن الفارين، فاستقروا في منطقة تلمسان عاصمة الدولة الزيانية آنذاك التي تقع غرب الجزائر حالياً، بعدما وجدوا لدى السكان المحليين الترحيب وحسـن الاستقبال.

وأخذ يهود الأندلس في التأقلم مع سكان تلمسان، ومارسوا التجارة بصورة واسعة، فضلاً عن بعض المهن مثل صناعة الذهب والمجوهرات، فقام أحد الصاغة اليهود بإهداء قطعة ذهبية خاصة لأميرة من بني زيان، تتشكل من سلسلة أو عقد ينتهي بأهداب تحمل هلالاً، وهو شعار الدولة الزيانية، تقديراً واحتراماً من اليهود لحضارة مملكة بني زيان.

البحارة لهم رواية

وتقول رواية شعبية إن "كرافاش بولحية" من اختراع بحارة الجزائر خلال القرن الـ13، حيث قاموا بربط حبال طويلة حول أعناقهم تعبيراً منهم عن حبهم لزوجاتهم ووفاء لهن، وأطلقوا عليه "سوط الحياء"، أي "حافظوا على الحشمة والعفة في غيابنا، نحن نحبكم ولا نستبدلكم"، إذ كانوا كثيراً ما يخرجون إلى حملات الصيد والحرب والقرصنة.

وباتت المرأة الجزائرية ترتدي "كرافاش بولحية" مع كثير الأزياء والفساتين التقليدية مثل القندورة القسنطينية والشدة التلمسانية والقفطان العنابي والكراكو العاصمي، وبعد أن كان منتشراً في غرب البلاد بصورة لافتة، أصبح في الشرق والوسط وحتى الجنوب، مما جعله رمزاً وأساساً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتوجد نماذج عدة من حلي "كرافاش بولحية" مثل "كرافاش بولحية ليون" الذي يشبه شكله لحية الأسد، وهناك آخر اسمه "كرافاش بولحية بولكتاف"، ويأتي حجمه أكبر فتُضاف إليه سلسلتان تعلقان على الكتف، وأما الثالث "كرافاش فرخ الطاووس" أو "صغير الطاووس"، فهو من أفخم أنواعه ويكون مرصعاً بالأحجار الكريمة الملونة ليشبه صغير الطاووس ويتميز بوزنه الثقيل، ويفوق سعره 20 ألف دولار.

الغلاء أبطأ الإقبال على الذهب

في السياق، ترى الجمعية الوطنية لحرفيي وتجار المجوهرات أنه على رغم التطورات والموضة التي غزت منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، فإن بعض الحلي التي بدأت ورشات صناعتها في الجزائر منذ قرون خلت، لم تندثر بل عادت وكثر عليها الطلب قبل أن ترتفع أسعار المعدن الأصفر، وأشارت إلى أن الحلي التقليدية تبحث عنها امرأة اليوم من دون الرغبة في إضافات عصرية لها مثل "كرافاش بولحية" و"الشدة التلمسانية".

وأبرزت "حرفيي وتجار المجوهرات" أنه خلال الأعوام الأخيرة زاد الطلب على الحلي الفضي، وتراجع قليلاً الإقبال على المجوهرات الذهبية نظراً إلى غلائها مقارنة بالمستوى المعيشي لدى بعض الأسر الجزائرية، وأوضحت الجمعية أن هناك أفكاراً لبعث بنك معلومات يستفيد منه الحرفيون وصناع الذهب والفضة والمستهلك، فيجري التعريف من خلاله بكل ما يتعلق بهذه المعادن وصناعتها.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات