Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يغير التدخل الإريتري بشمال إثيوبيا معادلات الصراع في تيغراي؟

قد تفتح هذه المواجهة معركة أكبر في ظل سعي أديس أبابا إلى النفاذ لشواطئ البحر الأحمر

قوات حكومية إثيوبية في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي (رويترز)

ملخص

يحذر مراقبون لشؤون منطقة القرن الأفريقي، من أن انتظام الجيش الإريتري في الاشتباكات الدائرة في شمال إثيوبيا، قد يؤدي إلى تحويلها إلى حرب إقليمية، كذلك قد يمنح الحكومة الإثيوبية الذريعة التي تسعى إليها لتحقيق الوصول السيادي إلى البحر الأحمر، عبر شن هجوم مضاد يتجاوز الحدود الإثيوبية، سعياً إلى الاستيلاء على ميناء عصب الإريتري قرب باب المندب.

أثارت التطورات الأخيرة في إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، والمتعلقة باحتمال توغل الجيش الإريتري في شماله، جملة سيناريوهات وتكهنات عن خطط أسمرة تجاه الحرب الدائرة في جارتها الجنوبية.

وعلى رغم نفي وزير الإعلام الإريتري، يماني جبر مسكل، دخول قوات بلاده في إقليم تيغراي، واتهامه الحكومة الإثيوبية بترويج معلومات بغرض تبرير خططها لغزو بلاده، إلا أن كلاً من وكالة الصحافة الفرنسية ووكالة "رويترز" نقلتا عن شهود عيان أن وحدات إريترية انتشرت في مدينة عدي جرات، على بعد نحو 45 كيلومتراً من الحدود الإريترية - الإثيوبية.

ويحذر مراقبون لشؤون منطقة القرن الأفريقي، من أن "انتظام الجيش الإريتري في الاشتباكات الدائرة، قد يؤدي إلى تحويلها إلى حرب إقليمية، كذلك قد يمنح الحكومة الإثيوبية الذريعة التي تسعى إليها لتحقيق الوصول السيادي إلى البحر الأحمر، عبر شن هجوم مضاد يتجاوز الحدود الإثيوبية، سعياً إلى الاستيلاء على ميناء عصب الإريتري قرب باب المندب".

وتشير المعلومات الواردة حتى كتابة التقرير إلى أن الوحدات الإريترية لم تشارك في أي اشتباكات بعد.

والأسئلة الأكثر إلحاحاً في هذا الظرف الدقيق لا تتعلق بأهداف الانتشار الإريتري فحسب، بل بمدى قدرته على تغيير معادلات الصراع العسكري بين الحكومة المركزية ومعارضيها؟ وهل تسعى أسمرة إلى الانتظام المباشر في الحرب، أم تريد إقامة منطقة عازلة بين قواتها والجيش الفيدرالي الإثيوبي الذي يتجه شمالاً. وعلى الجانب الآخر، هل يوفر هذا التدخل - في حال صحته - الذريعة المطلوبة لأديس أبابا لخوض حرب تحقق مطالبها المتعلقة بالوصول إلى سواحل البحر الأحمر، وتداعيات هذا الوصول على المستويين الإقليمي والدولي، لا سيما أن ميناء عصب يشرف على مضيق باب المندب الذي يشهد توتراً بالغ الدقة، على خلفية تداعيات حرب إيران والحرب بين قوات الشرعية اليمنية وميليشيات الحوثي على الجزر المتحكمة في حركة الملاحة الدولية في باب المندب.

منطقة عازلة

من جهته يرى المتخصص في العلاقات الدولية، محمد السيد علي، أنه "من الواضح أن التوغل الإريتري في تيغراي، يهدف إلى دفع الحرب عن الأراضي الإريترية وفرض منطقة عازلة، بخاصة أن النظام الإريتري ظل يتابع التصريحات الإثيوبية التي تضمنت تهديداً مباشراً بالاستيلاء على موانئ إريترية، إذ أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 أمام برلمان بلاده، أن الوصول إلى ميناء عصب ضرورة وجودية لبلاده، سلماً أو حرباً، مشيراً إلى أن 'الحرب باتت حتمية، إن لم نخضها الآن، فستخوضها الأجيال القادمة من الإثيوبيين'".

ويرى السيد أن "هذه الادعاءات تعد انتهاكاً واضحاً لسيادة إريتريا، وتهديداً بإشعال حرب من أجل الاستيلاء على مناطق تقع تحت السيادة الإريترية، ومن ثم فإن أسمرة تدرك جيداً أنها المستهدفة من أي تحرك عسكري في إقليم تيغراي المحاذي لها، لذا تسعى إلى تأمين حدودها، من خلال فرض منطقة عازلة بين قواتها والجيش الفيدرالي الإثيوبي، الذي يتحرك بنشوة كبيرة نحو حدودها، بخاصة بعد تحقيقه انتصارات كبيرة على قوات التحالف المعارض، ومن ثم يتمتع بدافع معنوي، إلى جانب الدافع السياسي والجيوسياسي الذي تم الترويج له خلال الأعوام الثلاثة الماضية على أوسع نطاق".

خطورة الانتظام

ويرى السيد أن "الاحتمال الأرجح لأهداف الحملة العسكرية الإريترية، هو اتخاذ موقف دفاعي من داخل الأراضي الإثيوبية، لمنع أي توجه عسكري من الوصول إلى الأراضي الإريترية"، ويضيف أن "ثمة خطورة بالغة في حال انتظام الجيش الإريتري في الحرب الداخلية الإثيوبية، إذ إنه سيقاتل خارج أراضيه، ويتحمل كلفة عالية من موارده البشرية والعسكرية".

ويشير السيد إلى أن "الجيش الإثيوبي كثيراً ما اعتمد في كثير من التجارب السابقة، تكتيكات 'الأمواج البشرية' كما حدث في حرب بادمي عام 1999 مع إريتريا"، موضحاً أن "ثمة فارقاً موضوعياً كبيراً ينبغي ملاحظته في مواجهات كهذه، إذ لن يتمكن الجيش الإريتري من صد الهجوم إذا جرت المواجهات داخل أراضيه، وذلك نظراً إلى التفوق العددي الذي يتمتع به الجيش الإثيوبي، ومن ثم فإن خيار فرض المنطقة العازلة يعد التكتيك الأكثر ترجيحاً للطرف الإريتري".

 

معادلات الصراع

من جهة أخرى يؤكد السيد أن "دخول الطرف الإريتري دائرة النزاع الإثيوبي سيغير حتماً بعضاً من معادلاته"، مشيراً إلى "تجارب سابقة، آخرها الحرب في تيغراي في عامي 2020 و2022، فضلاً عن التجربة التاريخية بين الجبهتين الإريترية والتيغراوية التي أسقطت النظام في أديس أبابا، إذ إن كلتا التجربتين برهنت على تغيير كبير في معادلات النزاع، إلا أن هذه التجربة قد تبدو مختلفة نوعاً ما، لأسباب موضوعية، أهمها التفوق الذي يحظى به الجيش الإثيوبي من ناحية العتاد العسكري لا سيما توفره على عدد كبير من الطائرات المسيرة، التي تشير بعض التقارير العسكرية والاستخباراتية إلى أنها تقدر بعشرات الآلاف"، وأوضح أن "تكنولوجيا الطائرات المسيرة أضحى لها دور حاسم، في قلب المعادلات العسكرية التقليدية"، ولفت في المقابل إلى أن "البيانات العسكرية المتاحة لا توفر معلومات دقيقة عن حجم العتاد الجوي الإريتري، نظراً إلى طبيعة النظام القائم، وتحكمه في قنوات المعلومات العسكرية والأمنية".

أهداف التوغل

بدوره يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي، والناشط في حزب "الازدهار" الحاكم، تامانج هوريسا، أن "تقارير وكالات الأنباء العالمية عن انتشار الجيش الإريتري داخل إقليم تيغراي، أعطت صدقية أكبر لاتهامات أديس أبابا السابقة حول ضلوع إريتريا في أعمال عدائية تستهدف سيادة إثيوبيا".

ويرجح هويسا أن يكون هدف هذا التوغل هو إسناد قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي" التي منيت بهزائم كبيرة في جبهة ميكلي، "ومن ثم فإن الهدف الرئيس للتدخل الإريتري يأتي لإنقاذها من تلاحق الهزائم في المدن الأخرى"، ويضيف "ثمة هدف آخر تتحسب له القيادة الإريترية، فانهزام قوات تيغراي وانسحابها من المدن سيؤدي في نهاية المطاف إلى لجوئها لإريتريا، مما قد يضاعف الأخطار الأمنية بالنسبة إلى النظام الإريتري الذي يمارس أقصى درجات الرقابة، ويخشى انفلات الأمور من يديه في الداخل الإريتري بخاصة في حال وجود عشرات الآلاف من مقاتلي تيغراي على أراضيه، إذ إن ثمة سوابق مشابهة حدثت خلال العقود الماضية أثناء وجود عناصر من تنظيم 'دمحيت' التيغراوي المعارض، داخل الأراضي الإريترية، قبل استبعادهم لأسباب أمنية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما السبب الثالث فيتعلق في رأيه "بمحاولة حصر الاشتباكات الحالية داخل الحدود الإثيوبية، وضمان عدم انتقالها إلى الأراضي الإريترية، مما ينذر بحدوث تطور نوعي في المواجهات يفضي إلى فتح جبهة عسكرية لتحرير ميناء عصب"، مشيراً إلى أن "ثمة سابقة يمكن استحضارها خلال الحرب الحدودية بين البلدين، عام 2000، حين فتحت جبهة بوري- عصب"، موضحاً أن "فشل الجيش النظامي الإثيوبي في ذلك التوقيت لا يمنع الآن من توسيع الحرب بخاصة أن الجيش الفيدرالي الإثيوبي بات يتمتع بإمكانات أكبر، كذلك فإن النظام الإريتري بانتظامه في الحرب الداخلية الإثيوبية، وفر حججاً موضوعية لإثيوبيا لتوسيع نطاق الحرب وانتقالها إلى الداخل الإريتري، بدافع الرد على مصادر التهديد".

خرائط الصراع

ويوضح الناشط الإثيوبي أن "ثمة تحولاً كبيراً في خرائط الصراع، بخاصة بعد التقارير التي أكدت الانتشار الإريتري، إذ لا يمكن فصل هذه الحرب عن السياق الإقليمي العام، بخاصة أنها تأتي متزامنة مع صراع النفوذ الإقليمي في البحر الأحمر، وارتباط أطراف النزاع بتحالفات سياسية وعسكرية، تكتسب أهميتها من التوترات الأمنية القائمة في حوض البحر الأحمر، وسعي كل طرف إلى المساهمة في الترتيبات الأمنية والعسكرية في هذا الممر المائي المهم للملاحة الدولية". 

ويقر هوريسا أن حكومة أديس أبابا تسعى إلى "تحويل الأزمة إلى فرصة تتيح لها الوجود من جديد على جنوب البحر الأحمر، إلا أن هذا التوجه تحكمه المتغيرات الجيوسياسية، والتطورات المحتملة على جبهات القتال، ومن ثم من السابق لأوانه التحقق من مدى استعداد أديس أبابا حالياً لخوض معركة الوصول إلى البحر".

وعلى رغم ذلك يرى أن بلاده سترد على التدخل الإريتري بصورة حاسمة، بخاصة بعد حرب تصريحات مسؤول ملف تيغراي في الحكومة الإثيوبية، الوزير أبراهام بلاي، الذي أكد أن الحكومة الفيدرالية متفقة في شأن رد عسكري على النظام الإريتري"، مضيفاً أنه "سواء أدى ذلك إلى فتح جبهة عصب، أو اقتصر على توجيه رد عقابي، فإن التورط الإريتري سيلقى رداً قاسياً".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير