ملخص
تشير التقارير إلى أن الترتيبات الأمنية التي تلت انسحاب "الجبهة"، أدت إلى تصاعد التوتر بين "قوات سلام تيغراي" وميليشيات محلية تُعرف بـ"رايا زيب" (Raya Zeb)؛ وهي قوة مجندة محلياً شكلتها حكومة إقليم أمهرة في يوليو 2026. ووثقت وسائل إعلام محلية، اندلاع اشتباكات بين القوتين في الفترة ما بين 1 و3 أكتوبر الجاري، في محيط "ألاماطا"، وذلك وسط خلافات حول دور قوات "رايا" في الأمن والإدارة المحليين.
منذ أن سيطرت القوات الفيدرالية الإثيوبية، وقوات "سلام تيغراي" المتحالفة معها، على معظم المدن الرئيسة في تيغراي، يشهد الإقليم الشمالي الإثيوبي هدوءاً مشوباً بالحذر الشديد، وبخاصة بعد انتشار الوحدات التابعة لـ"قوات سلام تيغراي" في المدن بعد انسحاب قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي" التي أدارت المنطقة منذ بداية التسعينيات.
وكشفت تقارير إعلامية مطلعة أن مناطق جنوب تيغراي وبخاصة منطقتا ألاماطا ورايا شهدتا تفاقماً كبيراً للتوترات الإثنية، بين القوات المتحالفة مع الجيش الفيدرالي وسكان هذه المناطق. فيما تشهد المناطق الوسطى استقرارا نسبياً، لا سيما في مدينة ميكيلي حيث تنتشر "قوات سلام تيغراي"، فيما يقتصر وجود الجيش الفيدرالي في المنشآت الكبرى كالمطارات والمؤسسات الرسمية، فضلاً عن الجبهات المتقدمة.
ومن جهته اتهم "حزب الحركة الوطنية لأمهرة" (NaMA) "قوات سلام تيغراي" (TPF) بارتكاب انتهاكات واسعة في جنوب الإقليم، تشمل عمليات قتل واعتداءات على السكان ومحاولات لفرض سيطرة سياسية وإدارية في منطقتي رايا وألاماطا، وذلك في أعقاب تجدد الاشتباكات التي تورطت فيها جماعات مسلحة وقوات حليفة للحكومة الفيدرالية، مما أدى إلى تصعيد النزاع حول الأمن والسيطرة الإدارية على المنطقة.
وفي بيان صدر في الـ12 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، ذكر الحزب أن دخول "قوات سلام تيغراي" إلى رايا وألاماطا، عقب انسحاب قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي"، قد دشن "مرحلة جديدة من انعدام الأمن" للسكان الذين عانوا بالفعل لسنوات النزوح والصراع. ودعا الحزب الحكومة الفيدرالية إلى إخراج "قوات سلام تيغراي" من المنطقة، وضمان أن تتولى القوات الفيدرالية وحدها مسؤولية الإشراف على الأمن، وذلك إلى حين تشكيل إدارة انتقالية ينتخبها السكان المحليون.
وقال الحزب "يجب إلزام الجماعة المسلحة التي تطلق على نفسها 'قوات سلام' وتمارس انتهاكات واسعة بحق المواطنين، بمغادرة المنطقة فوراً ومن دون قيد أو شرط"، زاعماً أن هذه الجماعة نزعت سلاح وحدات الميليشيا المحلية المعنية بالسلامة العامة، وأطلقت النار على السكان، وعرقلت عودة النازحين.
ودعا "حزب الحركة الوطنية لأمهرة" كلاً من اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان، ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومنظمات دولية أخرى، إلى إجراء تحقيقات مستقلة وميدانية بشأن الهجمات المُبلغ عنها، وعمليات تدمير الممتلكات، وعرقلة عودة النازحين.
ويأتي هذا البيان في ظل مزاعم متضاربة ومشحونة سياسياً حول السيطرة على منطقتي رايا وألاماطا في جنوب تيغراي، وذلك عقب انسحاب الإدارة المحلية التي كانت تقودها "جبهة تحرير شعب تيغراي" من المنطقة في الأسبوع الأخير من سبتمبر الماضي.
اشتباكات وتنافس القوى المسلحة
وتشير التقارير إلى أن الترتيبات الأمنية التي تلت انسحاب "الجبهة"، أدت إلى تصاعد التوتر بين "قوات سلام تيغراي" وميليشيات محلية تُعرف بـ"رايا زيب" (Raya Zeb)؛ وهي قوة مجندة محلياً شكلتها حكومة إقليم أمهرة في يوليو (تموز) 2026.
ووثّقت وسائل إعلام محلية، اندلاع اشتباكات بين القوتين في الفترة ما بين الأول والثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، في محيط "ألاماطا"، وذلك وسط خلافات حول دور قوات "رايا" في الأمن والإدارة المحليين. وأشارت تقارير لاحقة إلى تحرك القوات الفيدرالية وعناصر من "سلام تيغراي" لنزع سلاح ميليشيات "رايا زيب"، إلا أنهما فشلا في المهمة، بحسب ما أفاد موقع إخباري أمهري.
وأوردت "حركة القومية الأمهرية" رواية تصف تسلسلاً للأحداث، مشيرة إلى أن انسحاب قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي"، من المنطقة قد خلّف فراغاً سياسياً وإدارياً وأمنياً مما أدخل المدن في فوضى عارمة، مما دفع بميليشات رايا إلى نشر قواتها لمنع الفوضى، إلا أنها قوبلت بهجوم من قبل "قوات سلام تيغراي"، التي ترى نفسها القوة الوحيدة الحاكمة في الإقليم الشمالي. وذكرت الحركة أن تحركات قوات سلام تيغراي ركزت بصورة أساسية على إنهاء وجود قوات رايا فضلاً عن "مضايقة السكان"، بما في ذلك ارتكاب عمليات قتل وحبس الناشطين من أبناء قومية الأمهرة بصورة انتقائية.
وتصف "حركة القومية الأمهرية" هذه المجموعة بأنها فصيل منشق عن "جبهة تحرير شعب تيغراي"، وتسعى إلى تكريس السياسات ذاتها، مما يجعل الأقلية الأمهرية في تيغراي مستهدفة في هويتها وأمنها. وتُقدر الحركة أن الحكومة الفيدرالية أخفقت في الاستجابة بشكل كاف لتحذيراتها المتكررة بشأن وجود جماعات مسلحة، بخلاف القوات الفيدرالية، في المنطقة، متهمة السلطات بتهيئة الظروف التي أتاحت وقوع الانتهاكات الأخيرة.
يُذكر أن "قوات سلام تيغراي" التي باتت الآن حليفاً رسمياً للجيش الإثيوبي، برزت بوصفها قوة معارضة مسلحة من التيغراي إثر انقسام داخل قيادة الإقليم في عام 2025. وربطت تقارير صدرت في يوليو (تموز) الماضي، من ذلك العام بين تشكيل هذه القوة ومؤيدي الرئيس الإقليمي السابق لتيغراي غيتاشيو ردا، وما قيل إنه دعم حكومي فيدرالي لجهود تنظيم قوة مسلحة في إقليم عفر المجاور. ورغم أن الحكومة الفيدرالية لم تقر رسمياً بدعم تشكيل هذه المجموعة، فإن مسؤولين من تيغراي اتهموا أديس أبابا بدعم جماعات مسلحة بهدف "إثارة صراع داخلي في تيغراي".
أبعاد إثنية ومناطقية
من جهته حث العميد كاسا ديمليو رئيس ملف السلام والأمن في منطقة "شمال وولو" بإقليم أمهرة، عناصر "رايا زيب" على التكاتف وتكثيف مساهمتهم في تحقيق "السلام المحلي بالتعاون مع القوات الأمنية المشتركة"، مشيراً إلى أن درايتهم بجغرافية المنطقة قد تسهم في تعزيز جهود بناء السلام.
وقدم كاسا قوات "رايا زيب" بوصفها قوة تهدف إلى المساهمة في الأمن المحلي، مما يمنح الصراع الدائر الآن داخل إقليم تيغراي بين القوى المسلحة أبعاداً إثنية ومناطقية، وبخاصة إثر اندلاع المواجهات التي كشفت عن تضارب الادعاءات بشأن الجهة التي ينبغي أن تتولى السلطة الأمنية في المنطقة عقب انسحاب الإدارة التي كانت تقودها "جبهة تحرير شعب تيغراي".
بدورها حثت الحكومة الإقليمية في أمهرة على اتخاذ موقف أكثر حزماً لدعم أمن سكان منطقة "رايا" ومطالبهم الدستورية، داعية المجتمع المحلي في الوقت ذاته إلى السعي لتحقيق مطالبه من خلال الوحدة والوساطة المحلية والحراك السياسي السلمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي ظل التوترات الراهنة ومخاوف اندلاع اشتباكات أوسع نطاقاً داخل الإقليم، دعا ناشطون ينتمون إلى قومية الأمهرة في جنوب تيغراي في بيان مشترك، إلى إخلاء رايا وألاماطا من كافة القوات المسلحة باستثناء عناصر الجيش والأمن الفيدراليَين، وذلك إلى حين "حسم المسائل التاريخية المتعلقة بالهوية والإدارة السياسية". وطالب البيان بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير المصرح لها وإدراج أفرادها في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
ويرى الموقعون على البيان أن المراجعات الأخيرة تأتي امتداداً لتاريخ طويل من صراعات الهوية والموارد في المنطقة الجنوبية لتيغراي المحاذية لإقليم الأمهرة.
شغور سياسي وأمني
من جهته يرى المحلل السياسي الإثيوبي بيهون غيداون، أن "انسحاب قوات جبهة تحرير شعب تيغراي، بعد خسارتها حرب المدن، له تداعيات أمنية وسياسية، في الإقليم الشمالي الذي يعاني فراغاً دستورياً وأمنياً".
ويُقدر بيهون أن "الجبهة ظلت مسيطرة بالكامل على مقدرات الإقليم وإدارته منذ عام 1991، ومن ثم فإن غيابها بالشكل الدراماتيكي الذي حدث، كان ينذر بحدوث فوضى عارمة، إلى حين أن يضبط الجيش الفيدرالي وحلفاؤه، الأمن والسلامة". ويضيف أن "الاشتباكات المحدودة التي وقعت في جنوب الإقليم، تعد جزءاً من تركة الجبهة التي تحكمت فيه من خلال الحديد والنار"، مشيراً إلى أن "منطقتي رايا وألاماطا شهدتا اشتباكات متكررة في السابق، بعضها بُعيد توقيع اتفاقية بريتوريا، أثناء حكم الجبهة".
ولفت إلى أن "ثمة إشكاليات تاريخية تقف خلف هذه الخلافات التي أدت إلى مواجهات محدودة، أساسها يرتبط بهوية سكان المنطقة الذين تم اختزالهم في الهوية التيغراوية، وفق التعريف الذي استندت إليه الجبهة في بناء الفيدرالية الإثنية في البلاد".
مرحلة التخلص من السموم
ويشبّه غيدوان الحالة القائمة بالجسد الذي ظل مريضاً ويستعيد عافيته، واصفاً الأمر بـ"مرحلة التخلص من السموم". ويتوقع المحلل الإثيوبي مزيداً من المواجهات كـ"تداعٍ محتمل وزوال نظام ظل جاثماً على صدر الإقليم لنحو خمسة عقود كاملة". ويضيف أن "قوات سلام تيغراي هي ميليشيات منشقة من الجبهة وتحمل جزءاً من بذورها، ومن ثم فإن لجوءها إلى الحل العسكري لم يكن مستغرباً".
ويقلل المتحدث من تأثير هذه الحالات على الحالة العامة في إثيوبيا وإقليم تيغراي تحديداً، مشيراً إلى أن "هذه الميليشيات لن تحل مكان الجبهة الأصلية، بل ستضطلع فقط بالمهمات العسكرية والأمنية، فيما ستدير الحكومة الفيدرالية الفترة الانتقالية في تيغراي بنفسها، إلى حين تهيئة المناخ لتنظيم انتخابات تشريعية تضمن عودة ممثلي تيغراي إلى البرلمان الوطني والحكومة الفيدرالية".
ويتوقع المحلل الإثيوبي "تحويل ملف كل من ألاماطا ورايا إضافة إلى منطقة والقايت إلى استحقاقات سياسية كتنظيم استفتاء شعبي أو غيره من الحلول التي سبق أن اقترحتها حكومة آبي أحمد كمخرج للأزمة"، مشيراً إلى أن "تلك الجهود لم تُكلل بالنجاح نظراً إلى تحكم الجبهة بمقاليد الأمور في تيغراي".
حرب استنزاف
من جهته يرى المتخصص في الشأن التيغراوي، جبري جرجيش داويت، أن "الحديث عن تيغراي ما بعد الجبهة، يعد أمراً سابقاً لأوانه، فعلى رغم انسحاب قوات الجبهة من كل المدن الكبرى، فإن الخيارات العسكرية التي تتبعها قواتها تعتمد على حرب العصابات، وحروب الاستنزاف الطويل، وهما استراتيجيتان قادرتان على منح الجبهة فرص أخرى لإعادة تنظيم صفوفها، وامتلاك القدرة على تحدي الجيش النظامي وحلفائه من جديد". ويضيف داويت "عوامل أخرى تتعلق بحرص الجبهة على عدم القتال داخل المدن الكبرى، لتجنيب التيغراويين مذابح جماعية، وبخاصة أنها تقاتل داخل جغرافيتها وسكانها، ومن ثم فإنها تجد دوماً السند الشعبي".
ويقرأ داويت الاشتباكات الأخيرة بين "قوات سلام تيغراي" المتحالفة مع الجيش وقوات ميليشيات رايا، بأنهما "صنيعتا الجيش النظامي"، مدللاً على ذلك بحصولهما على التمويل الحكومي، وأن "خلافاتهما تتعلق بالسيطرة على السلطة والثروة، وليست نزاعاً هوياتياً بالضرورة، إلا أن ثمة تعمّداً لتصدير سردية الهوية، لأنها تخدم الدولة المركزية الساعية إلى إنهاء النظام الفيدرالي وتشكيل نظام أحادي شديد المركزية".