Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من يقف في طريق "توبة" كنيسة إنجلترا؟

محامون وإعلاميون يقودون حملة على صندوق تعويضات عن ماضي الكنيسة في العبودية  

كاتدرائية كانتربري في لندن بُنيت بين عامي 1070 و1077 وتعد واحدة من أقدم الكاتدرائيات في إنجلترا (غيتي)

ملخص

كشفت تقارير صحافية بريطانية عن أن الحملة التي عطلت صندوق كنيسة إنجلترا للتكفير عن ماضيها في تجارة الرقيق ترتبط بشبكة تمويل يتصدرها مدير صناديق التحوط السير بول مارشال. وتقود الحملة شخصيات أبرزها اللورد نايجل بيغار، أخرت الصندوق عامين عن موعد إطلاقه. وتعززت الحملة باستطلاع رأي موّله بيغار، وجرى تداول نتائجه منقوصة. ويضع ذلك الكنيسة أمام معضلة، إما المضي في مشروع يواجه طعناً قضائياً ومعارضة إعلامية منظمة، وإما التراجع عن التزام قطعه ثلاثة رؤساء أساقفة متعاقبين.

في سبتمبر (أيلول) عام 2025، جلس اللورد نايجل بيغار إلى جانب النائبة "المحافظة" كايتي لام خلال حلقة من "بودكاست" لمجلة "ذا سبكتيتور"، حملت اسم كتابه الأخير عن التعويضات وما سماه "طغيان الذنب المتخيل". ووصف بيغار، وهو أستاذ جامعي متقاعد وعضو محافظ في مجلس اللوردات البريطاني وقس أنغليكاني، خطة كنيسة إنجلترا لإنفاق 100 مليون جنيه استرليني، تعادل أكثر من 130 مليون دولار، تكفيراً عن تورطها في تجارة الرقيق بأنها استعراض أخلاقي من نخب تسعى إلى إثبات تقدميتها.

تبدو الحلقة اليوم أقرب إلى بيان تأسيسي لحملة نجحت في ما عجزت عنه معارضات مماثلة. فبعد قرابة ثلاثة أعوام على إعلان "مفوضي الكنيسة" إنشاء "صندوق الشفاء والإصلاح والعدالة"، المعروف داخلياً باسم "مشروع سباير"، لم يبصر الصندوق النور، وتجاوز موعد إطلاقه المقرر عام 2024 بفارق كبير. ويكشف تحقيق نشرته صحيفة "ذا غارديان" عن أن الحملة لم تكُن صوتاً فردياً معزولاً، بل جزءاً من منظومة إعلامية وبحثية يمولها بعض أثرى رجال حي المال في لندن.

ووفق ما كشفت عنه الصحيفة، وفّر بول مارشال، الشريك المؤسس لصندوق التحوط "مارشال ويس"، منصات واسعة لبيغار عبر مؤسساته الإعلامية، وهي مجلة "ذا سبكتيتور" وقناة "جي بي نيوز" وموقع "أن هيرد"، وموّل مارشال أيضاً عبر "صندوق سيكويا" الخيري الذي يترأسه وتقارب أصوله 650 مليون دولار، مؤسسات يرتبط بها بيغار مباشرة.

ولم تقف الحملة عند الإعلام، ففي ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، نسقت لام رسالة وقعها 27 نائباً ولورداً إلى رئيسة أساقفة كانتربري سارة مولالي، اتهمت الكنيسة بإطلاق مشاريع استعراضية مشكوك في قانونيتها. وفي يوليو (تموز) الماضي، أقرت الكنيسة بأنها تواجه طعناً قانونياً، تشير "ذا غارديان" إلى أن المحامي وكاتب العمود في "ذا ديلي تلغراف" بيجان عمراني يقف وراءه، وهو أحد أشد منتقدي المشروع.

وجاءت الردود متباينة، فقال مارشال إنه لا يمول الحملة على المشروع، لكنه سيكون سعيداً بتمويلها. ووصف المشروع بأنه ساذج وسيئ التقدير، ورأى أن المال أولى بأن يذهب إلى الأبرشيات المتعثرة والطائفة الأنغليكانية حول العالم. أما بيغار، فرأى أن تورط بريطانيين وأنغليكان في تجارة كانت شائعة عالمياً حتى القرن الـ19 أمر غير استثنائي، واتهم المشروع بانتزاع دور الكنيسة من سياقه وتضخيم ذنبها، فيما اكتفى متحدث باسم الكنيسة بالتأكيد أن معالجة الروابط التاريخية بالاستعباد فعل توبة مسيحية واستثمار مسؤول وشهادة ذات صدقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما كشفت عنه "ذا غارديان" يثبت تقاطعاً كثيفاً في التمويل والمنصات بين مارشال وشبكة بيغار، لكنه لا يثبت أن مارشال موّل الحملة نفسها أو وجهها. كما أن كثيراً من اعتراضات المنتقدين ليس ذا طابع أيديولوجي خالص، بل إنه قانوني يستحق النقاش. فالمعارضون يحتجون بأن أموال الوقف مقيدة بأغراض كنسية محددة كدعم الأبرشيات ومعاشات رجال الدين وصيانة المباني. ويجادل بيغار تاريخيا بأن صلة استثمارات "صندوق الملكة آن" بالعبودية أكثر التباساً مما تقدمه وثائق المشروع، وأن الكنيسة لم تحدد حجم ما استمدته فعلاً من أدوات مالية مرتبطة بالرق. وهي حجج لها وزنها، بصرف النظر عن هوية ممولي منصات أصحابها.

لكن واقعة الاستطلاع تكشف عن كيف أُديرت المعركة إعلامياً، ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت "ذا صنداي تلغراف" نتيجة استطلاع أجرته مؤسسة "ميرلين ستراتيجي" وشمل 500 من مرتادي الكنائس، مفادها بأن 61 في المئة من الممكن أن يمتنعوا عن التبرع إذا مضى الصندوق قدماً وحُرمت الأبرشيات من أمواله. وتناقلت "ديلي ميل" و"بي بي سي" الرقم على نطاق واسع. لكن التغطية أغفلت سؤالاً آخر خلال الاستطلاع نفسه، جاءت إجابته معاكسة، 61 في المئة قالوا إنهم سيحافظون على تبرعاتهم أو يزيدونها إذا خصصت الكنيسة 100 مليون جنيه من وقفها للعدالة التعويضية، مقابل 34 في المئة ذكروا أنهم سيقلصونها. كذلك، أغفلت أن بيغار نفسه هو من موّل الاستطلاع. ووفق ما فهمته "ذا غارديان"، استند تقرير "ذا تلغراف" إلى بيان صحافي أرسلته لام حذف هذين المعطيين. ورفض بيغار الإجابة عن أسئلة في شأن الاستطلاع، فيما لم ترد لام على طلبات التعليق.

وتنفي الكنيسة من جهتها فرضية اقتطاع أموال الصندوق من حصة الأبرشيات، وتقول إن تمويل الكنائس ورجال الدين ارتفع في دورتها الثلاثية الحالية بنسبة 36 في المئة ليبلغ 1.6 مليار جنيه مقارنة بالدورة السابقة.

 

وجذور المسار أبعد من الحملة، فعام 2007 طرح رئيس الأساقفة آنذاك روان ويليامز فكرة نظر الكنيسة في تعويضات عن دورها التاريخي في تجارة الرقيق. ثم ذهب خلفه جاستن ويلبي أبعد عام 2020، حين أعلن خجله من تاريخ الكنيسة ووصفها بأنها لا تزال عنصرية مؤسسياً. وفي 2019، كلّف المفوضون باحثين تتبع أصول الوقف، فكشفت النتائج الأولى عام 2022 عن أن جزءاً منه يعود لـ"صندوق الملكة آن" الذي تأسس عام 1704 واستثمر بكثافة في "شركة بحر الجنوب" التي كانت تتاجر بالبشر، ونقلت نحو 34 ألف أفريقي مستعبد. وفي يناير 2023، نشر المفوضون تقريراً من 25 صفحة استعانوا فيه بمحاسبين جنائيين وأعلنوا الصندوق من وقف تقدر قيمته اليوم بـ11.6 مليار جنيه، على أمل أن يجتذب استثمارات خارجية ترفعه إلى مليار جنيه.

ولهذه المواجهة سابقة قريبة، فعام 2020 نشر "الصندوق الوطني" (ناشونال ترست) تقريراً من 115 صفحة عن صلات مواقعه بالعبودية والاستعمار، فنشأت مجموعة ضغط ضدها باسم "ريستور تراست" قيل إن بيغار كان ملهمها، والنمط واحد في الحالتين، مؤسسة عريقة تراجع ماضيها، فتواجه تحالفاً من أكاديميين ومعلقين ومانحين يرى في المراجعة جزءاً من "حرب ثقافية" أوسع تشمل المناخ والهجرة وهوية بريطانيا.

ولا ينفصل الملف عن موقف الدولة، فعشية قمة الكومنولث في ساموا خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، أكد المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء كير ستارمر أن بريطانيا لا تدفع تعويضات، وجاء موقف "داونينغ ستريت" متسقاً مع موقف الحكومة "المحافظة" السابقة التي رفضت مراراً دعوات التعويض. وبذلك تبدو الكنيسة كأنها تتقدم وحدها في أرض تتجنبها الحكومة، مما يمنح منتقديها حجة سياسية إضافية.

أما الرأي العام الأوسع، فيميل إلى صف المعارضين، إذ يظهر استطلاع لمؤسسة "يوغوف" أن 60 في المئة من البريطانيين يعارضون مبدأ دفع تعويضات إلى الدول المتضررة من تجارة الرقيق البريطانية، من بينهم 44 في المئة يعارضون بشدة، مقابل 24 في المئة فقط يؤيدونها. لكن الصورة تنقسم بحدة، فبينما يعارض 66 في المئة من البالغين البيض التعويضات، يؤيدها 71 في المئة من البالغين السود، غير أن الاستطلاع يقيس موقفاً من تعويضات تدفعها الدولة، لا من صندوق استثماري تديره كنيسة من وقفها الخاص.

والقيد الحاسم في المعركة قانوني لا إعلامي، فالمشروع يتطلب أن يسجل المفوضون جمعية خيرية جديدة، ثم يطلبوا إذن "هيئة الجمعيات الخيرية" لتحويل 100 مليون جنيه إليها. ويستند ذلك، وفق ما يشرحه منتقدون، إلى المادة 106 من قانون الجمعيات الخيرية لعام 2011 التي تجيز للهيئة السماح بتمويل استثنائي على أساس التزام أخلاقي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، قال نائب رئيس المفوضين أسقف سالزبري ستيفن ليك إن المفوضين لم يصبحوا جاهزين بعد لتقديم الطلب الرسمي، وأشار إلى أن حدة المعارضة اضطرتهم إلى توفير دعم لحماية العاملين على المشروع. ثم جاء التهديد بالمراجعة القضائية ليؤجل الطلب مجدداً، وهو يتمحور، وفق "ذا غارديان"، حول صلاحية المفوضين في صرف المال وتوافقه مع واجبهم تجاه الأبرشيات وجواز إنفاقه خارج البلاد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير