ملخص
تقول "منظمة الصحة العالمية" في تقرير حديث نشرته على موقعها في الـ29 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أي قبل أيام قليلة من إعلان وفاة الباحثة الروسية في المختبر، إن مرض الطاعون هو مرض معد تسببه بكتيريا حيوانية المنشأ تدعى "اليرسنية الطاعونية" وتوجد عادة لدى صغار الثدييات والبراغيث المعتمدة عليها.
أثارت وفاة شابة روسية قبل أيام قليلة، كانت تعمل في إحدى المؤسسات الروسية المتخصصة في مكافحة مرض الطاعون، الهواجس من عودة انتشار ما عرف يوماً بـ"الموت الأسود".
هذه الحادثة بذاتها، تسببت بحال من الرعب في ظل ما جرى تداوله عن احتمال عودة مرض كان سبباً لمئات آلاف الوفيات في يوم من الأيام، لذلك، إثر ما حصل، تدخلت السلطات الصحية في سيبيريا لمراقبة نحو 200 شخص واتخاذ كل التدابير والإجراءات الوقائية الممكنة في مواجهة هذا الخطر.
وفي ظل المخاوف المرتبطة بهذه الحادثة كثرت التساؤلات حول ما إذا كان من الممكن فعلاً لخطأ في مختبر أن يتسبب بكارثة وبائية تهدد البشرية مرة جديدة، خصوصاً أنها ليست المرة الأولى التي يجري فيها التداول بفرضيات من هذا النوع إثر تسرب فيروسي محتمل من مختبر.
فبعد جائحة كورونا عام 2020، طرحت مثل هذه الفرضية، ولا تزال متداولة إلى اليوم، بأن يكون انتشار الفيروس ناتجاً من تسرب فيروسي من أحد مختبرات مدينة ووهان في الصين.
خطأ قد يعيد مشاهد مرعبة
بدأ التداول بأخبار وفرضيات عن احتمال حصول تسرب من المختبر الطبي أو خطأ، إثر وفاة الباحثة الروسية الشابة داريا شيبيلوفا البالغة من العمر 28 سنة في المعهد الروسي المتخصص في أبحاث الطاعون في سيبيريا، وذلك بعد إصابتها بالتهاب رئوي حاد لم تحدد أسبابه، وكانت الأخبار المتداولة قد أشارت إلى أن الباحثة تعرضت للالتهاب الرئوي إثر تعرضها لبكتيريا الطاعون الموجودة داخل أنبوب اختبار مكسور.
أثارت وفاتها مخاوف من احتمال إصابتها بمرض الطاعون الرئوي الأكثر شراسة من بين كل أنواع الطاعون، وهذا ما يعيد اليوم إلى الواجهة مشاهد مرعبة ترافقت مع انتشار المرض القاتل في حقب معينة من التاريخ، بعد غياب طويل لما اعتبر من الأمراض التي تركت بصمة مرعبة في التاريخ.
هيئة الصحة الروسية بدورها لم تؤكد بعد سبب الوفاة بصورة حاسمة، واكتفت بالإشارة إلى أن الباحثة أصيبت بالتهاب رئوي غير محدد.
ماذا تكشف الدراسات؟
وفق أبحاث نشرتها مجلة Nature عام 2026، فإن أقدم الأدلة المعروفة على إصابة البشر ببكتيريا الطاعون تعود إلى نحو 5500 عام، إذ كشفت تحليلات الحمض النووي القديم عن وجود هذه البكتيريا لدى جماعات بشرية عاشت في عصور ما قبل التاريخ.
وتعتبر منطقة سيبيريا بصورة خاصة، حيث حصلت الحادثة قبل أيام، من المناطق التي شهدت تفشيات مبكرة للمرض مع توطنه بين القوارض البرية.
ويبقى أن الجائحة العظمى التي ارتبطت بالطاعون وكانت السبب في تسميته "الموت الأسود"، حصلت في أوروبا وفي أجزاء واسعة من العالم في القرن الـ14، وقد حمل هذا الاسم لما أدى إليه من رعب وأعراض مخيفة.
وعن هذه الجائحة تقول منظمة الصحة العالمية إن "الموت الأسود" تسبب في أكثر من 50 مليون وفاة في أوروبا خلال القرن الـ14، فيما تذكر وثيقة أخرى للمنظمة عام 2025 أن الوباء قضى على ما يصل إلى ثلث سكان أوروبا.
بكتيريا "اليرسنية الطاعونية"
تقول "منظمة الصحة العالمية" في تقرير حديث نشرته على موقعها في الـ29 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أي قبل أيام قليلة من إعلان وفاة المرأة الروسية في المختبر، إن مرض الطاعون هو مرض معد تسببه بكتيريا حيوانية المنشأ تدعى "اليرسنية الطاعونية" وتوجد عادة لدى صغار الثدييات والبراغيث المعتمدة عليها.
ينتقل هذا المرض بين الحيوانات من طريق البراغيث المعتمدة عليها، كذلك يمكن أن تنتقل عدواه إلى الإنسان من طريق لدغة البراغيث المصابة بعدوى المرض والناقلة له، الملامسة غير المحمية لسوائل الجسم المعدية أو المواد الملوثة واستنشاق الرذاذ المنبعث من الجهاز التنفسي، أي الجزيئات الصغيرة المنبعثة من فم المريض المصاب بالطاعون الرئوي.
وتؤكد المنظمة أن الطاعون يمكن أن يكون مرضاً وخيماً جداً لدى الإنسان، ولا سيما عندما يتخذ شكل طاعون إنتان الدم، أي عدوى تصيب جهاز الدورة الدموية بسبب دوران بكتيريا المرض في مجرى الدم، فيما الطاعون الرئوي يراوح معدل الإماتة في حالاته ما بين 30 و100 في المئة إن ترك من دون علاج. ويكون الطاعون في شكله الرئوي مميتاً على الدوام ما لم يعالج في وقت مبكر ويكون معدياً بوجه خاص ويمكن أن يسبب أوبئة وخيمة بانتقاله من شخص إلى آخر من طريق الرذاذ المنتشر في الهواء.
وتكشف المنظمة الأممية أنه بين عامي 2010 و2015 سجلت 3248 حالة إصابة بالمرض في العالم، منها 584 وفاة من جرائه.
بين موجات الأمس ومخاوف اليوم
يعتبر مدير مركز أبحاث الأمراض الجرثومية ورئيس قسم الأمراض الجرثومية في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت البروفيسور غسان دبيبو، أنه لو عدنا عبر التاريخ في نظرة إلى مرض الطاعون الذي شكل وباء خطراً في حقب معينة، لبدت النظرة مختلفة، لأنه كان ينتشر بمعدلات كبرى في ظل الحروب وظروف الفقر ويحصد مئات آلاف الأرواح، أما اليوم فلم تعد البكتيريا المسببة له موجودة إلا في بلدان معينة وبأعداد قليلة جداً، لذا لم يعد الطاعون مصدر قلق في أيامنا هذه، ويقول "حالياً، بحسب منظمة الصحة العالمية، يقتصر وجود حالات الطاعون بصورة أساسية على الكونغو ومدغشقر في القارة الأفريقية، إضافة إلى وجود بعض الحالات في الولايات المتحدة وكينيا والبيرو، إنما بأعداد أقل، وراهناً ليس هناك انتشار للمرض، وتجري معالجة هذه الحالات المحدودة في دول معينة في حينها. وتعتبر القوارض مثل الجرذان مصدر الخطر الأساس التي ينتقل المرض منها عبر البرغوث فينقل البكتيريا منها إلى الإنسان".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الطاعون الرئوي أخطر الأنواع والعلاج موجود
تتعدد أنواع الطاعون ولكل من هذه الأنواع طريقة انتقال بالعدوى ودرجة خطورة مختلفة، إلا أن الطاعون الرئوي قد يكون أكثر الأنواع شراسة، ويشير دبيبو إلى أنه ينتقل عندها بالتنفس من شخص إلى آخر، لذلك، نظراً إلى خطورته، جرى عزل كل الأشخاص الذين تعرضوا للباحثة الروسية أو كانوا على اتصال معها، لاحتمال أن يكونوا قد التقطوا العدوى.
على رغم المخاوف التي أثيرت وما جرى التداول به من أخبار، فلا تبدو النظرة إلى الطاعون اليوم مماثلة لما كانت عليه عندما كان المرض وباءً قاتلاً قضى على مئات الآلاف من الأرواح، ويوضح دبيبو أنه ثمة علاج متوافر اليوم للطاعون ويمكن معالجته بسهولة إن تم التشخيص في مراحل مبكرة، في المقابل لا يتوافر له بعد لقاح وقائي، ولم يجر العمل على تطويره تحديداً كونه من الممكن معالجته بالمضادات الحيوية.
ويؤكد أنه عندما تسبب بكوارث مرعبة على البشرية لم يكن له أي علاج بعد، فيما اختلفت الأمور اليوم وتتوافر المضادات الحيوية الكثيرة القادرة على مواجهته في مختلف الدول، هذا بشرط حصول التشخيص في الوقت المناسب وبدء العلاج في مرحلة مبكرة، وعندها تكون هناك استجابة عالية للأدوية، إلا أن تأخير التشخيص يمكن أن يحصل أحياناً كون المرض لم يعد موجوداً بمعدلات كبرى، وأصبحت الحالات محدودة، فقد لا يتنبه الأطباء إلى احتمال أن تكون هناك إصابة بالطاعون إذا لم تكن الأعراض الناتجة من المرض واضحة.
عندما يهدد خطأ البشرية
تعتبر البكتيريا المسببة لمرض الطاعون من الأنواع الخطرة التي لا بد من التعامل معها بإجراءات احترازية مشددة. وبحسب دبيبو تتخذ في المختبرات التي يتم فيها التعامل مع بكتيريا "يريسينيا بيستيس" إجراءات مشددة ووقاية من أعلى الدرجات في مستوى يعرف بـBiosafety Level 3 الذي يشكل درجة وقاية قصوى لدى التعامل مع بكتيريا وفيروسات يمكن أن تؤدي إلى وفاة أو انتشار أو عدوى خطرة، كما في حال التعامل مع فيروس كورونا أو إيبولا أو أي ميكروبات خطرة.
وما لا يبدو واضحاً، على حد قوله، في التقارير المتداولة حول الحادثة التي حصلت في المختبر المتخصص في مكافحة الطاعون في سيبيريا، ما إذا كان المختبر خاصاً بالأبحاث أو من المختبرات التابعة للدولة، إضافة إلى بقية التفاصيل التي ترتبط بطريقة العمل فيه، والأساليب المتبعة لحماية العاملين فيه.
ففي حال التعامل مع البكتيريا عينها، من المفترض أن تتخذ إجراءات وقاية قصوى ويرتدي العاملون حكماً ملابس وقائية تغطي كامل الجسم مع قناع وغطاء للرأس والوجه، إضافة إلى ظروف تهوية يكون فيها الهواء فيه جذب سلبي، حتى لا يخرج أي رذاذ من المختبر ويشكل خطراً أياً كان نوعه، كذلك فإنه من المفترض أن يكون للمختبر مخرجان لمزيد من الأمان، حتى لا يحصل أي تسرب إلى خارج المختبر، أما في حال عدم اتخاذ مثل هذه الإجراءات فيرتفع خطر حصول انتشار خارج المختبر.
من جهة أخرى وفق دبيبو، في حال حصول أي حادثة داخل المختبر، من المفترض أن يبقى في داخله مع تعقيم فوري وللشخص المعني حتى لا يحصل تسرب للخارج، فيما لم يتم نشر أي تفاصيل من هذا النوع ويخيم الغموض على هذه الحادثة مما يطرح مزيداً من التساؤلات والتكهنات حولها.
الطاعون الرئوي الأكثر خطورة
من جهته، أوضح رئيس قسم الأمراض الجرثومية في مستشفى الحريري الجامعي الدكتور بيار أبي حنا أنه لا يمكن التحدث عن عدوى خطرة حالياً في كل أنواع الطاعون على رغم ما يرافق هذا المرض من هواجس، إلا أنه في حال الطاعون الرئوي المعني بالحادثة، يعتبر الوضع أكثر خطورة، بما أن هذا النوع ينتقل بالعدوى بمعدلات كبرى، مما يفسر عدد الأشخاص الذين جرى عزلهم إثر الحادثة لاحتواء الوضع، ويؤكد "لكن في كل الحالات بوجود مضادات حيوية قادرة على مكافحة المرض بفاعلية من الممكن السيطرة على الأمور، حتى بالنسبة إلى كل من يتعرض للشخص المصاب ويكون على اتصال به، يتوافر العلاج الوقائي القادر على الحد من الخطر على رغم كل المخاوف التي أثيرت".
أما ما يجري التداول فيه بعد الحادثة في المختبر، فمشهد يتكرر بعد ما حصل في ظل جائحة كورونا، مضيفاً "من المفترض أن تتخذ في مختبر من هذا النوع درجات الوقاية القصوى منعاً لأي خطأ أو تسرب في الدول التي تعمل مختبراتها على بكتيريا وفيروسات لم تعد موجودة وهي تشكل خطراً على الناس في حال عاودت الانتشار. والمعني هنا هو مرض الطاعون الذي يعتبر من الأمراض الخطرة التي يتطلب التعامل معه أقصى درجات الوقاية، خصوصاً أن عدداً قليلاً من البكتيريا يمكن أن يسبب الإصابة والأعراض فيه، وفي حال عدم اتخاذ مثل هذه الإجراءات من الممكن أن تحصل حوادث من هذا النوع".
وختم "نظراً إلى الغموض الذي يلف الحادثة من الطبيعي أن تستمر التكهنات التي قد يكون في بعضها شيء من الصحة، بما أن حوادث من هذا النوع يمكن أن تحصل في ظروف معينة، كما يمكن أن تكون مجرد مخاوف لا أساس لها من الصحة".