ملخص
لم ينزل طلاب المدارس الثانوية في فرنسا إلى الشوارع هرباً من الدراسة، بل احتجاجاً على مدارس متداعية، ونقص المعلمين، وضغوط القبول الجامعي. وبين الإرهاق والإحباط، تحولت مطالبهم بتحسين ظروف التعليم إلى حركة احتجاجية واسعة امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد.
في الأسابيع الأخيرة، حلت الاحتجاجات الطلابية محل الدراسة الاعتيادية في مدن فرنسية عدة. وبين متاريس من حاويات النفايات المكدسة، وسحب الغاز المسيل للدموع، والحرائق المشتعلة قرب المدارس، انهار الروتين اليومي لملايين طلاب المرحلة الثانوية. وما بدأ في منتصف سبتمبر (أيلول) احتجاجات محلية على نقص المعلمين وسوء المرافق التعليمية، تحول اليوم إلى حركة احتجاجية شبابية تمتد إلى مختلف أنحاء البلاد.
ولم يخرج الطلاب إلى الشوارع من أجل "التغيب عن الصفوف الدراسية"، بل لأن الصفوف نفسها باتت تتعطل باستمرار. ففي الخامس من أكتوبر (تشرين الأول)، أدى الغضب المتصاعد من تردي أوضاع التعليم إلى إقفال نحو 500 مدرسة، فيما شهدت البلاد أكثر من 5 آلاف حالة توقيف واحتجاز على خلفية الاحتجاجات.
ومع تصاعد عمليات إغلاق المدارس واشتداد المواجهات مع الشرطة، يقدم الطلاب صورة تناقض كثيراً من الأحكام المسبقة السائدة عنهم. فالقضية لا تتعلق بالرغبة في التغيب عن الصفوف، بل باستنزاف نفسي متفاقم، ونقص مزمن في التمويل، وقلق متزايد في شأن المستقبل.
نحن طالبتان في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية في مدينة تولوز، نستعد للانتقال إلى الجامعة. وما يردده زملاؤنا وطلاب مدارس أخرى يلخص جانباً كبيراً من الأزمة. يقول أنيكيت سودامبي، وهو طالب يبلغ 17 سنة في إحدى المدارس الثانوية الحكومية في تولوز: "تراوح درجات الحرارة داخل قاعات الدراسة صيفاً ما بين 36 و40 درجة مئوية، ولا توجد مراوح أو أجهزة تكييف". ويضيف، "تضم بعض صفوفنا نحو 40 طالباً، مما يجعل الجو خانقاً ويصعب معه التركيز خلال الحصص التي تمتد بين ساعتين وثلاث ساعات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وببساطة، لم تعد البنية التحتية المتقادمة للمدارس قادرة على التعامل مع هذه الدرجات المرتفعة من الحرارة، خصوصاً مع اشتداد موجات الحر التي شهدتها فرنسا هذا العام. ويزيد ضعف التمويل من تفاقم المشكلة، فالمباني قديمة ومتهالكة. وقبل أسابيع قليلة، اندلع حريق في إحدى مدارس تولوز بسبب ماس كهربائي، وأن النقص في أعداد المعلمين يؤدي أحياناً إلى بقاء الصفوف من دون إشراف لأشهر متتالية. أما المدرسون الموجودون في الميدان، فيعانون تدني الأجور وشح الموارد اللازمة لأداء عملهم. وفي المقابل يخرج الطلاب منهكين من أيام دراسية طويلة تستنزف طاقتهم.
ويقول سودامبي: "نمضي ما بين 38 و40 ساعة أسبوعياً في المدرسة بسبب جدول دراسي مزدحم يمتد يومياً من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً". ويضيف، "هذا النمط يحرمنا من الاهتمام بصحتنا النفسية وحياتنا الاجتماعية. ويزداد الأمر صعوبة بالنسبة إلى الطلاب الذين يقطنون على بعد ساعة من المدرسة أو يعتمدون على وسائل النقل العام، إذ يغادرون منازلهم عند السابعة صباحاً وقد لا يعودون إليها قبل الثامنة مساءً، مما يجعل أسبوعهم مرهقاً للغاية".
وهذه الساعات تشمل وقتاً يقضيه الطلاب في المدرسة فحسب، من دون احتساب الواجبات المنزلية أو الدروس الإضافية أو التحضير للالتحاق بالجامعة، مما يقلص ساعات النوم التي يحتاجون إليها للحفاظ على تركيزهم وأدائهم الدراسي.
ويضاف إلى هذا الإرهاق الجسدي والنفسي عبء نظام "باركورسوب" Parcoursup، وهو منصة القبول في مؤسسات التعليم العالي في فرنسا. وتشبه المنصة إلى حد ما نظام "يوكاس" Ucas البريطاني، لكنها تعتمد قوائم انتظار تتيح للمتقدمين متابعة ترتيبهم بصورة يومية ولحظية، مع تغير مواقعهم كلما انسحب متقدمون آخرون أو رفضوا عروض القبول
وأطلق النظام عام 2018 في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون. وبفضله قد يجد الطالب نفسه، وهو يستعد لخوض اختباراته النهائية، في المرتبة السادسة آلافاً على قائمة انتظار لمقعد واحد في تخصص جامعي معين. وقد حول هذا النظام عملية الالتحاق بالجامعة إلى تجربة شديدة التوتر بالنسبة إلى المراهقين الذين يواجهون أصلاً ظروفاً تعليمية صعبة.
ويشير سودامبي إلى أن "باركورسوب" جعل القبول الجامعي أكثر تنافسية وانتقائية من أي وقت مضى. ويقول: "حتى برامج الهندسة في جامعات لا تعد من بين الأفضل في فرنسا تشترط أحياناً الحصول على معدل يراوح ما بين 15 و16 نقطة من أصل 20 في المواد التخصصية. وهذه علامات مرتفعة جداً ونادراً ما تحقق في اختبارات البكالوريا الفرنسية، خصوصاً في ظل ظروف الدراسة الحالية".
وفي مواجهة هذه التحديات المشتركة، يتكاتف الطلاب في تولوز وفي أنحاء فرنسا للاحتجاج على أوضاعهم، على رغم تركيز وسائل التواصل الاجتماعي على مشاهد العنف المتصاعدة، لكن سودامبي يوضح أن "الأعمال العنيفة لا ينفذها بالضرورة طلاب المدارس الثانوية أنفسهم، بل غالباً ما يشارك فيها شبان طردوا من المدارس أو ينحدرون من أحياء أكثر فقراً ويشعرون بأن الدولة همشتهم، فيعبرون عن غضبهم تجاه الشرطة من خلال إحراق المدارس وحاويات النفايات وإطلاق المفرقعات".
وبحسب الطلاب، فإن الضغوط المتراكمة داخل الصفوف هي التي تدفع هذا الغضب إلى الانفجار في الشوارع. فكثيرون يشعرون بأنهم عالقون داخل منظومة تطالبهم بتحقيق الكمال، فيما تقدم لهم في المقابل نظاماً تعليمياً يعاني الإخفاقات نفسها التي يفترض أن يساعدهم على تجاوزها.
وفوق الضغوط الدراسية والنفسية، يشعر الطلاب بأن المسؤولين يتجاهلون شكاواهم، بينما ينظر إليهم جزء من الرأي العام باعتبارهم مراهقين كسالى "يريدون فقط التغيب عن الصفوف". وعندما يواجه الضغط الأكاديمي الهائل والإهمال المؤسسي بتشديد الإجراءات الأمنية بدلاً من تقديم حلول فعلية، يتحول الإحباط إلى غضب جماعي نابع من شعور متزايد بالتهميش وبلوغ حدود الاحتمال.
في المحصلة، لا تمثل عمليات إغلاق المدارس والاحتجاجات التي تجتاح الشوارع الفرنسية مجرد تمرد مراهقين، بل تعكس مشكلات هيكلية متجذرة. فقد دفعت سنوات من تدهور البنية التحتية، ونقص المعلمين المؤهلين، والجداول الدراسية المرهقة، الطلاب إلى حافة الإنهاك، وأدى التوتر المتصاعد بين جيل يسعى إلى نيل حقه الأساس في تعليم جيد وسلطات ترد بإجراءات أمنية مشددة، إلى تحويل عدد من المدارس الثانوية إلى بؤر للأزمة.
ويشارك طلاب المرحلة الثانوية في فرنسا في هذه الاحتجاجات سعياً إلى الدفاع عن حقهم في التعليم، وحماية صحتهم النفسية ورفاههم، وتأمين مستقبل أفضل. فهم لا يرفضون التعليم، بل يطالبون بظروف تتيح لهم التعلم بصورة طبيعية. وتجسد هذه الاحتجاجات مخاوف جيل يدرك أن مستقبله على المحك، فاختار النضال من أجل تحسين واقعه اليوم، بدلاً من ترك مستقبله رهينة للأزمات المتراكمة.
© The Independent