ملخص
تظل التحديات المتعلقة بالتمويل والطاقة والبنية التحتية والوصول إلى الأسواق عقبات كبيرة أمام إعادة تنشيط القطاع الخاص، والتعافي من آثار الحرب، واستعادة دوره في الاقتصاد السوداني.
أحدثت الحرب السودانية المشتعلة منذ أبريل (نيسان) 2023 تحولات جذرية في سوق العمل، إذ تعرض كل من القطاعين العام والخاص لضربات قوية أدت إلى انهيار البنية التحتية الاقتصادية وفقدان آلاف الوظائف. ولم تقتصر الخسائر الناجمة عنها على تدمير المصانع والأسواق والمرافق فحسب، بل امتدت لتشمل الشركات التي تعطلت عملياتها وانقطعت سلاسل التوريد الخاصة بها، وفقدت القدرة على الوصول إلى الأسواق والعمالة ورأس المال اللازم لاستئناف العمل. ومع مرور أكثر من ثلاثة أعوام على النزاع، يواجه القطاع الخاص تحدياً يتجاوز مجرد إعادة فتح مقار الأعمال، إذ يتعين عليه استعادة قدراته الإنتاجية والاستثمارية والقدرة على خلق فرص العمل، وذلك في الوقت الذي تسعى الحكومة والاتحادات التجارية والقطاع الخاص لرسم مسارات نحو التعافي الاقتصادي.
ويبرز القطاع الخاص بوصفه محركاً محتملاً لإنعاش الاقتصاد، إذ تحاول الشركات السودانية في مختلف القطاعات استئناف عملياتها والتكيف مع واقع اقتصادي جديد. ومع ذلك، تظل التحديات المتعلقة بالتمويل والطاقة والبنية التحتية والوصول إلى الأسواق عقبات كبيرة أمام إعادة تنشيط القطاع، والتعافي من آثار الحرب، واستعادة دوره في الاقتصاد السوداني. ولازم استمرار الحرب تفاقم الأزمة الاقتصادية وانهيار قيمة العملة، فلجأت مؤسسات عدة إلى تسريح الموظفين أو منحهم إجازات غير مدفوعة الأجر، مما دفع كثيراً منهم للبحث عن فرص عمل في الخارج. وتشير التقارير إلى أن القوى العاملة في السودان تقدر بنحو 25 مليون نسمة من إجمالي عدد السكان البالغ 53 مليون نسمة، بحسب تقديرات الأمم المتحدة. وقد ارتفعت معدلات البطالة لتصل إلى 47 في المئة بحلول عام 2024، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، وسط انكماش اقتصادي بنسبة 18 في المئة. وقد أثرت هذه الظروف بصورة مباشرة على فئات مهنية مختلفة، لا سيما خريجي الجامعات والشباب، الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة، إما البقاء في البلاد أو الهجرة بحثاً عن مستقبل أكثر استقراراً.
إرث ثقيل
تناول تاريخ القطاع الخاص في السودان، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة برينستون الأميركية روبرت إل. تيغنور، في مقال له في دورية "مجلة الدراسات الأفريقية الحديثة". أشار الكاتب إلى أن البريطانيين، عقب "إعادة غزو" السودان، ورثوا إرثاً ثقيلاً وكارثياً خلفته الدولة المهدية بعد سقوطها، اتسم بالضائقة الاقتصادية والركود التجاري والفوضى العارمة، نتيجة سياسات اقتصادية معيبة، والتهجير القسري لبعض القبائل، والمجاعات، فضلاً عن ممارسات أضرت بالتجارة والاقتصاد، مثل المصادرات والاستيلاء على الأراضي.
وقال إل. تيغنور، إن البريطانيين، بعد هزيمة الخليفة عبدالله التعايشي، لجأوا إلى نهج إداري صارم في حكم السودان. وقد تشكلت سياستهم الاقتصادية بناء على إدراكهم لحالة الإفلاس الاقتصادي واستنزاف موارد البلاد، فضلاً عن خشيتهم من احتمال عودة الحركة المهدية للظهور. وأورد أنه خلال هذه الفترة المبكرة من حكمهم، اتخذ المسؤولون الاستعماريون سلسلة من القرارات السياسية والاقتصادية الجوهرية، حيث بدأ القطاع الخاص يتعافى من الانتكاسات التي عانى منها خلال حقبة المهدية، واستمد هذا القطاع زخمه الأولي من تجارة الصمغ العربي، الذي كان يجمع من أشجار الهشاب في رمال كردفان ودارفور. وقد مكنت الجودة العالية للصمغ العربي السوداني هذا المنتج من الهيمنة على السوق العالمية.
خلال الحكومات الوطنية اللاحقة، تأرجح القطاع الخاص بين النظم العسكرية التي سيطرت عليه، مثل نظام محمد جعفر النميري إذ بدأ بسياسة اشتراكية وتأميم واسع، ثم انتقل لاحقاً إلى الانفتاح والاستدانة من صندوق النقد الدولي، وبين فترات ديمقراطية قصيرة لم تمكن القطاع الخاص من العمل بكامل طاقته، على رغم سعيه إلى تنشيط الحركة الاقتصادية، وزيادة الإنتاج، وتحديث آليات العمل في مختلف القطاعات الإنتاجية ومجال التجارة الخارجية. وقد استهدف القطاع الانفتاح على الأسواق العالمية والتركيز على الصادرات وقطاع الخدمات، الذي كان يشكل حصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي أعقاب احتجاجات عام 2018 وسقوط الرئيس السابق عمر البشير، جرت مشاورات بشأن تنفيذ الميزانية وحشد الموارد، وهي عمليات كانت متعطلة طوال ثلاثة عقود، بهدف توجيه أموال كبيرة نحو القطاع الخاص وإرساء دعائم قوية لهذا القطاع. وقد تأثر القطاع، خلال النظام السابق بإجراءات الإصلاح، لا سيما تعديلات سعر الصرف، في حين افتقرت رسوم الإنتاج إلى آليات مراجعة تتسم بالشفافية. وعلاوة على ذلك، اتسم العقد الأخير من حكم البشير باحتكار تجارة القمح، وقد جرى تهميش عمليات الشراء التي كانت تحصل عبر نظام المخزون الاستراتيجي. ثم أطلقت الحكومة الانتقالية برامج إصلاحية استهدفت استعادة الاستقرار الاقتصادي وتهيئة بيئة مواتية للقطاعات الاقتصادية والمبادرات الاجتماعية، غير أن هذه البرامج لم تعمر طويلاً بسبب الانقسامات والخلافات السياسية، حتى قامت الحرب.
خسائر القطاع
قبل اندلاع الحرب، كانت العاصمة الخرطوم، كونها المركز الإداري والاقتصادي، تسهم بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ولكن مع اندلاع النزاع، فقدت مئات الآلاف من الوظائف في القطاعين العام والخاص، مما تسبب في نزوح ملايين الموظفين وتشتت القوى العاملة في مختلف ولايات السودان ودول الجوار، مما أدى إلى تدهور الخدمات الأساسية، كذلك فرضت حركة النزوح تغييراً في المهن.
وتكشف بيانات حديثة عن حجم الخسائر التي لحقت بالقطاع الخاص السوداني خلال الحرب، إذ تشير دراسة استراتيجية للقطاع الخاص أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى انكماش الاقتصاد السوداني بنسبة تزيد على 40 في المئة، وإغلاق نحو ثلث الشركات، وانخفاض متوسط إيرادات المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة بنسبة 36 في المئة. أيضاً توقفت عن العمل نحو 88 في المئة من الشركات التي اضطرت للانتقال من مواقعها بسبب القتال. وفي القطاع الصناعي، الذي يعد ركيزة أساسية لأنشطة القطاع الخاص، تشير بيانات وزارة الصناعة إلى تضرر ما يقرب من 1800 منشأة، بما في ذلك 650 مصنعاً دمرت بالكامل، في حين تقدر "الغرفة الصناعية" إجمالي خسائر القطاع بما يتراوح بين 50 و58 مليار دولار. ولم تقتصر الأضرار على المباني والمعدات، بل امتدت لتشمل المواد الخام وسلاسل التوريد والقدرة على الوصول إلى الأسواق والتمويل، ونتيجة ذلك، فإن استئناف العمليات يعتمد على إعادة بناء القدرات الإنتاجية وليس مجرد إعادة فتح المنشآت.
وفي أواخر سبتمبر (أيلول)، نظمت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد العام للغرف التجارية، ومسؤولين حكوميين وممثلين عن القطاع الخاص ومؤسسات مالية وشركاء في التنمية، مؤتمراً في الخرطوم لبحث سبل تعافي القطاع الخاص واستئناف نشاطه. واستعرض المشاركون التحديات التي تعيق عمل الشركات والمنتجين، وحددوا مسارات عملية لتنشيط الحركة الاقتصادية ودعم مرحلة إعادة الإعمار. وإلى جانب تكاليف التأهيل، تبرز مسألة توفير التمويل كعقبة جوهرية تواجه الشركات الساعية لاستئناف عملياتها، وهو ما دفع "خريطة الطريق" للتركيز على توسيع قنوات التمويل وتعزيز الشراكات مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مسارات التعافي
تشمل المسارات المقترحة لتعافي القطاع الخاص توسيع آليات الضمان، وترتيبات تقاسم المخاطر، وتقديم الدعم الفني، وهي تدابير تهدف إلى مساعدة الشركات على استئناف الإنتاج والاستثمار، وبناء سلاسل القيمة، وخلق فرص العمل. وقد شدد معاوية البرير، رئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني، على أهمية تفعيل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لا سيما في ما يتعلق بالمشاريع الاستراتيجية الكبرى مثل الطرق والمطارات والبنية التحتية. كذلك لفت إلى ضرورة تحسين السياسات التمويلية والمصرفية لمساعدة المنتجين والمصنعين على استئناف عملياتهم. ودعا إلى منح المنتجين والمصنعين فترات سماح معقولة لسداد الديون التي تراكمت قبل الحرب، وتطبيق سياسات مصرفية أكثر مرونة تهدف إلى تعزيز الإنتاج والتشغيل. ولفت إلى أنه على رغم الخسائر الفادحة التي تكبدها القطاع الخاص السوداني جراء الحرب، فإنه قادر على استعادة دوره بدعم من الدولة والاستفادة من الخبرات التي اكتسبها رجال الأعمال السودانيون خلال إقامتهم في بلدان أخرى. وفي ما يتعلق بالتمويل، حث الحكومة والبنك المركزي السوداني على تأمين تمويل استثماري، بالتعاون مع الدول الصديقة والمؤسسات المالية.
وعلى الصعيد الزراعي، اقترح البرير اتخاذ تدابير عاجلة لاستيراد بذور محسنة، وتحديداً لمحصولي القطن وفول الصويا، إذ يمكن لهذه المحاصيل، كما أشار، أن تحفز الاقتصاد بسرعة، وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتصنيع، وتخلق فرص عمل. وشدد على أن تطبيق سيادة القانون والتحول الرقمي والشفافية، إلى جانب الحل السريع للقضايا المتعلقة بالإنتاج، تعد ركائز أساسية لضمان المنافسة العادلة وتهيئة بيئة مواتية لاستئناف النشاط الاقتصادي وإعادة بناء السودان.
ومن جانبه، يشير أرفيند كومار، رئيس وحدة التعافي والصمود المجتمعي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، إلى أن ما يقرب من 90 في المئة من المزارعين يفتقرون إلى رأس المال وخدمات الري. وهو يرى في القطاع الزراعي مساراً حيوياً لخلق فرص العمل وتحقيق التعافي الاقتصادي، في حين جرى تشكيل مجموعة عمل خاصة بالقطاع الخاص لوضع خريطة طريق لجذب الاستثمارات. ومن المتوقع أن يمنح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأولوية للتمويل والاستثمار وسلاسل التوريد وتكامل الأسواق وخلق فرص عمل للعائدين، كونها مسارات رئيسة في جهود التعافي.
جهود المرحلة
قالت الباحثة الاقتصادية منيرة ساتي إن الوضع الراهن في ظل الحرب لا يمثل مجرد أزمة عابرة، بل هو انهيار هيكلي قسري أعاد تشكيل سوق العمل بصورة جذرية، لا سيما أن طول أمد النزاع قد أضعف السوق وأدى إلى تفكيك القطاع الخاص بالكامل. وأشارت إلى وجود خطط عدة لمساعدة القطاع الخاص على تجاوز هذه العقبات، موضحة أن جهود مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تبدأ بجمع البيانات لتقييم الفجوات في سوق العمل، بالتوازي مع برامج بناء القدرات والتدريب. كذلك أكدت ساتي أهمية توفير شبكة أمان اجتماعي للعاطلين عن العمل بسبب الحرب، مع التركيز على جذب الاستثمارات لتنشيط الاقتصاد. وأوضحت "يجب توفير نظام دعم اجتماعي للقوى العاملة التي فقدت وظائفها أثناء الحرب، والعمل على استقطاب فرص استثمارية، فالتعافي الاقتصادي والاجتماعي أمر حيوي لتمكين سوق العمل في السودان وهي خطوة أساسية للتعافي من آثار الحرب".
وأكدت الباحثة الاقتصادية أن الحاجة إلى تحسين مناخ الاستثمار تأتي من خلال تهيئة بيئة تشريعية جاذبة للأعمال. وتشمل التدابير الأخرى توسيع فرص التمويل، عبر توفير السيولة لدعم وتشغيل المشاريع، وتطوير البنية التحتية من خلال إصلاح المرافق المتضررة ودعم الخدمات الإنتاجية الأساسية. وينبغي تقديم حوافز وتسهيلات، مثل الإعفاءات وتقديم الدعم للمنشآت والمصانع المتضررة. ودعت إلى تفعيل الشراكات عبر الاستفادة من قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص لعام 2021 لتنفيذ مشاريع التعافي. واقترحت ساتي إقامة حضور خارجي، يتمثل في إنشاء مكاتب للشركات السودانية في الخارج عبر السفارات والقنصليات، أو وفقاً لقوانين الدول المضيفة، لضمان استمرارية الأعمال والحفاظ على الصادرات. ودعت أيضاً إلى تعزيز قدرة القطاع الخاص من خلال الاستفادة من المزايا النسبية للسودان، مع إعطاء الأولوية لإنتاج وتصنيع الأغذية الموجهة للأسواق المحلية والعالمية، ما من شأنه زيادة الإنتاج والصادرات، ودعم الأمن الغذائي، وفتح أسواق جديدة للمنتجات السودانية.