Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرسامة البحرينية بلقيس فخرو رائدة التجريد الغنائي

جددت العلاقة بين الفن والذاكرة الجماعية ورحلت عن 76 سنة

الرسامة البحرينية بلقيس فخرو امام لوحة لها (صفحة الرسامة - فيسبوك)

ملخص

صفحة مشرقة من تاريخ الحركة التشكيلية المعاصرة في البحرين والخليج العربي طويت مع رحيل الرسامة بلقيس فخرو (1950- 2026) عن عمر يناهز 76 سنة.

تركت الرسامة  بلقيس فخرو بصمة خاصة في النتاج الإبداعي العربي، وإرثاً فنياً امتد قرابة نحو نصف، غيرت فيه مفاهيم علاقة الأمكنة بالزمن والتراث والذاكرة والهوية، من خلال محاكاتها للشكل والفضاء وعالم الألوان على أنها امتداد عاطفي ووجداني يمحو ملامح الظاهر الكامن في الواقع، ليصل إلى المطلق حيث الغياب هو أقصى درجات الحضور.

تفردت بلقيس فخرو بثقافتها العميقة واطلاعها على مجريات الحداثة والمعاصرة، مما أعطى شخصيتها الفنية حضوراً وتأثيراً جعلها تتجاوز المحاكاة التقليدية للموضوعات التي تداولها سائر أبناء جيلها. آمنت بالمسار التغييري  للعمل الثقافي الذي يبدأ من القاعدة، فكانت ناشطة اجتماعية في جمعيات نسائية عدة، فضلاً عن كونها باحثة متعمقة في تاريخ الفن وناقدة تشكيلية وأستاذة في جامعة البحرين، فضلاً عن عضويتها في لجان تحكيمية عدة، ومسابقات فنية عربية.

زينت لوحاتها الجدارية مركز دبي المالي عام 2006، وإلى جانب معارضها في مملكة البحرين، ومشاركتها في معارض وبينالات عربية ودولية، دخلت أعمالها في مقتنيات عدد من المتاحف والمؤسسات الثقافية في أكثر من عاصمة عربية وأجنبية. تم اخيارها من بين أقوى 50 شخصية في البحرين من مجلة "أربيان بزنس" عام 2009، وهي من أكثر فنانات التجريد في العالم العربي شغفاً بالضخامة، إذ نفذت في العقود الأخيرة من حياتها لوحات عملاقة تفوق الستة أمتار.

تفتحت مواهبها منذ الطفولة على الفن، وعلى زرقة البحر والمدى الأفقي لألوان البساتين وأشكال العمائر التراثية التي تجلت في المنظر الحضري للمنامة (مسقط رأسها)، إذ نشأت في بيت يعج بالفن والموسيقى والأدب، وسط عائلة أسهمت في إدخال معالم الحداثة إلى مملكة البحرين. نهلت من الكتب الفنية في مكتبة والدها، قبل أن تتوجه إلى بيروت عام 1971 لدراسة الفلسفة وعلم النفس في الجامعة الأميركية ثم في الجامعة العربية، لكنها لم تكمل دراستها، بل تزوجت من طبيب عيون شغوف بفن النحت وسافرت معه إلى الولايات المتحدة الاميركية، لتلتحق بصفوف الرسم في جامعة لون مونتن في سان فرنسيسكو - كاليفورنيا (بين عامي 1973- 1975)، إذ تأثرت بالتعبيرية التجريدية الأميركية وبفناني مدرسة نيويورك.

اختارت بعد عودتها للبحرين، أن تخرج عن مسار الفنانين الذين سبقوها، في استيحاء العمارة التراثية البحرينية، فأخذت من الواقع صورته الهلامية التي تعود لتنبثق في اللوحة بطريقة مشوشة تشبه إلى حد بعيد الواقعية الألمانية القريبة من الوحشية الفرنسية، عرفت أعمالها منذ أوائل الثمانينيات نجاحاً في مخاطبة الماضي التراثي بحلة معاصرة.

حوائط البيوت وممرات الذاكرة

من بيت العائلة حيث الحنين انطلقت ريشة بلقيس فخرو تستجمع ملامحه المنسية بين أثاث غرفه المفروشة بالسجاجيد الحمر، وتدلف إلى فنائه الداخلي حيث العقود ونافورة الماء المحاطة بالأشجار والزرع، لتفتح نوافذ الأمس الصامتة على زغاريد الأحياء القديمة حيث تتلاصق البيوت وتتقاطع في ما بينها، وتنبري القباب ومنائر المساجد والأسوار ذات الزخارف. واللافت في تلك المرحلة المبكرة هي حوائط البيوت ذات الألوان الغبراء والترابية المحملة بضوء الشمس في حر الظهيرة، وفي هندسة المكان ثمة مسطحات أفقية ومساقط عمودية أضحت في ما بعد في تجاربها اللاحقة فحوى العمل الفني ومبتغاه الجمالي العميق البعيد من الوصف المكاني المباشر، هكذا استرجعت فخرو بيوت المدينة التراثية، رسمتها كأشكال هندسية مبنية بأرجوان الأحلام ورحابة الرؤى ومتعة الحواس.

ليست البيوت وحدها هي التي تمشي في ممرات ذاكرة بلقيس، بل الأمكنة القصية في تاريخ البشرية أضحت من الثيمات التي جذبت بسحرها وطقوسها مخيلتها. عصر الحجارة (الميغاليت) والرسوم السحرية على الكهوف الصخرية ذات الملامس الناتئة، فالحائط علامة من علامات الدهر، وشاهد على الهجران وعوامل التآكل والتعرية. لكن الحائط في أعمالها ينهض ويشرئب، فينحدر على سطحه سيل ألوان وتنهال عليه تأويلات شتى، من يقول حين نقف أمام الجدار أننا إزاء الأمام أم الخلف؟ إنه مرآة مزدوجة لحكاية المكان وذاكرته، الجدار مثل الكائن يعيش ويشيخ ويندثر، فيه مضائق وأخاديد وسطوح وانحناءات.

غير أنه في لوحات بلقيس بالإمكان إدراك ما هو أبعد وأقرب بين أكتاف صخرية لها هامات لكأنها أجسام منحوتات معمرة تكتنفها ممرات مثل سراديب، مثل طقوس وغلالات تنسدل عمودياً. وقد تتراءى في أعمالها تكاوين صخور متراصة ومترابطة لكأنها عائلة تعود لزمن واحد، لها أشكال عضوية شبيهة بالإنسان، حيث انزياحات داكنة توهم بوجود مداخل خلفية مبهمة، ويظل هذا الغبش ملازماً لسطوحها اللونية، وهو أحد أكبر أسرارها. وفي ظل التكوين العمودي الذي يسيطر على الرؤية،  لا شيء يحجب أهمية الأسود وسطوة حضوره سوى الأصفر الشمسي، لكن الضباب في كل مكان. ثمة متكآت وأحياناً مراكب وشطآن وأخيلة هائمة في الظلال، لكنها مجرد تخيلات وأوهام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لعل العنصر التقني هو أبرز مقومات الايهامات البصرية التي تبعثها لوحات فخرو على مستوى الطبقات والملامس وأعمال القشط والمحو والبخ والإذابة اللونية واللطخات الموضوعة بالسكين، مما يترك شقوقاً متفاوتة الاغوار، كأنها لفائف مدسوسة في صميم الجدار، تلك التي تعيدها بلقيس لذكريات الطفولة. في أحد حواراتنا التي أجريتها معها في عام 2014، أثناء إعدادي لكتاب بعنوان "تاريخ الفن في ممكلة البحرين: من الحداثة إلى المعاصرة" تقول "في الخمسينيات كنا صغاراً نسير في الأزقة وكانت الجدران تحتوي على شقوق، وكان يوضع في داخلها لفائف من الورق، كانوا يحذروننا من العبث بها أو فتحها ظناً أنها تحتوي على آيات قرآنية، ربما لم تكن كذلك لعلها كانت رسائل أو قصاصات هامشية من مجلات أو ما شابه. لذا أجد نفسي أرسم وألون وأمحو، لأترك داخل جدراني لفائف كلمات لم يقلها أحد، ولم يفتحها أحد، ولم يجرؤ على فك طلاسمها أحد".

الاختزال لغة التجريد

في منتصف الثمانينيات انضمت بلقيس فخرو إلى مجموعة أصدقاء الفن لدول مجلس التعاون الخليجي، فحسمت موقفها الفني، لصالح لغة اختزال الأشكال والتبسيط لتجاوز رتابة الواقع نحو التجريد، من دون أن تنقطع عن محاكاة الفن الأوروبي والأميركي فقد واظبت طوال أكثر من 30 عاماً على حضور مهرجان ادنبره في اسكتلندا، إذ يخلتط المسرح بالموسيقى ومعارض الفن والأوبرا والسمفونيات وتندمج في مكان واحد، فضلاً عن زيارة المتاحف الكبرى والمعارض المعاصرة التي تقام للفن التركيبي وفنون الأداء وما شابه، على رغم ذلك  الانغماس ظلت بلقيس متمسكة بالعمل اليدوي، نحو مزيد من البساطة في تعاطيها مع الفن ومجريات الحياة على السواء.

هذه البساطة التي وجدتها عن طريق الاختزال الذي ينعكس خطوطاً وزيوح ألوان تنم عن حركة اليدين في عبورهما على سطح اللوحة والأثر الذي يتركه هذا العبور. والحديث عن ترك الأثر والتبصيم يقود إلى البعد الروحاني في جداريات شاكر حسن آل سعيد بتراكماتها وحروقها وتشوهاتها، ويذكر بالعلامات التي تكتنف جدران انطونيو تابياس ذات الملامس الناتئة المنبثقة من الرسوم الجدارية لكهوف ألتميرا في إسبانيا، كي نصل في نهاية المطاف إلى توصيف "الجدار" الذي تقيمه بلقيس فخرو، بثرائه اللوني وتناغمات ألوانه المخففة، المصعوقة بزوابع الألوان البركانية والمعطوفة على عناصر الطبيعة: ألوان العنبر بدرجاته والألوان الأرضية: الرمل والتراب والصلصال، ونيران الأحمر الملطخ بالرمادي والأسود.

على رغم طغيان التأليف العمودي في أعمالها، لم تخل تجاربها من التأليف الأفقي للبطاح التي تمتد إلى أعماق موهومة، بما يوحي بمناظر طبيعية، لأشرعة تائهة في دوامات بين براكين وسحابات سود وحقول تشبه خريف الشتاء، كما جابت ريشتها ألوان البساتين وألوان الأزرق الكوبالتي بين البنفسج والورد وإشراقات شمس الطفولة في صباحات لا تعرف الوداع.      

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة