ملخص
خرج 78% من أجهزة التصوير الطبي من الخدمة في غزة بعد تعرضها للتدمير، وخلف هذا التدمير قصص مأسوية تعرضت لها مريضات سرطان الثدي.
قبل أيام قليلة من السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، كانت ماجدة تحاول إجراء صورة للثدي، لم تكن تعرف أن الفحص الذي تحاول الوصول إليه قبل الحرب سيصبح بداية طريق طويل مع السرطان ستتقلص فيه خيارات العلاج واحداً تلو الآخر.
بدأت الحرب قبل أن تبدأ الفحص، وبسبب النزوح المتكرر توقفت مساعيها لإجراء صورة الأشعة، إذ تقول "انتقلت إلى مواصي خان يونس وعشت في خيمة للمرة الأولى في حياتي، وحينها عشت حياة بدائية لا أعرف كيف أتعامل معها".
أخذتها الحياة القاسية التي خلفتها الحرب بعيداً من مرضها، ولم تعد تفكر في الفحوصات التي كانت تحتاج إليها، وتضيف "لم أعرف أن تأجيل فحص الثدي، سيطيل رحلة علاجي ويجعلها قاسية".
مرت أشهر قبل أن تتمكن من العودة إلى المستشفى، وفي الأول من مارس (آذار) 2025، عادت إلى إجراءات الفحص ووصلت إلى مرحلة الخزعة، وهنا تستذكر ماجدة ذلك الوقت القاسي عليها، تتنهد وتتابع "لم تكن إبر الخزعة متوافرة في المستشفيات، بالصدفة وجدت مركزاً خاصاً يجري الخزعة وتحليلها".
في نهاية مارس من العام الماضي، عرفت الإجابة "سرطان في الثدي من الدرجة الثانية، مع وصول المرض إلى الغدد اللمفاوية، وورم تجاوز حجمه ثلاثة سنتيمترات".
نتائج التشخيص
بحلول الـ12 من أبريل (نيسان) 2025 بدأت ماجدة أولى جلسات العلاج الكيماوي، على أمل تقليص حجم الورم تمهيداً لجراحة، وشعرت في ذلك الوقت أنها على الطريق الصحيح وحالها النفسية تحسنت قليلاً.
لكن بسرعة تغير كل شيء، عندما بدأت ماجدة تروي ما حدث معها، انهمرت الدموع من عينيها "لم أكمل جلسات الكيماوي، وانقطعت عنها بسرعة، وتوقفت الجرعات لأن المستشفى الأوروبي الذي كان في ذلك الوقت المرفق الوحيد الذي يقدم خدمات علاج السرطان خرج من الخدمة".
عادت ماجدة إلى خيمتها، في الليل يؤلمها الثدي لحد الصراخ، ولم تجد طريقاً للنوم، تفكر في ألمها، وتسرح في انقطاعها عن رحلة العلاج، وتعقب "شعرت بانهيار وقتها، وكأن الحياة أغلقت أبوابها في وجهي".
"عندما كنت أتوجع قبل صدور نتائج تحاليل الخزعة، كنت أتحمل الألم وأنساه لأني لم أعرف المشكلة، لكن بعدما عرفت مرضي صار الألم مضاعفاً، والأرق بات يلازمني"، تكمل حديثها وتبدو متوترة وتفرك أصابعها بعضها ببعض.
تفكر ماجدة مرة في زوجها، ومرة في الخيمة التي تعيش فيها وسط ظروف غير إنسانية وأزمات لا تنتهي من نقص في المياه والغذاء وعدم الأمان والنزوح المتكرر، ويشغل بالها طفلها ومهامها اليومية، وما يعكر مزاجها سرطان الثدي.
حاولت تعويض انقطاعها عن الجرعات الكيماوية في البحث عن دواء يمكن أن يخفف ألمها، لكنها عبثاً تفعل، فشلت وأصابها اليأس أشهراً طويلة وثقيلة، وهنا تشير إلى أنها لم تكن تعرف متى ستتمكن من استكمال علاجها أو الحصول على الرعاية الطبية التي تحتاج إليها وهذا ما جعلها متوترة.
ففي كل ليلة تقضيها ماجدة من دون العودة إلى بروتوكول علاج السرطان كانت تتخيل نفسها وهي تدخل غرفة العمليات وتجري الجراحة، لكن بسرعة تستيقظ على نفسها وهي تنظر لسقف الخيمة، تتذكر أنها تأخرت في العلاج، حينها تبدأ في التفكير بماذا سيحدث لها عندما تصل إلى مرحلة العملية بعد كل هذا التأخير.
حين تضيق خيارات العلاج
تعود ماجدة لاستكمال حديثها فتقول "بحثت عن سرطان الثدي عبر الإنترنت، وحينها فهمت أن الجراحة ليست نهاية العلاج، وعرفت أنه بعد إزالة الورم مع الحفاظ على معظم الثدي، يجب أن يتبع العملية علاج إشعاعي لتقليل خطر عودة المرض مرة أخرى".
في غزة لم يكن هذا العلاج متاحاً، والأصعب على ماجدة أنها تحتاج إلى العلاج الإشعاعي قبل خضوعها للعملية حتى تتمكن من إجراء جراحة تحفظية للثدي.
ويشرح أطباء الأورام في غزة أن نقص العلاج الإشعاعي يؤثر في الخيارات التي يمكن أن يبنى عليها بروتوكول العلاج، فيقول استشاري جراحة الأورام محمد عيد "العلاج الإشعاعي من بين العلاجات غير المتوافرة في القطاع، إلى جانب علاجات أخرى يحتاج إليها مرضى سرطان الثدي".
لم تكن مشكلة الوصول إلى العلاج الإشعاعي جديدة على مريضات سرطان الثدي في غزة، فقبل الحرب كانت المريضات اللاتي يحتجن إليه يضطررن إلى السفر خارج القطاع.
خلال عام 2018 شخصت وزارة الصحة في غزة 524 امرأة مصابة بسرطان الثدي، كان العلاج الإشعاعي مخططاً لنحو نصفهن، لكن أقل من الربع تمكن من الوصول إليه بسبب صعوبات السفر.
لكن عدم توافر العلاج الإشعاعي في غزة بخاصة خلال الحرب، جعل الخيارات أمام ماجدة أضيق، فهمت وحدها أن الجراحة الكاملة للثدي هي الخيار الوحيد أمامها.
وبعد قضاء أشهر من التشخيص والعلاج المتقطع والانتظار، حدد الطبيب موعداً خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025 لدخول ماجدة غرفة العمليات.
استغرقت العملية نحو ثلاث ساعات، وعندما انتهت، كان الثدي الأيسر قد أزيل بالكامل، وأزيلت كتلة حميدة من الثدي الأيمن، تحشرج صوتها عندما قالت "خرجت من العملية وقد تغير جسدي".
تعلق ماجدة "لم أتخيل للحظة أن رحلة العلاج التي بدأتها بمحاولة إجراء فحص للثدي ستنتهي بهذه الصورة، طوال رحلتي مع السرطان كانت خيارات العلاج تضيق من محطة إلى أخرى".
لم تنته رحلة علاج ماجدة، يقول استشاري جراحة الأورام محمد عيد "علاج سرطان الثدي في غزة لا يقتصر على الجراحة، كثيراً من الخيارات العلاجية ما زالت غير متاحة، وفي مقدمها العلاج الإشعاعي، إلى جانب أدوية وعلاجات أخرى".
مرحلة أخرى بعد العلاج
بالنسبة إلى يسرى لم يكن العلاج متاحاً داخل غزة، وكانت أكثر حظاً عندما حصلت على تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع، لكن إغلاق معبر رفح حال دون ذلك.
حصلت يسرى على تحويلة طبية للعلاج خارج غزة، وكان يفترض أن تسافر، لكن أغلق معبر رفح، وبقيت يسرى في معسكرات النزوح تعاني ويلات الحياة.
في تلك الفترة كان الأطباء يناقشون معها لاستئصال الثدي خشية انتشار المرض، كانت يسرى تأمل في أن تتمكن من السفر قبل إجراء العملية، ربما لتلقي العلاج الذي تحتاج إليه والحفاظ على ثديها، لكن فرصة السفر لم تأت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خضعت في النهاية لاستئصال الثدي، بعد الجراحة بقيت يسرى في حاجة إلى استكمال علاجها ومتابعتها، وتنتظر على أمل إمكان إجراء ترميم للثدي، في ظل عدم توافر المعدات اللازمة.
بحسب وزارة الصحة تضررت المستشفيات كثيراً فيما يوجد نقص مستمر في أدوية العلاج الكيماوي وغيرها من العلاجات، ووفقاً لإحصاءات الوزارة فإنه قبل الحرب، كان القطاع يسجل نحو 360 حالة جديدة من سرطان الثدي سنوياً، بينما سجل نحو 250 حالة خلال عام 2024 ونحو 260 خلال عام 2025.
ويوضح استشاري جراحة الأورام محمد عيد أن انخفاض الأعداد المسجلة لا يعني بالضرورة أن عدد المصابات انخفض، فتعطل الفحص والتشخيص قد يعني ببساطة أن نساء كثيرات لم يصلن إلى مرحلة تسجيل المرض أصلاً.
العلاج الذي كان يحتاج إلى سفر
صعوبة الوصول إلى العلاج لم تبدأ مع الحرب، فقبلها بأعوام كانت مريضات في غزة يضطررن إلى مغادرة القطاع للحصول على بعض العلاج.
خلال عام 2021 كانت خديجة واحدة من هؤلاء النساء، تقدمت بطلب للسفر إلى القدس الشرقية لإجراء فحوصات، لكن طلبها رفض، حاولت مرة أخرى من أجل العلاج الجراحي، ولم تتمكن من الخروج، غيرت وجهتها إلى مصر، ولم تخضع للجراحة إلا بعد سبعة أشهر من تشخيصها.
بحسب دراسة بحثية أشرفت عليها وزارة الصحة في غزة، فإنه قبل الحرب، خضعت 68 في المئة من النساء اللاتي احتجن إلى الجراحة لاستئصال جذري، وربط الباحثون ارتفاع النسبة بالتشخيص المتأخر ونقص العلاج الإشعاعي.
دعوات الفحص المبكر تصطدم بالأجهزة
خلال أكتوبر (تشرين الأول) الجاري تكررت الدعوة إلى الكشف المبكر عن سرطان الثدي في غزة، لكن هذا جاء في ظل نقص شديد في أماكن إجراء الفحوصات.
في مجمع ناصر الطبي، تعمل خدمات التصوير وسط عدد محدود من الأجهزة، ويقول رئيس قسم تجهيزات وحدة التصوير الطبي بوزارة الصحة ياسر اليعقوبي، "78 في المئة من أجهزة الأشعة والتصوير الطبي خرجت من الخدمة، ولم يتبق سوى خمسة أجهزة ماموغرام من أصل 14 جهازاً كانت موجودة قبل الحرب".
ترى اختصاصية التصوير الطبي رغدة الجعبور أن النساء المصابات يصلن إلى الفحص بعد تأخير، قائلة "ظروف الحرب جعلت الصحة تتراجع في قائمة أولويات كثير من الناس، بعض النساء يؤجلن مراجعة الطبيب بسبب النزوح أو ظروف المعيشة".
وتختم حديثها "أجهزة التصوير المحدودة التي نعمل عليها في المستشفى تتعرض لضغط كبير، نقص المعدات وقطع الغيار يحد من قدرة القسم على تقديم الخدمة".