ملخص
صوّر إيليا كازان فيلمه "أميركا.. أميركا" الذي اقتبسه من رواية كان هو نفسه أصدرها قبل فترة، من دون ممثلين محترفين... وصوَّر معظم مشاهد الفيلم في آسيا الصغرى، أي بين تركيا واليونان، علماً أن كازان نفسه يوناني الأصل من تركيا.
حين رحل إيليا كازان، المخرج الأميركي الكبير، عن عالمنا قبل ما يقارب العقد ونصف العقد، ركز معظم الذين تحدثوا عنه على فصل من فصول حياته، لم يكن أكثرها إشراقاً: فصل لعب فيه كازان، في الحياة الطبيعية لا على الشاشة، دور الواشي. وكان ذلك أيام استشراء الماكارثية ومطاردة "السحرة الحمر" في عالمي السياسة والاستعراض في الولايات المتحدة كتمهيد للحرب الباردة. كانت الماكارثية، كما نعرف، سلسلة من الحملات التأديبية والتطهيرية التي اندلعت تحت رعاية اليمين الأميركي الحربجي المتطرف، تحت غطاء "فضح اليساريين والشيوعيين" للتنكيل في حقيقة الأمر بكل بقايا نظام الرئيس السابق روزفلت، الذي كان سعى إلى تعايش في العالم بين الأعداء الأيديولوجيين، مما كان من شأنه أن حدَّ من ازدهار صناعة السلاح وتطلعات العسكريين.
وهكذا اندفعوا واليمين المتحالف معهم إلى تطهير وزارة الخارجية والجيش بخاصة، من الروزفلتيين، مغطين ذلك "بسحق" الشيوعيين الذين كانوا هم واليساريون الديمقراطيون كثراً في هوليوود. في ذلك الحين كان إيليا كازان واحداً من هؤلاء. وهكذا حين استُدعي لـ"يشهد" أمام اللجنة الماكارثية (لجنة النشاطات المعادية لأميركا برئاسة السيناتور الداهية ماكارثي ونائبه الذي سيضحى لاحقاً رئيساً لتلك البلاد، ريتشارد نيكسون) خاض واندفع حتى وشى بعدد من رفاقه السابقين، مؤكداً شيوعيتهم، مما أضر بمسار بعضهم المهني. وجعل كثراً يلومونه على ما فعل، وفي مقدمتهم الكاتب الكبير آرثر ميلر، الذي بعد صداقة وتعاون طويلين مع كازان، لامه بقسوة وقطع علاقته معه.
الأجنبي ينفد بجلده
طبعاً لم يأبه كازان في ذلك الحين للمواقف التي عاتبته أو لامته أو خاصمته. كان حسبه أن نفد بجلده، وهو الأجنبي الذي لو لم يشي لدفع الثمن غالياً. لكنه بعد ذلك، وحين بدأ يستعيد وعيه ويدرك خطورة ما فعل وقذارته، راح يحمل أفلامه تبريراته وندمه، في محاولة منه لشراء نفسه واستعادة مكانته.
ومن هنا حمل كل فيلم من أفلامه التالية إشارة ما، مبطنة أو واضحة... حتى وإن كان في واحد من أول أفلامه التي حققها بعد "الخيانة" تبريراً واضحاً بدا لكثير مثيراً للاشمئزاز.
أما ذروة الندم والتبرير فستكون عام 1971 في فيلم "الزائران". ومع هذا يظل فيلمه الذي حققه في عام 1964 في عنوان "أميركا... أميركا" ذروة في موضوع الاعتذار، وذلك لسبب في غاية البساطة، وهو أن الاعتذار جاء هنا مبطناً من خلال رصد كازان لشبابه كمهاجر أتى إلى أميركا وهو يحلم... ليصطدم بالحلم وقد أضحى كابوساً. في هذا الفيلم، إذاً، ألقى كازان اللوم كله على الظروف، وعلى الضربة التي جعلت منه إنساناً هشاً خائفاً. والخائف يفعل أي شيء عادة.
قمة في السرد الموارب
هذا كله لا يحمله الفيلم بوضوح، بل إن من لا يعرف شيئاً عن ظروف إيليا كازان الخاصة لا يمكنه أن يتنبه إلى هذا الجانب من مضمون الفيلم. ومع هذا حمل "أميركا... أميركا" قيمته المطلقة وجماله بوصفه فيلماً عرف فيه كازان كيف يدخل السينما الأميركية عالم "سينما المؤلف"، التي كانت ولدت في أوروبا قبل ذلك بفترة، لتُدخل جديداً لم يكن كلي الجدة على أي حال، إذ سبقته محاولات غير منظمة في بلدان أوروبية عدة، بل حتى في هوليوود نفسها.
ولكن، لأن سينما المؤلف كانت تحولت إلى ظاهرة، عرف "أميركا... أميركا" كيف يقدم نفسه جزءاً من هذه الظاهرة، فكانت من هنا قيمته الأكبر. غير أن الأهم من هذا وذاك، أن إيليا كازان صوَّر الفيلم الذي اقتبسه من رواية كان هو نفسه أصدرها قبل فترة، من دون ممثلين محترفين... وصوَّر معظم مشاهد الفيلم في آسيا الصغرى، أي بين تركيا واليونان، علماً أن إيليا كازان نفسه يوناني الأصل من تركيا. ولقد بدا هذا واضحاً في الفيلم.
فالحكاية هنا تبدأ في منطقة الأناضول التركية عند بدايات القرن الـ20. وفي تلك المنطقة كانت تعيش جاليتان كبيرتان إحداهما أرمنية والثانية يونانية. وكانت هاتان الجاليتان تعيشان صراعاً في ما بينهما، لكنهما كانتا تتعرضان معاً، في الوقت نفسه، لقمع السلطات التركية. وهذا الوضع ما كان من شأنه أن يريح الفتى ستافروس، الذي كان لا يحلم إلا بالهجرة إلى أميركا التي كانت، في نظره، "أرض الحرية والأمل... وملجأ المضطهدين". وإذ استجاب أهله لرغبته، جمعوا له ما يستطيعون من مال قليل وباركوه، غير أنه ما أن وصل إلى الميناء ليبحر منه، حتى صادفه نصاب تركي لا ضمير له، وسلبه ما معه من مال، فاضطر الفتى إلى أن يعمل حمالاً في الميناء لكي يتمكن من جمع مال يكفيه للسفر.
وفي تلك الأثناء نراه ينضم إلى حركة ثورية ويفكر بالزواج... لكن الأمور تنتهي به إلى أن يجد نفسه على سفينة مُبحرة إلى أميركا، مع رهطٍ من مهاجرين آخرين، بمن فيهم سيدة هي زوجة تاجر سجاد تتواطأ معه.
وفي النهاية، تلوح نيويورك للمهاجرين من بعيد، وترسو السفينة في مرفأ نيويورك، ليصل صاحبنا أخيراً إلى حلمه وقد آلى على نفسه أن يصبح أميركياً تماماً. وهو يرمز إلى هذا بخلع طربوشه ما إن يصل وإبداله بقبعة أميركية. وإذ يستقر عاملاً في مسح الأحذية يبعث إلى أهله رسالة يستحثهم فيها على اللحاق به.
سيرة ذاتية... تقريباً
كان من الواضح أن ما صوره إيليا كازان في "أميركا... أميركا" إنما هو، وإلى حد ما، سيرته الذاتية. قد تكون هناك بعض التبديلات والتعديلات... لكنها سيرته بالتأكيد. ومن هنا يبدو واضحاً أن ما دفعه حقاً إلى كتابة هذه السيرة في نص روائي، ثم تحويلها إلى فيلم سينمائي، لم يكن سوى رغبته في أن يحدث نفسه قبل أن يحدث أي شخص آخر. كان يريد أن يقول إن ما دفعه إلى الخوف والوشاية، إنما هو ذلك العذاب الذي ناله قبل أن يحقق حلمه الأميركي. وأن هذا الحلم الذي كلفه غالياً لم يخيب آماله حقاً. ومن هنا يحق له أن يتساءل: إذا كانت أميركا بالنسبة إلى الحالمين بها والذين حققوا حلمهم هذا، هي هذا الوطن الذي نعيش فيه، فلماذا ترانا نسعى إلى "خيانته". فبالنسبة إلى إيليا كازان، كما بالنسبة إلى اللجنة الماكارثية، كان أي نزوع ديمقراطي أو يساري في ذلك الحين يعني خيانة أميركا وتعريضها إلى الدمار.
ولعل هذا هو اللب الأساس لهذا الفيلم، حتى وإن كان يحمل كثيراً من الموضوعات الأخرى، مثل رغبة المخرج وقد أضحى في الـ50 حينها، في العودة إلى الجذور. وفي استحضار شيء من ماضيه. أو حتى الرغبة في تحقيق فيلم شاعري إنساني جميل (وهو ما نجح فيه حقاً عبر "أميركا... أميركا" الذي سيظل دائماً أجمل أفلامه وأكثرها عذوبة، بل ربما أيضاً، واحداً من أجمل أفلام السيرة الذاتية في تاريخ السينما الأميركية).
مهما يكن فإن كازان كان راغباً، أصلاً في أن يكون "أميركا... أميركا" الجزء الأول من ثلاثية تابعها لاحقاً في رائعته "التدبير" وكان يود استكمالها في فيلم "الأناضولي" الذي لم يحققه أبداً، فاكتفى بإصداره كرواية في آخر حياته، وبعدما أصدر كتاب مذكراته الشهير "حياتي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بدايات مسار سينمائي
إيليا كازان الذي رحل عام 2003، وُلد في إسطنبول عام 1909 وعاش في بداياته حياة بؤس وخوف... لكنْ هنا ثمة اختلاف بينه وبين ستافروس، إذ إن كازان هاجر إلى أميركا حين كان في الرابعة بعدما كان أبوه سبق العائلة إلى هناك... لكنه تقلب في القارة الجديدة بين مهن عدة قبل أن يُشغف بالمسرح، فيمثل ويُخرج في عدد من الفرق اليسارية التي كانت منتشرة في ذلك الحين.
أما مساره السينمائي فقد بدأه بعدما كان اشتهر من خلال تأسيس "ستديو الممثل" مع لي ستراسبرغ، محققاً على التوالي أفلاماً جعلت اسمه يبرز كواحد من أهم المخرجين الأميركيين ومنها "عند الميناء" (فيلم "تبرير الخيانة" بامتياز والذي أشرنا إليه أول هذا الكلام)، و"فيفا زاباتا"، و"عربة اسمها الرغبة" و"العملاق الأخير" وغيرها من أعمال معظمها يشكل علامات في تاريخ السينما العالمية.