Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يقترب القرن الأفريقي من مواجهة إقليمية؟

يتطلب منع الحرب إعادة الاعتبار لمبدأ أنه لا تمنح الجغرافيا دولة حق الاستيلاء على أرض أخرى لأنشطة عسكرية بحرية كما لا يمكن ضمان أمن أية دولة عبر إنتاج مخاوف وجودية لدى جيرانها

دبابة عسكرية إريترية متضررة تظهر بالقرب من بلدة ويكرو في إثيوبيا عام 2021 (رويترز)

ملخص

إثيوبيا التي تواجه تحديات في أكثر من إقليم لن تستفيد بالضرورة من فتح جبهة خارجية جديدة، وإريتريا التي تنظر إلى أمنها من زاوية الحفاظ على استقلالها لن تضمن أن يؤدي التصعيد إلى تحييد الخطر الذي تتصوره. كما أن الحرب ستضاعف الأعباء الإنسانية والاقتصادية على سكان تيغراي والمناطق الحدودية، وتزيد احتمالات النزوح وتراجع النشاط التجاري، في منطقة تعاني بالفعل آثار صراعات ممتدة.

لم يعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا مجرد خلاف مؤجل بين دولتين تحملان إرثاً طويلاً من الحرب وانعدام الثقة، بل بات مرشحاً للتفاعل مع أزمات متشابكة تمتد من إقليم تيغراي إلى ساحل البحر الأحمر، ومن حسابات الوصول الإثيوبي للموانئ إلى هشاشة الدولة السودانية والصراع على النفوذ في الصومال.

وتزداد أهمية هذه اللحظة، لأن إثيوبيا وإريتريا لا تتحركان في فراغ إقليمي. فكل منهما تعيد حساباتها في بيئة تتراجع فيها قدرة المؤسسات الأفريقية على فرض تسويات ملزمة، وتتداخل فيها المصالح الأمنية مع التنافس على الموانئ والممرات البحرية، بينما تترك الحرب السودانية فراغات إضافية تسمح بانتقال آثار الصراعات عبر الحدود.

ومن ثم، فإن قراءة التصعيد تقتضي تجاوز السؤال التقليدي عما إذا كانت الحرب ستندلع، إلى سؤال أوسع كيف يمكن أن تتحول أزمات منفصلة ظاهرياً إلى معادلة إقليمية واحدة؟ التطور الأهم في المشهد الراهن هو عودة القتال لتيغراي في سبتمبر (أيلول) الماضي. ومع تجدد القتال، لم تعد الأزمة محصورة في العلاقة بين أديس أبابا وقيادة تيغراي. فقد تبادلت إثيوبيا وإريتريا الاتهامات في شأن تحركات عسكرية عبر الحدود ودعم جماعات مسلحة، واتهمت الحكومة الإثيوبية القوات الإريترية بالتوغل داخل أراضيها، فيما نفت أسمرة هذه الاتهامات، واعتبرتها ذريعة لشن هجوم عليها.

ولا يعني ذلك أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية، فالكلفة العسكرية والاقتصادية ستكون مرتفعة على الجانبين، كما أن إثيوبيا لا تزال تواجه أزمات داخلية متعددة، في حين أن أية مواجهة ممتدة قد تستنزف إريتريا، لكن احتمال اندلاع الحرب لا يتوقف على وجود قرار سياسي مسبق بها، فقد تنشأ المواجهة من تراكم عمليات محدودة، أو من استهداف مواقع عسكرية، أو من توسع الاشتباكات داخل المناطق الحدودية.

هنا تظهر المعضلة الأساسية فقد ترى الحكومة الإثيوبية في الضغط العسكري على تيغراي وسيلة لاستعادة سلطة الدولة، بينما تقرأه إريتريا باعتباره خطوة تسبق تحولاً في ميزان القوة على حدودها. وفي المقابل، قد يدفع أي تدخل إريتري، إذا ثبت واتسع نطاقه، أديس أبابا إلى توسيع عملياتها خارج إطار المواجهة مع القوى المحلية. وهكذا يصبح النزاع الداخلي قناة لحرب بين دولتين، لا مجرد خلفية لها.

في هذا السياق، يصعب فهم التصعيد الراهن بمعزل عن مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. من حيث المبدأ، لا يمثل سعي إثيوبيا إلى تنويع منافذها التجارية أو التفاوض على ترتيبات مستقرة لاستخدام الموانئ أمراً استثنائياً. فالدول الحبيسة تحتاج إلى ضمانات عملية لحركة التجارة، وتستطيع الاتفاقات الاقتصادية واللوجيستية أن تحقق مصالح متبادلة للدول الساحلية ودول الداخل، لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز النقاش ترتيبات الوصول التجاري إلى خطاب يوحي بأن الجغرافيا تمنح الدولة الحبيسة حقاً في السيطرة على منفذ بحري تابع لدولة أخرى.

من هنا يتعين التمييز بين ثلاثة مسارات مختلفة كثيراً في آثارها: اتفاق تجاري يضمن لإثيوبيا استخدام ميناء إريتري بشروط متفق عليها، وترتيب طويل الأجل يمنحها حقوقاً لوجيستية محددة مع احترام السيادة الإريترية، والسيطرة العسكرية أو فرض الأمر الواقع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المساران الأول والثاني يمكن أن يشكلا أساساً لتسوية تفاوضية، أما الثالث فيفتح الباب أمام حرب إقليمية، ويضع مبدأ السيادة وسلامة الأراضي أمام اختبار بالغ الخطورة. وتتضاعف الأخطار لأن قضية عصب تتجاوز العلاقة الثنائية، فالبحر الأحمر أحد الممرات الحيوية للتجارة العالمية، ويتصل أمنه باستقرار القرن الأفريقي وخليج عدن وباب المندب، كما تتداخل فيه مصالح دول ساحلية وقوى دولية وإقليمية تسعى إلى تأمين خطوط الملاحة أو توسيع حضورها العسكري والاقتصادي.

أيضاً ملف الوصول البحري يرتبط بأزمة الثقة بين إثيوبيا وجيرانها، فقد أثارت مذكرة التفاهم التي وقعتها أديس أبابا مع سلطات أرض الصومال عام 2024 في شأن الوصول إلى البحر مخاوف صومالية من المساس بوحدة أراضي البلاد. ولم تقتصر آثار الخلاف على مقديشو وأديس أبابا، بل أسهم في تعقيد البيئة الدبلوماسية في القرن الأفريقي، إذ تتداخل الخلافات الحدودية مع المنافسة على الموانئ والاعتراف السياسي والشراكات الأمنية. وبذلك لا تبدو عصب مسألة منفصلة، بل جزء من معادلة أوسع تتعلق بحدود النفوذ الإثيوبي، وبالطريقة التي يمكن أن تحقق بها الدولة مصالحها البحرية من دون تحويلها إلى مصدر صراع مع محيطها.

إذا اتسع الصراع الإثيوبي - الإريتري، فلن يكون السودان مجرد دولة مجاورة تراقب التطورات من الخارج. فالحرب السودانية المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 أضعفت قدرة الدولة على ضبط حدودها، وأوجدت بيئة إقليمية تتزايد فيها احتمالات انتقال السلاح والمقاتلين والتأثيرات السياسية بين ساحات الصراع. كما أن الاتهامات المتبادلة في شأن دعم أطراف سودانية من خارج الحدود، وما يرتبط بها من تقارير عن خطوط إمداد وتحركات عسكرية، تجعل من الصعب فصل النزاع السوداني عن التنافس الأوسع في القرن الأفريقي.

وتتصل هذه الأخطار بموقع إثيوبيا في حسابات أطراف الحرب السودانية، فقد ظهرت اتهامات وتقارير في شأن تقديم دعم لقوات "الدعم السريع" عبر الأراضي الإثيوبية، إذ يمكن للتحركات العسكرية الإثيوبية أن تقرأ في السودان ضمن سياق الصراع الداخلي، لا باعتبارها شأنا إثيوبياً خالصاً. وإذا اندلعت مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا، فقد تتعرض الحدود السودانية لضغوط إضافية.

ويزيد من تعقيد المشهد أن السودان نفسه يقع عند تقاطع مصالح مصر وإثيوبيا ودول البحر الأحمر، فالقاهرة تنظر إلى استقرار السودان ووحدة أراضيه باعتبارهما مصلحتين أمنيتين مباشرتين، كما يرتبط التنافس المصري - الإثيوبي بالخلاف المستمر حول سد النهضة وقواعد إدارة مياه النيل. ولذلك، فإن أي تصعيد إثيوبي - إريتري قد يضيف بعداً جديداً إلى العلاقة المصرية - الإثيوبية، لكنه لا يعني بالضرورة أن القاهرة ستختار الانخراط في مواجهة عسكرية، أو أن التنسيق المصري مع دول الجوار يمثل تحالفاً حربياً.

وتكتسب القمة التي جمعت مصر وإريتريا والسودان والصومال في العلمين في الرابع من أكتوبر 2026 أهمية في هذا السياق، لأنها تعكس اهتماماً بتنسيق المواقف بين دول ترى أن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتطلب احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وإدارة الخلافات من خلال ترتيبات إقليمية. لكن التشاور السياسي لا يساوي بالضرورة اتفاقاً على جميع الملفات، ولا يثبت وحده وجود خطة مشتركة لمواجهة إثيوبيا. كما أن قدرة هذه الدول على التأثير في الأزمة ستظل مرتبطة بمدى اتفاقها على أهداف محددة، وبقدرتها على تقديم مسار دبلوماسي قابل للتطبيق، لا بمجرد تقارب مواقفها في مواجهة المخاوف المشتركة.

أما الصومال فيواجه معضلة مزدوجة، فمن جهة لا يمكنه تجاهل الخلاف مع إثيوبيا في شأن مذكرة التفاهم مع أرض الصومال وما أثارته من مخاوف على وحدة البلاد. ومن جهة أخرى، فإن انزلاق إثيوبيا وإريتريا إلى حرب مفتوحة قد يضع مقديشو أمام ضغوط لا تتصل مباشرة بخلافها مع أديس أبابا، بل بأمن الحدود والممرات البحرية وتوازنات القوى في المنطقة.

وعلى المستوى الدولي، لا تكمن المشكلة في غياب الأطراف القادرة على التواصل مع أديس أبابا وأسمرة، إنما في صعوبة تحويل الاتصالات الدبلوماسية إلى آلية تمنع التصعيد ميدانياً. فالاتحاد الأفريقي يمتلك مصلحة مباشرة في منع حرب جديدة بين دولتين سبق أن خاضتا مواجهة مكلفة، كما أن الأمم المتحدة تستطيع توفير قناة لتبادل الاتهامات والضغط من أجل خفض التصعيد.

وتتوقف فرص نجاح هذه المحاولات إدراك الطرفين أن المكاسب العسكرية الموقتة قد تنتج خسائر استراتيجية طويلة الأمد، فإثيوبيا التي تواجه تحديات في أكثر من إقليم لن تستفيد بالضرورة من فتح جبهة خارجية جديدة، وإريتريا التي تنظر إلى أمنها من زاوية الحفاظ على استقلالها لن تضمن أن يؤدي التصعيد إلى تحييد الخطر الذي تتصوره. كما أن الحرب ستضاعف الأعباء الإنسانية والاقتصادية على سكان تيغراي والمناطق الحدودية، وتزيد احتمالات النزوح وتراجع النشاط التجاري، في منطقة تعاني بالفعل آثار صراعات ممتدة.

وطبقاً لهذه المعطيات، فإن الخطر الحقيقي هو أن تتحول أزمة داخلية إثيوبية إلى مواجهة بين دولتين، إلى سلسلة من الاصطفافات والتدخلات التي تربط مصير تيغراي بأمن السودان والصومال والبحر الأحمر. وإذا حدث ذلك، فلن تكون المنطقة أمام حرب حدودية جديدة فحسب، بل أمام أزمة إقليمية متعددة المسارات، يصعب احتواؤها، لأن كل طرف سيعتقد أن تراجعه في ساحة واحدة يهدد موقعه في ساحات أخرى. ولذلك، فإن منع الحرب لا يتطلب انتظار لحظة الانفجار، إنما يتطلب إعادة الاعتبار إلى مبدأ أساس أنه لا تمنح الجغرافيا دولة حق الاستيلاء على أرض دولة أخرى لأنشطة عسكرية بحرية، كما لا يمكن ضمان أمن أية دولة عبر إنتاج مخاوف وجودية لدى جيرانها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل