Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أيباك" المأزومة تدخل معركة الانتخابات النصفية في أميركا

حملات محمومة هذا العام بلغت مستوى قياسياً من الإنفاق بلغ 11.6 مليار دولار حتى الآن

أنفقت لجنة مشروع الديمقراطية المتحدة التابعة لـ"أيباك" ما لا يقل عن 100 مليون دولار على سباقات الكونغرس (أ ف ب)

ملخص

تواجه "أيباك" رأياً عاماً متزايداً ضد إسرائيل وضد أموال دافعي الضرائب الأميركيين التي تنفق لدعم إسرائيل، في وقت يشعر فيه غالبية الأميركيين بأن المواطن في إسرائيل يتمتع بمزايا تعليمية وصحية واجتماعية لا يتمتع بها المواطن الأميركي.

مع جمع لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية المعروفة باسم "أيباك" 233 مليون دولار لدعم حلفائها ومهاجمة خصومها في وقت تحول فيه الرأي العام بصورة حادة ضد قضيتها الأولى وهي الدعم الأميركي لإسرائيل، أصبحت اللجنة أكثر الجهات المثيرة للاستقطاب والانقسام في الانتخابات الأميركية، فهل أضرت "أيباك" بنفسها أم تستخدم استراتيجية طويلة الأمد لترسيخ تأثيرها أكثر في السياسة الأميركية؟ وما أسباب التحول التي أدت إلى تغيير نظرة الأميركيين إليها؟ وهل سيزداد نفوذها في واشنطن أم يتراجع؟

أكبر ممول انتخابي

في وقت تواجه فيه لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك" أكبر أزمة في تاريخها، وتلقى تشكيكاً حتى من بعض حلفائها بسبب تمويلها الضخم للمرشحين المؤيدين لإسرائيل وحكومة بنيامين نتنياهو، وتحولها إلى واحدة من أكثر الجهات إثارة للانقسام والاستقطاب بعد تغير الرأي العام الأميركي ضد دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، أصبحت لجنة العمل السياسي الكبرى (سوبر باك) التي تحمل اسم "مشروع الديمقراطية المتحدة" التابعة لمنظمة "أيباك"، أكثر الجهات تمويلاً في انتخابات التجديد النصفي، فقد تمكنت من جمع 233 مليون دولار لدعم حلفائها ومهاجمة خصومها، وأنفقت 100 مليون دولار في الأقل حتى الآن من أجل قضيتها التي تواجه تراجعاً ملحوظاً، وسط إصرار متزايد منها للاستمرار في معركة طويلة، تأمل في ألا تخسرها، أو في الأقل تخفف من حدة وطأتها على مسألة الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل.

وعلى رغم التأثير الذي خلفه قرار "أيباك" بأن تصبح لاعباً رئيساً في الحملات الانتخابية، وأدى إلى نفور بعض الحلفاء السابقين، ودفع آخرين إلى تجنب الحصول على دعمها، بل إن بعض المرشحين عدوا معارضة "أيباك" لهم وسام شرف، ورفضوا التبرعات المقدمة من داعميها، فإن المنظمة بحد ذاتها، أصبحت قضية حاضرة بقوة في الحملات الانتخابية. ففي الصيف الماضي، وصف عمدة نيويورك زهران ممداني، حينما كان عضواً في مجلس مدينة نيويورك، منظمة "أيباك" بأنها "جزء من مجموعة وحوش تتمتع بنفوذ مفرط في السياسة الأميركية"، كذلك هاجمها نواب ديمقراطيون وتقدميون وجمهوري واحد، للحد من نفوذها المستمر على تشكيل السياسة الأميركية المتعلقة بإسرائيل.

ومع ذلك، ظل قادة "أيباك" صامدين ومتمسكين بمواقفهم، إذ يصفون مهمتهم بأنها استراتيجية طويلة الأمد، تتمثل في انتخاب كونغرس يساعد في التصدي لما يعدونه تهديدات وجودية لإسرائيل مصدرها إيران ودول أخرى معادية. وعلى رغم تزايد الانتقادات العامة لكل من "أيباك" وإسرائيل، واصلت المجموعة جمع عشرات ملايين الدولارات كتبرعات تستخدمها للانحياز لأطراف محددة في سباقات انتخابات مجلسي النواب والشيوخ.

إنفاق غير مسبوق

وسط حملات انتخابية محمومة هذا العام بلغت مستوى قياسياً من الإنفاق (11.6 مليار دولار) حتى الآن، واصلت "أيباك" إنفاق عشرات الملايين من الدولارات، مع استمرار تلقيها تبرعات لثلاث لجان عمل سياسي كبرى أخرى تركز على سباقات مجلسي النواب والشيوخ، لكن "مشروع الديمقراطية المتحدة"، لا يزال هو أكبر الحاصلين على تبرعات من الأثرياء الداعمين لإسرائيل، ومنهم جان كوم، أحد مؤسسي تطبيق "واتساب" الذي تبرع بنحو 5 ملايين دولار، كذلك قدم تبرعات بملايين الدولارات للتحالف الجمهوري اليهودي، ولجنة عمل سياسي كبرى أخرى ترتبط بالرئيس دونالد ترمب.

أما المستثمر بول سينغر، الذي تبرع بمبلغ 2.5 مليون دولار لمشروع الديمقراطية المتحدة، فقد كان سابع أكبر متبرع، إذ أنفق ملايين الدولارات للجان العمل السياسي الكبرى التي تدعم الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ.

وعلى الجانب الآخر من الطيف السياسي، قدم المدير التنفيذي في مجال الإعلام ومبتكر المسلسل التلفزيوني الأميركي "باور رينجرز"، حاييم سابان، تبرعاً بقيمة 3 ملايين دولار لمشروع الديمقراطية المتحدة التابع لـ"أيباك"، إضافة إلى دعمه لجان العمل السياسي الكبرى المخصصة للديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ وللحزب الديمقراطي على مستوى الولايات.

كذلك قدم المطور العقاري أندرو شوارتزبرغ تبرعاً بمبلغ 1.6 مليون دولار لمصلحة مشروع الديمقراطية المتحدة، وتبرعات أخرى لمرشحين ولجان تابعة للحزب الديمقراطي.

أتاحت هذه الأموال للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) التدخل في سباقات انتخابية في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وكذلك في الجانب الجمهوري، إذ تدخلت اللجنة عندما خسر عضو مجلس النواب الجمهوري توماس ماسي عن ولاية كنتاكي الانتخابات التمهيدية لحزبه، بعدما رفض إنفاق أموال الأميركيين لدعم إسرائيل.

نجاحات وإخفاقات

أنفقت لجنة مشروع الديمقراطية المتحدة التابعة لـ"أيباك" ما لا يقل عن 100 مليون دولار على سباقات الكونغرس وفقاً لمؤسسة "أوبن سيكريتس" المعنية بمراقبة الإنفاق على الانتخابات، لتحقق بذلك بعض الانتصارات. وعلى سبيل المثال أنفقت 2.8 مليون دولار لدعم نجاح أدريان بوابو في انتخابات تمهيدية لمجلس النواب في ولاية ماريلاند، كذلك أنفقت نحو 2.3 مليون دولار في حملة ضد توم مالينوفسكي، وهو عضو ديمقراطي سابق في الكونغرس، كان قد صرح بأنه لن يرفض تلبية أي احتياج لإسرائيل للدفاع عن نفسها، لكنه في الوقت ذاته وجه انتقادات حادة لحكومة نتنياهو، وأبقى الباب مفتوحاً أمام احتمال فرض قيود على المساعدات المقدمة إلى تل أبيب.

خسر مالينوفسكي الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي معرباً عن صدمته إزاء تحوله فجأة إلى هدف لغضب "أيباك"، لا سيما أن الفائزة أناليلیا ميكيا، كانت صرحت بأنها تعتقد أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، معترفاً بأنه كان يشكل تهديداً أكبر لأن موقفه كان أكثر اعتدالاً، وأشار إلى أن كثيراً من زملائه السابقين اعتقدوا أن "أيباك" استغلت سباقه الانتخابي لتوجيه رسالة أوسع نطاقاً، وهي تهديد أعضاء آخرين في الكونغرس قد يفكرون في التراجع عن دعمهم القوي وغير المشروط لإسرائيل.

لكن على رغم النجاحات الانتخابية التي حققتها "أيباك" هذا العام، فإنها منيت أيضاً بهزائم بارزة، ففي أكثر خطواتها كلفة خلال الدورة الانتخابية، أنفقت المنظمة نحو 33 مليون دولار على إعلانات في ولاية ميشيغان فشلت في هزيمة الطبيب عبدالرحمن السيد الأميركي من أصل مصري، والمعروف باسم عبدالسيد، وهو من أشد منتقدي إسرائيل، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الولاية.

كذلك فإن محاولة ترهيب الأعضاء الديمقراطيين المعتدلين أتت بنتيجة عكسية لدى البعض الذين تجاهلوا مناقشة دعمهم إسرائيل في دوائرهم الانتخابية، وباتوا أكثر حذراً في الانزلاق إلى هذا الاختبار الذي يهدد فوزهم في المناطق المتأرجحة.

هل أضرت "أيباك" بنفسها؟

وإضافة إلى ذلك بات بعض الحلفاء الراسخين لـ"أيباك"، يشككون الآن في نهجها، ويظنون أنه أوقع قادة المنظمة في أزمة لم يعترفوا بوجودها أصلاً، إذ يخشون أن قرار إنفاق الأموال على الانتخابات أضر بـ"أيباك" نفسها، وعمق الانقسامات الحزبية في شأنها، وأضعف تحالفات قائمة منذ أمد طويل.

وعلى سبيل المثال، يعتقد السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل الذي لا يزال يدعم الشراكة المثمرة بين الولايات المتحدة وتل أبيب، دانيال شابيرو، أن تأسيس لجنة العمل السياسي التابعة لـ"أيباك" عام 2022 ربما كان خطأ لأن ذلك كان يعني حتماً الانحياز لأطراف معينة في السباقات الحزبية والمعارك الداخلية للانتخابات التمهيدية، مشيراً إلى أن هذا الأمر تعارض مع مساعيهم التقليدية إلى الحفاظ على طابع الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) في دعم العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، كذلك فإنه أكسب المنظمة أعداء بقدر ما أكسبها من الأصدقاء.

ولا شك في أن الرد العسكري الإسرائيلي في غزة على هجوم حركة "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 أدى إلى توجيه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية، وإلى تراجع الدعم الأميركي لتل أبيب، لا سيما بين الديمقراطيين، وجعل هذا الوضع منظمة "أيباك" نفسها قضية مطروحة في الحملات الانتخابية.

وعلى رغم استمرار وجود عدد كبير من كبار المتبرعين الديمقراطيين، فإن كثيرين غيرهم في الحزب باتوا ينظرون بسلبية إلى منظمة "أيباك" بسبب دعمها القوي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لم يخف تأييده للرئيس دونالد ترمب. ففي استطلاع للرأي أجرته جامعة "كوينيبياك" في يونيو (حزيران) الماضي، عبر 48 في المئة من الناخبين الأميركيين عن اعتقادهم بأن الولايات المتحدة تبالغ في دعمها لإسرائيل، وهي النسبة الأعلى منذ بدء طرح هذا السؤال في الاستطلاع قبل تسعة أعوام، لكن 66 في المئة من الديمقراطيين كان لهم التوجه ذاته.

ويرى الأستاذ في الجامعة الأميركية، المدير المشارك لمركز دراسات إسرائيل التابع لها، غاي زيف، أن "أيباك" فقدت تأييد الديمقراطيين، لأن الانطباع السائد حالياً هو أن "أيباك" منظمة محافظة ومؤيدة لنتنياهو، وهو أمر لا يلقى قبولاً لدى الديمقراطيين وكثير من الجمهوريين على حد سواء.

أموال مشبوهة

وإضافة إلى دور "أيباك" وفرت مسألة التبرعات الهائلة من كبار المتبرعين قضية أخرى للحملة الانتخابية بالنسبة إلى الديمقراطيين، الذين كثيراً ما انتقدوا بشدة دور الأموال الضخمة في السياسة، حتى قبل أن تفتح المحكمة العليا الباب على مصراعيه أمام تدفق هذه الأموال بقرارها في قضية "سيتيزنز يونايتد"، وهي القضية التي أصبحت محوراً رئيساً للنقاش بالنسبة إلى الحزب الديمقراطي، وفقاً للاستراتيجي الديمقراطي جويل روبين.  

وفي حين أن التركيز ينصب على منظمة بعينها هي "أيباك"، إلا أن جهودها تندرج تماماً ضمن السردية الأوسع المناهضة لهيمنة الأموال الضخمة على السياسة، وهو أمر يعارضه بشدة كل من الناخبين والسياسيين الديمقراطيين.

متى بدأ التحول؟

بدأ التحول في المشهد الانتخابي الأميركي مع الحكم التاريخي الذي أصدرته المحكمة العليا الأميركية عام 2010 في قضية "سيتيزنز يونايتد" ضد لجنة الانتخابات الفيدرالية، الذي أحدث تحولاً جذرياً في القوانين الأميركية المنظمة لتمويل الحملات الانتخابية، حيث قضت المحكمة العليا بغالبية خمسة أصوات مقابل أربعة، بأن التعديل الأول للدستور يحمي حرية التعبير، مما يعني أن الشركات والنقابات العمالية والجمعيات الأخرى، يمكنها إنفاق مبالغ غير محدودة من المال لدعم مرشحين سياسيين أو معارضتهم، واستند رأي الغالبية إلى أن الإنفاق السياسي يعد صورة من صور حرية التعبير المحمية دستورياً، وأن الحكومة لا يمكنها تقييد النفقات السياسية المستقلة لمجرد أن الجهة المنفقة هي شركة أو كيان ثري بدلاً من فرد.

ألغى الحكم قيوداً سابقة ضمن قانون إصلاح تمويل الحملات الانتخابية لعام 2002 كانت تمنع الشركات والنقابات من استخدام أموالها العامة لتمويل أي نفقات مستقلة أو إعلانات دعائية انتخابية قبيل موعد الانتخابات، مما مهد الطريق لظهور ما يعرف بلجان العمل السياسي الكبرى "سوبر باك"، التي يمكنها جمع وإنفاق أموال غير محدودة من الشركات والنقابات والجمعيات والمليارديرات، شريطة عدم التنسيق المباشر مع الحملات الرسمية للمرشحين.

تأثير في نزاهة الانتخابات

ظل حكم المحكمة العليا محوراً لنقاش وطني محتدم داخل الولايات المتحدة، حيث أثيرت مخاوف في شأن النزاهة الديمقراطية والتأثير السياسي وصعود المال السياسي الضخم، إذ رأى المنتقدون أن حكم قضية "سيتيزنز يونايتد" فتح الباب على مصراعيه لتدفق هائل وغير مقيد لأموال الشركات والجمعيات والمليارديرات في الانتخابات، مما حول دفة التأثير السياسي لمصلحة المانحين الأثرياء وجماعات المصالح الخاصة مثل لجنة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية "أيباك".

وعلى رغم إلزام لجان العمل السياسي الكبرى، بالكشف عن هوية مانحيها، فإن الحكم سرع من وتيرة شبكات التمويل المعقدة، بما في ذلك مجموعات المال المظلم مثل المنظمات غير الربحية التي يمكنها إنفاق الملايين على الانتخابات من دون الكشف علناً عن المصادر الأصلية لتمويلها، مما يحرم الناخبين من معرفة الجهة التي تمول فعلياً الرسائل السياسية، كذلك رأى المعارضون أنه عندما تتمكن مجموعة صغيرة من الأفراد الفاحشي الثراء أو الشركات القوية من ضخ عشرات أو مئات الملايين من الدولارات في إعلانات مستقلة، فإن أصوات المواطنين العاديين تطغى عليها تلك الأموال، مما يضعف ثقة الجمهور في نزاهة الانتخابات.

أما مؤيدو الحكم فقد رأوا فيه انتصاراً كبيراً للتعديل الأول للدستور المتعلق بحرية التعبير، كون الخطاب السياسي لا يفقد حمايته لمجرد أنه ممول من قبل مجموعة من الأشخاص المنظمين في هيئة اعتبارية (كشركة أو نقابة أو جمعية أو مجموعة مصالح) بدلاً من فرد واحد، وأن السماح للكيانات المستقلة بإنفاق الأموال على الدعاية يعزز النقاش العام، من خلال ضمان طرح مزيد من وجهات النظر والمعلومات والانتقادات المتعلقة بالمرشحين أثناء الدورات الانتخابية، أما ما يتعلق بالشفافية، فقد أوضح المؤيدون أن المحكمة العليا أيدت صراحة متطلبات الإفصاح وإعلان هوية الجهة الممولة كون الشفافية، وليس قمع حرية التعبير، هي السبيل الأمثل للتعامل مع الأموال في المجال السياسي.

نموذج عمل لواقع جديد

ولفهم قرار "أيباك" بالبدء في إنفاق مئات الملايين من الدولارات على الانتخابات منذ نحو خمسة أعوام، عبر تأسيس لجنة عمل سياسي (سوبر باك) لتدخل بذلك معترك الحملات الانتخابية الأميركية، من المفيد إدراك مدى التغير الجذري الذي طرأ على المشهد السياسي من حولها، فعلى مدى عقود، كان الدعم الأميركي لإسرائيل إحدى القضايا القليلة التي حظيت بإجماع الجمهوريين والديمقراطيين في واشنطن، إذ كانت إسرائيل حليفاً محورياً، وكان الساسة الأميركيون يؤمنون بأن ضمان أمن إسرائيل يصب في مصلحة أمن الولايات المتحدة أيضاً.

غير أن هذا الإجماع بدأ يتصدع خلال فترة إدارة الرئيس باراك أوباما، وكانت البداية مع الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015، الذي عارضته إسرائيل ومنظمة "أيباك"، ثم تزايد القلق في أوساط الديمقراطيين إزاء الحكومة المتشددة التي يترأسها بنيامين نتنياهو، كذلك أثار انتخاب مجموعة "سكواد" أي الفرقة الرباعية المكونة من أربع سيدات تقدميات اللاتي عرفن بانتقاداتهن الصريحة لإسرائيل، مخاوف قادة "أيباك" عام 2018.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ظل هذا التحول، دعا المانحون والحلفاء إلى إحداث تغييرات داخل المنظمة، إذ رأوا أن إقناع الكونغرس بمواصلة دعم إسرائيل يتطلب أساليب جديدة، كان أبرزها إنشاء لجنة عمل سياسي "سوبر باك" جديدة تحمل اسم "مشروع الديمقراطية المتحدة" كي تتمتع بصلاحية إنفاق مبالغ غير محدودة في الحملات الانتخابية وفقاً لما ينص عليه القانون، وسط شعور سائد بأن ما كانت تقوم به "أيباك" في الماضي لم يعد كافياً.

وفي مقابلة أجريت عام 2023، أوضح الرئيس التنفيذي لـ"أيباك"، إليوت براندت، أن نموذج العمل القديم للمنظمة القائم على بناء علاقات طويلة الأمد مع المشرعين من كلا الحزبين، التي تتضمن غالباً اصطحابهم في رحلات إلى إسرائيل، لم يعد فعالاً في واشنطن، وهو ما عده نموذج عمل لواقع أميركي لم يعد موجوداً، في ظل معدلات تغيير هائلة في عضوية الكونغرس، وحال استقطاب حزبي حادة وصعود معارضين حقيقيين للمنظمة.

لكن فكرة الانحياز لأطراف محددة في الانتخابات أصبحت على الفور مصدراً للتوتر والخلاف، إذ حذر بعض حلفاء "أيباك" القدامى من الانجرار إلى أتون السياسات الحزبية المثيرة للانقسام، فعندما كشفت "أيباك" عن أسماء 120 عضواً في الكونغرس تعتزم دعمهم في انتخابات عام 2022، أثارت القائمة، التي ضمت أكثر من 24 جمهورياً صوتوا ضد المصادقة على نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020، غضب الديمقراطيين وحتى بعض الجمهوريين، وذكر بعض المتبرعين أنهم واجهوا قادة "أيباك" في اجتماعات خاصة للتعبير عن معارضتهم، بل وتعهد البعض بوقف دعم المنظمة تماماً.

علاقات قوية

تتشكل الاستراتيجية الانتخابية لـ"أيباك" التي ركزت بصورة كبيرة على هزيمة الديمقراطيين التقدميين في الانتخابات التمهيدية، على يد رجلين قضيا معظم حياتهما المهنية في العمل لمصلحة المنظمة، وهما إليوت براندت (57 سنة)، الرئيس التنفيذي للمنظمة الذي يلتقي بانتظام كبار المسؤولين الإسرائيليين، وروب باسين (64 سنة)، وهو متخصص تكتيكي يتمتع بعلاقات واسعة ويدير لجنة العمل السياسي الكبرى (سوبر باك) التابعة للمنظمة.

تمتع الرجلان بعلاقات وطيدة في الكابيتول هيل (مقر الكونغرس)، وعلى رغم أنهما أثارا حفيظة بعض كبار الديمقراطيين، فإنهما لا يزالان على صلة وثيقة بعدد من المشرعين المعتدلين، بمن فيهم السيناتور جاكي روزن وأعضاء مجلس النواب جوش غوتهايمر وجاريد موسكوفيتز وهالي ستيفنز، أيضاً تربطهما علاقات جيدة ببعض الجمهوريين أيضاً، بمن فيهم السيناتور سوزان كولينز وعضو مجلس النواب مايك لولر.

لا ندم ولا تراجع

يعد براندت وباسين نفسيهما ديمقراطيين معتدلين، وهما يظهران ثقة أمام الحلفاء، ولا يبديان أي ندم حيال ما ينظر إليه على أنه أخطاء استراتيجية، وفي المحادثات الخاصة مع مقربين منهما، يطرحان الحجج ذاتها التي تتبناها "أيباك" علناً، إذ يعدان كل انتصار دليلاً على صواب استراتيجيتهما، بل وحتى الهزائم يمكن تصويرها على أنها انتصارات، كذلك فإن مجلس إدارة "أيباك" المؤلف من 50 متبرعاً، الذي يجتمع أسبوعياً، لا يصدر عنه أي انتقاد علني لاستراتيجية المجموعة.

وعلى غرار كثير من أقوى مؤيديها والمتبرعين لها، يعتقد كل من براندت وباسين أن الحملات التي تواجه "أيباك" في بعض الأوساط، ما هي إلا مظهر من مظاهر معاداة الصهيونية ومعاداة السامية التي يعتقدان أنها تتنامى في الولايات المتحدة، إذ يؤكدان لمؤيديهما أن الحل يكمن ببساطة في تكثيف الجهود والمضي قدماً بإصرار أكبر، وأنه ثمة مؤشرات إلى أن كثيراً من هؤلاء الداعمين يشاركونهما الرأي، فقد حققت لجنة العمل السياسي الكبرى أفضل عامين لها على الإطلاق من ناحية جمع التبرعات، وفي هذه الدورة جمعت اللجنة نحو 110 ملايين دولار، جاء ما يقارب ثلثها مباشرة من "أيباك" نفسها، إضافة إلى أنها تمتلك أصولاً نقدية تفوق في حجمها أي وقت مضى، وفقاً لإقرار ضريبي جديد صدر في سبتمبر (أيلول) الماضي.

معركة عبر الأجيال

وعلى رغم إدراك قادة "أيباك" بالهزائم التي منيت بها في بعض الولايات، فإنها لم تتراجع عن موقفها، إذ عبر بعض قادتها لحلفائهم عن استيائهم من فوز الطبيب عبدالسيد في ولاية ميشيغان، وألمحوا إلى أنهم كانوا قادرين على هزيمته لو أنفقوا مبالغ أكبر في السباق الانتخابي، كذلك أشاروا إلى عزمهم إنفاق الأموال لدعم منافسه الجمهوري، مايك روجرز، في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ستكون هذه المرة الثانية فقط في تاريخ "أيباك" التي تنفق فيها المنظمة أموالاً في انتخابات عامة تشهد منافسة بين مرشح ديمقراطي وآخر جمهوري، كذلك نظم عدد من المتبرعين للمنظمة فعاليات لجمع التبرعات لمصلحة المرشح الجمهوري روجرز.

وبينما يصر قادة منظمة "أيباك" على أن خسارة سباق انتخابي واحد، أو دورة انتخابية واحدة، لن تغير من نهج المنظمة الذي ينظر للصراع على أنه معركة تمتد عبر الأجيال، تظل "أيباك" وسط العاصفة السياسية في واشنطن تصارع رأياً عاماً متزايداً ضد إسرائيل وضد أموال دافعي الضرائب الأميركيين التي تنفق لدعم إسرائيل، في وقت يشعر فيه غالبية الأميركيين بأن المواطن في إسرائيل يتمتع بمزايا تعليمية وصحية واجتماعية لا يتمتع بها المواطن الأميركي، وهو ما يجعل مهمة "أيباك" تزداد صعوبة مع الوقت، وعبر الأجيال الناشئة من الشباب وهم الأقل تأييداً لإسرائيل في تاريخ الولايات المتحدة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير