ملخص
لم تعد المؤشرات القادمة من إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، خلال الأيام الأخيرة، مجرد جولة جديدة من حرب التهديدات المتبادلة، فإضافة إلى تصاعد اللهجة العسكرية الإيرانية، وتزايد التحذيرات في شأن مضيق هرمز، وارتفاع وتيرة الحوادث التي تستهدف حركة الملاحة، تظهر مؤشرات أخرى تتعلق بالاستعدادات العسكرية الأميركية، واضطراب الاتصالات داخل إيران، وعودة الحديث في واشنطن عن إمكان توجيه ضربات جديدة، قبل الانتخابات النصفية الأميركية والانتخابات الإسرائيلية، ومع قراءة هذه المؤشرات لا يمكن استبعاد إمكان الانتقال للحرب، كما يمكن متابعة لماذا قد تكون الأسابيع المقبلة أكثر حساسية مما تبدو عليه.
منذ ثيوسيديدس، يمكن فهم سلوك الدول والبشر من خلال تفاعل ثلاثة دوافع أساسية: الخوف والمصلحة والشرف (الانتصار السياسي)، وهي دوافع لا تختفي بتغير العصور، وإنما تتخذ أشكالاً جديدة تبعاً لطبيعة الصراع، والعناصر الثلاثة متوافرة في بعض المؤشرات والتحركات التي تشهدها المنطقة حالياً، والتي سبق وتكررت وفق نمط الصراع الأميركي - الإسرائيلي - الإيراني، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سبق الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران تحركات تعد المشهد لها، فقد تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن برنامج صاروخي إيراني، واستهدف إعادة تعريف البرنامج الصاروخي الإيراني كونه تهديداً للأراضي الأميركية، وليس لإسرائيل وحدها، وتقاطع الملف مع ما طرحه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، حول البرنامج الصاروخي الإيراني، خلال مراحل المواجهة السابقة، وتوجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتسوية ملف غزة، لتحييد "حماس" والتفرغ لحرب إيران التي شُنت في ما بعد.
لم تعد المؤشرات القادمة من إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، خلال الأيام الأخيرة، مجرد جولة جديدة من حرب التهديدات المتبادلة، فإضافة إلى تصاعد اللهجة العسكرية الإيرانية، وتزايد التحذيرات في شأن مضيق هرمز، وارتفاع وتيرة الحوادث التي تستهدف حركة الملاحة، تظهر مؤشرات أخرى تتعلق بالاستعدادات العسكرية الأميركية، واضطراب الاتصالات داخل إيران، وعودة الحديث في واشنطن عن إمكان توجيه ضربات جديدة قبل الانتخابات النصفية الأميركية، والانتخابات الإسرائيلية، ومع قراءة هذه المؤشرات لا يمكن استبعاد إمكان الانتقال إلى الحرب، ويمكن متابعة لماذا قد تكون الأسابيع المقبلة أكثر حساسية مما تبدو عليه؟
لدى إيران قناعة أن واشنطن وإسرائيل تفكران في خوض حرب محدودة، وتنفيذ ضربة قوية وحاسمة، وتحقيق نصر سريع، إذ جرى نقل كميات هائلة من القنابل والأسلحة، تزامناً مع تحريك قوات إلى المنطقة، وفي مقابل التحركات العسكرية الأميركية، انتقل الخطاب الإيراني من الردع إلى الاستعداد العسكري، والتحول التدريجي من التهديد السياسي إلى لغة أقرب إلى الاستعداد العملياتي، فأكد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، قائد مقر "خاتم الأنبياء"، في رسالة أن اندلاع حرب جديدة ضد إيران سيجعل نيرانها تطاول الجميع، في رسالة حملت تهديدات لواشنطن وإسرائيل ودول المنطقة، تزامناً مع تحذير "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" من الإدلاء بتصريحات، وصفها بأنها لا تستند إلى أساس حول المنشآت النووية الإيرانية.
وفي السياق نفسه، تؤكد الرسائل العسكرية الإيرانية أن إيران، بحسب خطابها الرسمي، أصبحت أقوى من أي وقت مضى، وأنها مستعدة لمواجهة أي تهديد "وبأي شكل وعلى أي مستوى"، وتزداد أهمية هذه اللغة التي تشابهت مع تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي، التي تؤكد أن إيران ثابتة ومصممة على الدفاع عن نفسها، وكذلك يسيطر على الإعلام الإيراني تصريحات مسؤولين عسكريين وأمنيين، تتحدث عن أن الخطأ التالي قد يؤدي إلى مفاجآت أكبر، وأن إيران في حال استعداد كامل.
هذه اللغة تعكس تصوراً إيرانياً بأن جولة جديدة من الحرب قد تندلع، وأن استئناف الضربات ليست احتمالاً نظرياً، لذا تصدر تصريحات للردع ومنع توجيه ضربة إليها، وأحد المؤشرات التي تستحق المتابعة هو اضطراب الاتصالات داخل طهران، فدائماً ما شهدت البلاد اضطرابات واسعة في الاتصالات والإنترنت، خلال فترات الاحتجاجات الداخلية والمواجهات الأمنية والعسكرية، ولذلك فإن ظهور اضطرابات في الاتصالات في هذه اللحظة، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مسألة تقنية، وإنما ربما يدخل في إطار رفع الاستعدادات الأمنية والعسكرية، وفي حين لا يمكن اعتبار اضطراب الإنترنت وحده دليلاً على قرب هجوم عسكري، لكن أهميته تأتي من سياقه، فإذا حدث اضطراب واسع ومتعمد في الاتصالات، تزامناً مع رفع مستوى الانتشار الأمني، وتقييد الحركة الجوية، وتشديد الرقابة على الاتصالات، وتحركات عسكرية غير اعتيادية، فإن تفسيره باعتباره جزءاً من إجراءات أمنية، أو استعدادات دفاعية، يصبح أكثر احتمالاً.
ربما يكون التطور الأكثر أهمية هو ما كشفته تقارير أميركية خلال الساعات الأخيرة، عن احتمال توجيه ضربة مشتركة لإيران، لكن هذا يخالف ما راهنت عليه طهران، وهو أن عامل الوقت ليس في مصلحة ترمب، إذ لا يمكنه توجيه ضربة لها قبل انتخابات التجديد النصفي، وكذلك فإن الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في المنطقة، مع إرسال نحو 9 آلاف جندي وحاملة طائرات ثالثة إلى الشرق الأوسط، في ظل درس ترمب خيارات جديدة تجاه إيران، ولكن يبدو أنه يتعامل بمنطق مغاير لما راهنت عليه إيران، فأصبح السؤال ما الهدف السياسي الذي يمكن أن تحققه ضربة جديدة؟ ولماذا قد تختار واشنطن توقيتها الآن؟ ومن ثم هل يمكن أن تصبح الحرب أداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد يحاول ترمب تقديم أية عملية عسكرية جديدة باعتبارها دليلاً على القوة والقدرة على فرض شروطه، وهنا تصبح فكرة الانتصار السياسي مرتبطة بتحديد هدف عسكري قابل للعرض أمام الرأي العام، مثل ضربة للبنية التحتية للطاقة، أو تدمير قدرات عسكرية، أو إضعاف السيطرة الإيرانية على هرمز، أو استهداف منشآت نووية، أو هدف آخر محدود حاسم يقدمه ترمب للداخل الأميركي، وهو استهداف المرشد الحالي مجتبى خامنئي، فمن اللافت أن يعود ترمب في السادس من أكتوبر الجاري بتصريح "لا أحد يعرف من يدير إيران"، ومن الممكن قراءة التصريح بطريقتين، الأولى أنه يعكس بالفعل صعوبة واشنطن في تحديد مركز القرار الإيراني، بعد مقتل علي خامنئي في الضربة الأولى من الحرب، وتولي مجتبى خامنئي موقع القيادة في ظروف شديدة الحساسية، والثانية، وهي أكثر أهمية سياسياً، فهي أن الغموض في تحديد القيادة يمكن أن يستخدم لتبرير التصعيد، أي أن واشنطن لم تكن تعرف مع من تتفاوض، ولذلك فإن استمرار الضغط العسكري يمكن تقديمه باعتباره الوسيلة الوحيدة لإجبار النظام الإيراني على اتخاذ قرار واضح.
لكن ينبغي عدم استبعاد احتمال أن يكون التصريح نفسه جزءاً من أسلوب ترمب المعروف في الغموض الإستراتيجي، أي أنه يريد القول إن إيران بلا قيادة، ثم يباغت باستهداف المرشد الحالي، فتجربة الحرب السابقة أثبتت أن إسرائيل والولايات المتحدة تمتلكان قدرات استخباراتية وعملياتية متقدمة داخل المسرح الإيراني، وأن استهداف القيادة الإيرانية أصبح بالفعل جزءاً من منطق الحرب السابقة، وأن لديهما القدرات الاستخباراتية على الوصول إلى أي هدف داخل إيران، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسرائيل قادرة على الوصول إلى القيادة الإيرانية من حيث المبدأ، وإنما هل ترى واشنطن وتل أبيب أن استهداف القيادة سيحقق نتيجة سياسية، أفضل من استهداف القدرات العسكرية والاقتصادية؟
حتى الآن، الصورة تشير إلى تصاعد واضح في الاستعدادات والضغوط المتبادلة، لكنها لا تكفي وحدها للقول بقرار الحرب، لكن المفارقة أن الحرب قد تحقق النتيجة العكسية إذا أدت إلى ارتفاع أكبر في أسعار النفط، أو توسع الرد الإيراني، أو تعرض القوات الأميركية والحلفاء لهجمات، إذ تهدد إيران بأن لديها مجموعة من أدوات الرد التي تستخدمها، وتعد لكيفية إدارة مضيق هرمز، وإدارة صادرات الطاقة، والبنية التحتية للاتصالات، وطرق العبور الخاصة بالدول، وحتى كابلات الألياف الضوئية، التي تعد أداة ضغط جديدة بالنسبة إلى إيران، إذ يمر ما لا يقل عن سبعة كابلات منها عبر مضيق هرمز، وتشكل هذه الكابلات العمود الفقري للاقتصاد الرقمي في المنطقة، ويمكن أن يؤدي تعطيلها إلى إحداث تحديات خطرة أمام التعاملات المالية والإنترنت والخدمات المصرفية، إذ
ستعمل إيران على رفع الكلفة على الجميع حال تم توجيه ضربها إليها، في استمرار لتحوّل الصراع معها إلى شبكي يمتد في المنطقة بأكملها، جغرافياً عبر أدواتها وأدوات وكلائها من الميليشيات.
أما مضيق هرمز فلا تتعامل معه باعتباره مجرد ممر مائي، يمكن إغلاقه في حال الحرب، وإنما يبدو أنها تحاول تحويل قدرتها على التأثير في الملاحة إلى أداة إستراتيجية للتفاوض والضغط وإعادة توزيع كُلف الصراع، والأكثر دلالة هو أن هذا يحدث في وقت تزداد الهجمات والحوادث البحرية، فقد سجل الأسبوع الأخير أعلى عدد من الهجمات أو محاولات الهجوم والمضايقات ضد ناقلات النفط في مضيق هرمز، منذ بداية الحرب في فبراير (شباط) الماضي، وفق بيانات نقلتها "رويترز"، مع تسجيل 12 حادثة في الأقل خلال الفترة من الـ 28 من سبتمبر (أيلول) وحتى الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضيين.
إن إيران تريد ما تعتبره السيطرة الذكية أو الانتقائية على هرمز، أي لا تعني بالضرورة إغلاقه بالكامل، فقد تكون لدى إيران مصلحة أكبر في إبقائه مفتوحاً بصورة انتقائية ومكلفة وغير مستقرة، لتستطيع التأثير في حجم الحركة، والتأمين البحري، وأسعار النفط، وقرارات شركات النقل، من دون تحمل الكلفة السياسية والعسكرية لإعلان إغلاق شامل، وتقول طهران إنها تستعد لرد أقوى في حال استئناف الهجمات الأميركية واسعة النطاق، وأن مراجعة الخطط تشمل توسيع نطاق الأهداف المحتملة إلى دول حليفة للولايات المتحدة، وربما مواقع خارج الشرق الأوسط، وكل ما سبق يجعل الاستعداد لجولة عسكرية جديدة احتمالاً جدياً تجب مراقبته، لكنه لا يعني قراراً نهائياً بالحرب، ولكن المفارقة الأساسية في الأزمة الحالية، أن طهران وواشنطن قد تكونان تتحركان وفق حسابين متعاكسين، سواء ما يتعلق بالملف النووي أو مضيق هرمز.