ملخص
استعادة القوات الحكومية اليمنية مواقع إستراتيجية قرب المضيق تعزز أمن ممر تعبره 8.1 مليون برميل يومياً.
أعادت التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن باب المندب لقلب معادلة الطاقة العالمية، بعدما أعلنت القوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً استعادة مواقع إستراتيجية في مديرية ذباب المطلة على المضيق، في تحرك يستهدف تأمين أحد أهم الممرات البحرية للنفط والتجارة الدولية.
ولم تعد المعركة على باب المندب شأناً يمنياً خالصاً، إذ تتزامن مع اضطرابات واسعة في حركة النفط عبر مضيق هرمز وتزايد أهمية الساحل الغربي السعودي في حركة الصادرات، مما منح البحر الأحمر ثقلاً أكبر في خريطة تدفقات الطاقة.
ولا تأتي أهمية هذه التطورات من الموقع الجغرافي للمضيق فقط، وإنما من توقيتها، إذ تواجه أسواق الطاقة منذ أشهر اضطرابات في طرق الإمداد وارتفاعاً في كُلف الناقلات والتأمين، لتصبح القدرة على إيصال النفط إلى المستهلكين لا تقل أهمية عن القدرة على إنتاجه.
وبحسب وكالة "رويترز"، سيطرت القوات الحكومية اليمنية على أجزاء واسعة من مديرية ذباب ومواقع مهمة قرب باب المندب، بدعم جوي من التحالف بقيادة السعودية، وإذا نجحت هذه التحركات في تحقيق استقرار مستدام للمضيق، فقد تعزز أمن الطاقة العالمي وتدعم حركة الصادرات النفطية عبر البحر الأحمر.
8.1 مليون برميل تعبر المضيق
تكشف الأرقام والبيانات حجم التحول الذي طرأ على أهمية باب المندب، فبعدما أدت اضطرابات البحر الأحمر إلى تراجع حركة النفط عبر المضيق، بدأت التدفقات تستعيد زخمها بقوة.
وتشير أحدث بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى ارتفاع تدفقات النفط والمنتجات البترولية العابرة لباب المندب، من 3.9 مليون برميل يومياً خلال الربع الأول من 2025 إلى 5.4 مليون في الربع الأخير من العام نفسه، ثم إلى 5.6 مليون خلال الربع الأول من 2026.
لكن القفزة الأكبر جاءت في الربع الثاني من عام 2026، عندما بلغت التدفقات 8.1 مليون برميل يومياً، منها 6.1 مليون برميل من الخام والمكثفات، ومليونا برميل من المنتجات البترولية.
وبذلك تجاوز حجم النفط المار عبر باب المندب الكميات التي عبرت مضيق هرمز خلال الفترة نفسها، والتي قدرتها إدارة معلومات الطاقة بنحو 4.9 مليون برميل يومياً، في انعكاس واضح للتحولات التي فرضتها الحرب على خريطة تدفقات الطاقة العالمية.
ولا يعني ذلك أن باب المندب حل محل هرمز في معادلة الطاقة، وإنما يكشف مدى سرعة إعادة تشكيل مسارات النفط عندما يتعرض أحد الممرات الرئيسة للاضطراب.
السعودية ومرونة خريطة التصدير
في قلب هذه المعادلة تبرز السعودية، التي تمتلك شبكة تصدير تمتد بين الخليج والبحر الأحمر، مما يمنحها ميزة إستراتيجية تتمثل في القدرة على توجيه جانب كبير من إمداداتها عبر أكثر من منفذ، وفقاً لظروف الملاحة، ويشكل خط أنابيب "شرق-غرب" ركيزة أساسية في هذه الشبكة، إذ ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، بطاقة قصوى تقدر بنحو 7 ملايين برميل يومياً.
ومع اضطرابات هرمز خلال العام الحالي، ازدادت أهمية الخط، بعدما أعادت السعودية توجيه كميات كبيرة من الخام للساحل الغربي، وتشير تقديرات "كبلر" إلى أن تدفقات الخط بلغت قبل تأثره في سبتمبر (أيلول) الماضي نحو 5.5 مليون برميل يومياً، كان نحو 4.5 مليون منها متاحاً للتصدير من ينبع.
وبعد تأثر الخط بهجمات خلال سبتمبر الماضي، استعادت السعودية تدفقاته تدريجاً بالتوازي مع الاستفادة من منافذ تصدير أخرى، وهو ما عكس قدرة شبكة الإمدادات على التكيف مع الاضطرابات والحفاظ على حركة الصادرات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وظهرت هذه القدرة في بيانات الشحن، إذ تجاوزت صادرات الخام من الشرق الأوسط مستويات ما قبل الحرب، خلال أربعة أيام من الأسبوع الأخير من سبتمبر الماضي، مدفوعة بصورة رئيسة بزيادة الشحنات السعودية والعراقية.
ومن هنا تكتسب تطورات باب المندب أهمية إضافية بالنسبة إلى السعودية، إذ إن استقرار المضيق يعزز فاعلية منفذ البحر الأحمر ويوسع خيارات توجيه الخام إلى الأسواق العالمية، سواء شمالاً نحو أوروبا والبحر المتوسط أو جنوباً باتجاه الأسواق الآسيوية.
أزمة "لوجستيات الطاقة"
في غضون ذلك، لم يعد توافر النفط وحده العامل الذي يحكم حركة الأسواق، إذ أظهرت الاضطرابات الأخيرة أن القدرة على نقل البراميل وإيصالها إلى المصافي باتت جزءاً أساساً من معادلة الأسعار، وتواجه أسواق النفط ما يمكن وصفه بأزمة "لوجستيات الطاقة"، مع ارتفاع كلفة نقل الإمدادات وزيادة تعقيد مساراتها.
وتشير تحليلات السوق إلى أن أسعار استئجار ناقلات الخام العملاقة على بعض المسارات بين الشرق الأوسط وآسيا تجاوزت 1.2 مليون دولار يومياً، مقارنة بنحو 30 ألف دولار مطلع العام، بينما ارتفعت حصة الشحن من السعر النهائي للبرميل من نحو ثلاثة في المئة إلى قرابة 27 في المئة في بعض الحالات، وهنا تظهر القيمة الاقتصادية المباشرة لتأمين باب المندب، فاستقرار المضيق لا يضيف بالضرورة براميل جديدة إلى الإنتاج العالمي، لكنه يساعد في وصول الإمدادات بصورة أسرع وكلفة أقل، من خلال تقليص الحاجة إلى المسارات الطويلة، وتحرير مزيد من الناقلات وخفض كُلف التأمين ضد أخطار الحرب، ولهذا قد يظهر الأثر الأول لاستقرار باب المندب في تراجع ضغوط الشحن والتأمين، قبل أن ينتقل بصورة أوسع إلى أسعار النفط نفسها.
شهر إضافي في البحر
وبحسب "مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية" (أونكتاد)، فإن تجنب باب المندب يضاعف تقريباً زمن وصول شحنات النفط السعودية من ينبع إلى كوريا الجنوبية، من نحو 24 يوماً إلى 54 يوماً، أي ما يقارب شهراً إضافياً في البحر، ولا تقتصر الكلفة على التأخير، إذ يعني المسار الأطول استهلاكاً أكبر للوقود وإشغال الناقلات لفترات أطول وارتفاع كُلف النقل والتأمين، بما يقلص عدد السفن المتاحة في السوق، ويضيف مزيداً من الضغوط على أسعار الشحن.
ودفعت اضطرابات البحر الأحمر أعداداً متزايدة من السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من استخدام المسار الأقصر عبر باب المندب وقناة السويس، وهو تحول انعكس على كفاءة حركة التجارة العالمية.
وتقول "الأونكتاد" إن تحويل مسارات السفن أدى إلى ارتفاع المسافات التي تقطعها البضائع بحراً بنحو 5.9 في المئة خلال 2024، بما يقارب ثلاثة أمثال نمو أحجام التجارة نفسها، فيما ظلت أسعار الشحن مرتفعة ومتقلبة، وبالتالي فإن استقرار باب المندب لا يخدم سوق النفط وحدها، بل يمكن أن يسهم في تحرير جزء من طاقة أسطول الشحن العالمي، وخفض كلفة التجارة بين آسيا وأوروبا.
هل تنخفض أسعار النفط؟
على رغم ذلك، سيكون من الباكر افتراض أن التطورات العسكرية ستقود تلقائياً إلى هبوط كبير في أسعار النفط، إذ لا يزال خام برنت يتداول فوق 100 دولار للبرميل، فيما تبقى أسواق الوقود والمخزونات العالمية تحت ضغط.
بدوره، حذّر الرئيس التنفيذي لـ "أرامكو السعودية"، أمين الناصر، من أن هامش الأمان في منظومة إمدادات النفط العالمية أصبح "أضيق بكثير مما يُعتقد"، بعدما استنزفت الأزمة نحو 3 مليارات برميل من الإمدادات، وسُحب أكثر من مليار برميل من المخزونات لتعويض جانب من النقص، مشيراً إلى أن إعادة بناء المخزونات قد تستغرق نحو عامين، حتى بعد إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.
وقال الناصر خلال منتدى "إنيرجي إنتليجنس" في لندن اليوم الاثنين، إن الضغوط على أسواق الخام والوقود المكرر مرشحة للتفاقم ما لم يُستأنف المرور عبر مضيق هرمز بالكامل، وتبدأ الأسواق في إعادة بناء مخزوناتها، مضيفاً أن إطلاق المخزونات الطارئة يمنح الاقتصادات وقتاً لامتصاص الصدمة، لكنه "لن يحل المشكلة بصورة مستدامة"، في ظل استمرار الضغوط على الإمدادات.
لكن استقرار باب المندب يمكن أن يسهم في خفض جزء من "علاوة الأخطار" في السوق، فالنفط لا يسعر وفق معادلة العرض والطلب فقط، وإنما تتداخل في سعره احتمالات وصول الشحنات في موعدها، وكُلف النقل والتأمين، وأخطار تعطل طرق الإمداد، وكلما تراجعت هذه الأخطار، انخفض جانب من الكلفة الإضافية التي تتحملها السوق نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية.
شركات الشحن تنتظر "شهادة الأمان"
لكن السيطرة العسكرية على المناطق المحيطة بالمضيق لن تكون وحدها كافية لإعادة حركة الملاحة فوراً لطبيعتها، إذ تعتمد شركات الشحن والتأمين في قراراتها على مؤشرات تشغيلية، تتجاوز خريطة السيطرة على الأرض، أبرزها استمرار الملاحة من دون حوادث، وتراجع أخطار استهداف السفن، وانخفاض أقساط التأمين ضد أخطار الحرب، ولذلك سيكون الاختبار الحقيقي خلال الفترة المقبلة هو القدرة على تحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار أمني مستدام داخل المضيق والمياه المحيطة به، وكلما طالت فترة الملاحة الآمنة، ارتفعت فرص عودة الناقلات وشركات الشحن التي اختارت طرقاً بديلة خلال فترات الاضطراب.
قناة السويس بين أكبر المستفيدين
وإذا تحول الاستقرار إلى واقع دائم، فإن قناة السويس ستكون بين أكبر المستفيدين اقتصادياً، إذ يمثل باب المندب وقناة السويس عملياً طرفي الطريق البحري الأقصر بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يفقد القناة جانباً من ميزتها الجغرافية، وتظهر بيانات "إدارة معلومات الطاقة الأميركية" أن تدفقات النفط عبر قناة السويس وخط "سوميد" في مصر ارتفعت إلى نحو 5.8 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من عام 2026، بما يعكس تنامي أهمية المسار المصري في خريطة تدفقات الطاقة، ومن شأن استقرار باب المندب تعزيز هذا الاتجاه، مع زيادة احتمالات عودة مزيد من السفن التي اتجهت إلى رأس الرجاء الصالح نحو البحر الأحمر وقناة السويس، بما يقلص زمن الرحلات وكلفة النقل ويدعم حركة العبور وإيرادات القناة.ش
من نقطة اختناق إلى مصدر للمرونة
تكشف التطورات الأخيرة أن أهمية باب المندب تجاوزت دوره التقليدي باعتباره بوابة جنوبية لقناة السويس، ففي خريطة الطاقة التي أعادت الحرب تشكيلها، أصبح المضيق حلقة أساسية في شبكة تسمح بإعادة توزيع تدفقات النفط بين الخليج والبحر الأحمر، واكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة مع اضطرابات هرمز، وبالنسبة إلى السعودية فإن استقرار الممر يعزز ميزة إستراتيجية قائمة بالفعل، تتمثل في امتلاك شبكة تصدير متعددة المسارات تربط حقول المنطقة الشرقية بساحل البحر الأحمر، وتتيح مرونة أكبر في توجيه الخام إلى الأسواق العالمية.
وبالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية، فالمكسب المحتمل يتجاوز عودة السفن لطريق أقصر، إذ يعني استعادة جزء من المرونة التي فقدتها منظومة الإمدادات خلال الحرب، عبر رحلات أقصر، وتوافر أكبر للناقلات، وضغوط أقل على كُلف الشحن والتأمين، وقدرة أكبر على تحريك البراميل بين المنتجين والمستهلكين، ومن هنا فلن يكون المعيار الحقيقي لنجاح التطورات الأخيرة مجرد السيطرة على المناطق المحيطة بباب المندب، وإنما القدرة على تحويل هذا التحول الميداني إلى استقرار مستدام للملاحة، بما يعيد لأحد أهم ممرات الطاقة العالمية جزءاً من اليقين الذي فقده خلال الأشهر الماضية.