ملخص
يكسر عناصر سابقون في القوات الخاصة البريطانية صمتاً امتد عقوداً، كاشفين عن تفاصيل عمليات سرية واشتباكات دامية مع "الجيش الجمهوري الإيرلندي"، ومروين كيف تحولت قرارات اتخذوها خلال لحظات تحت النار إلى تحقيقات وملاحقات قضائية تلاحقهم بعد عقود من انتهاء الصراع.
خرج 15 جندياً وضابط استخبارات من "القوات الخاصة البريطانية" SAS [المعروفة رسمياً باسم "الخدمة الجوية الخاصة" (Special Air Service)] عن صمتهم للمرة الأولى، ليرووا كيف قتلوا عناصر من "الجيش الجمهوري الإيرلندي" IRA في بعض أكثر العمليات إثارة للجدال في تاريخ الصراع بين الجانبين، الذي امتد لعقود في إيرلندا الشمالية.
وفي شهادات اتسمت بصراحة غير مسبوقة، ظهر كثير منهم إلى العلن للمرة الأولى للحديث عن عمليات أحاطت بها السرية، ورووا كيف تنكر جنود من "القوات الخاصة البريطانية" في هيئة أهداف لاستدراج عناصر من "الجيش الجمهوري الإيرلندي" الذين كانوا يخططون لاغتيالهم، وكيف اضطروا إلى الخروج من خلف الأسيجة تحت وابل من النيران، وتعرضوا لإطلاق النار مرات عدة خلال اشتباكات في مناطق ريفية. وكشفوا أيضاً كيف شاركت نساء للمرة الأولى في مثل هذه العمليات.
وفي مقابلات أجريت معهم ضمن بودكاست "اندبندنت" بعنوان "القوات الخاصة البريطانية: حرب الظلال" SAS: The Shadow War، وهو إنتاج مشترك مع "أورا استوديوز"، قدم جنود من هذه الوحدة، إلى جانب رجال ونساء من "سرية الاستخبارات 14"، تفاصيل استثنائية من شأنها أن تشكل جزءاً من السجل التاريخي العلني لتلك الحقبة.
وغطت شهادات هؤلاء الأفراد الحقبة الممتدة من أواخر سبعينيات القرن الماضي إلى أواخر تسعينياته، أي قبل وقت قصير من وضع "اتفاق الجمعة العظيمة" حداً للأعمال العدائية عام 1998. وقد أفصح عن أسماء بعضهم وصورت إفاداتهم، فيما استخدمت أسماء مستعارة لآخرين وموهت أصواتهم للحيلولة دون كشف هوياتهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يشار إلى أن عمليات "القوات الخاصة البريطانية" في إيرلندا الشمالية كانت موضع تدقيق مكثف على مدى أعوام، وأثارت جدالاً واسعاً حول ما إذا كان بعض أكثر المواجهات دموية جزءاً من سياسة رسمية أوسع انتهجتها الدولة البريطانية وقامت على "إطلاق النار بقصد القتل".
"بلو"*، وهو من قدامى عناصر "سرية الاستخبارات 14"، الوحدة التي تعرف عادة باسم "المفرزة" أو The Det، كان في موقع مراقبة في "ساوث ديري" يوم عيد القديس باتريك، في الـ17 من مارس (آذار) 1978، عندما شاهد رجلين مسلحين يرتديان زياً شبه عسكري، ويتقدمان في اتجاه المكان الذي كان يختبئ فيه مع جندي آخر.
قال "أنبأني حدسي بأن أمراً سيئاً سيحدث، وشعرت بقشعريرة تسري في رقبتي. لم أختبر ذلك الشعور من قبل. قاما بتجهيز سلاحيهما استعداداً لإطلاق النار، وبعد ذلك بجزء من الألف من الثانية، فتحا النار بكثافة".
أضاف "كان الأمر أشبه بوابل من الرصاص ينهال من مسافة أربعة أمتار تقريباً. أصبت ثلاث مرات، والرصاصة الثالثة اخترقت جسدي بالكامل ودخلت معدتي. كنت أحاول وقف النزف بيدي".
ظن أن حياته شارفت على الانتهاء. أما رفيقه ديفيد جونز فأصيب بجروح قاتلة. مع ذلك، تمكن "بلو"، الذي طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام، شأنه شأن معظم المشاركين في بودكاست، من النهوض بصعوبة إلى ركبتيه والرد على إطلاق النار، بينما كان المسلحان ينسحبان ويطلقان النار أثناء مغادرتهما.
أصابت إحدى رصاصات "بلو" فرانسيس (أو "فرانكي") هيوز في ساقه. وكان هيوز، البالغ من العمر 22 سنة، قيادياً بارزاً في صفوف المتطوعين في "الجيش الجمهوري الإيرلندي"، وقد وصفته الشرطة آنذاك بأنه أكثر المطلوبين لديها. وكان يقود إحدى الوحدات الميدانية التابعة لـ"الجيش الجمهوري الإيرلندي" في "لواء ساوث ديري" والرجل الذي كان فريق "المفرزة" يبحث عنه آنذاك.
وبينما نجا "بلو"، تمكن هيوز، على رغم إصابته، من الزحف بعيداً من موقع الاشتباك، لكنه تعقب وألقي القبض عليه في اليوم التالي، ثم أودع السجن. وفي عام 1981، توفي في "سجن ميز"، ليكون ثاني أسرى "الجيش الجمهوري الإيرلندي" المضربين عن الطعام الذين قضوا هناك.
واليوم، يروي "بلو" تفاصيل تلك التجربة علناً للمرة الأولى، في وقت يتزايد فيه عدد أفراد الأجهزة السرية الذين أرسلوا للقتال في إيرلندا الشمالية والذين يبدون خشيتهم من أن يجعلهم تشريع جديد، هو "مشروع قانون الاضطرابات في إيرلندا الشمالية" Northern Ireland Troubles Bill، عرضة للملاحقات القضائية التي يرون أنها تستخدم القانون لاستهدافهم.
ويحل مشروع القانون، الذي قدم العام الماضي ويشق طريقه حالياً عبر البرلمان، محل مشروع سابق طرحه حزب "المحافظين" وكان يضع قيوداً على الملاحقات القضائية المتعلقة بالقضايا العالقة من حقبة الصراع، وتشمل أفراد القوات المسلحة وجماعات مسلحة مثل "الجيش الجمهوري الإيرلندي".
وقد دفع هذا القلق بكثيرين إلى التحدث علناً لشرح كيف قادت قرارات اتخذوها في أجزاء من الثانية خلال المعارك قبل عقود إلى سنوات من التحقيقات والمثول أمام المحاكم.
من بين تلك الوقائع مقتل ثلاثة مسلحين من "الجيش الجمهوري الإيرلندي" في قرية درامناكلي عام 1988، عندما تطوع جورج سيم، قائد إحدى وحدات "القوات الخاصة البريطانية"، لانتحال شخصية الرجل المستهدف، وكان عنصراً بدوام جزئي في قوات الأمن يعمل سائقاً لشاحنة توصيل الفحم.
يقول سيم: "أتذكر أنني كنت أعبث بشيء ما في منتصف الطريق عندما سمعت هدير محرك سيارة تندفع نحوي بسرعة. وعندما أصبحت السيارة على بعد نحو 27 متراً مني، برز منها فجأة مارتن هارت، كما عرفت اسمه لاحقاً، وفتح النار عليَّ مباشرة. وبدأت أعد الرصاصات التي يطلقها".
بعد ثوان معدودة، قتل هارت وشقيقه جيرارد ورجل ثالث يدعى برايان مولان، بعدما توقفت سيارتهم أثناء الهجوم وأطلق فريق من "القوات الخاصة البريطانية" النار عليهم من خلف سياج كان عناصره يتخذونه ساتراً، قرب المكان حيث تظاهر جورج بإصلاح إطار مثقوب في شاحنته.
أثارت الحادثة جدالاً واسعاً، إذ قالت عائلات الرجال الثلاثة، الذين وصفهم "الجمهوريون الإيرلنديون" بـ"شهداء درومناكلي"، إنها تمثل بوضوح سياسة "إطلاق النار بقصد القتل" التي أمرت بها الدولة. وقد لجأت العائلات لاحقاً إلى رفع دعاوى أمام القضاء.
أما ريتشارد ويليامز، القائد السابق للفوج 22 في "القوات الخاصة البريطانية"، الذي كان قائد سرية في إيرلندا الشمالية، فيقول إن "عملة الحرب هي الموت"، في إشارة إلى واقع كان يدركه مقاتلو "الجيش الجمهوري الإيرلندي" والجنود البريطانيون على حد سواء.
ويضيف، "إنها الحالة الوحيدة في التعامل بين البشر التي يصبح فيها للموت قيمة. تهزم عدوك بكسر معنوياته، وتكسر معنوياته بقتل جنوده".
ويبدي ويليامز ازدراءً بصورة خاصة للسياسيين، الذين يرى أنهم خانوا الميثاق العسكري من خلال دعم سن تشريع جديد قد يعرض جنوداً سابقين لما وصفه بـ"تحويل الإجراءات القضائية نفسها إلى عقاب".
ويوضح فكرته قائلاً: "لدينا الآن هذه القوانين الجديدة، ولذلك سنحاول استخدامها للإيقاع بك بسبب ما فعلته، بناءً على توجيهاتنا نحن السياسيين، ضد أشخاص كانوا يحاولون قتل سياسيينا ومواطنينا قبل 30 أو 40 عاماً".
يمكن الآن الاستماع إلى الحلقات الثلاث الأولى من بودكاست "القوات الخاصة البريطانية: حرب الظلال" SAS: The Shadow War، أو المشاركة في العضوية المميزة لـ"اندبندنت" لمتابعة السلسلة كاملة بصورة حصرية وقبل إتاحتها للجمهور. الحلقات متوافرة على منصة "أبل بودكاست" و"سبوتيفاي".
© The Independent