ملخص
في تونس، كشفت وحدة مكافحة المخدرات التونسية في جلسة استماع برلمانية عن أن البلاد سجلت خلال عام 2025 وحده 15253 قضية مخدرات، تورط فيها أكثر من 27 ألف شخص، مع توقيف نحو 10 آلاف مروج.
دخلت دول شمال أفريقيا التي تشمل ليبيا وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا في معركة مفتوحة مع كارتلات المخدرات مع تزايد عمليات حجز كميات ضخمة من المواد المخدرة، مما حول المنطقة إلى سوق استهلاك بعد ما كانت ممر عبور. وتحدث تقرير صدر أخيراً عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة عن توسيع كارتلات الكوكايين والمواد الاصطناعية نشاطها الإقليمي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء الكبرى، حيث تستغل الفجوات الأمنية والتقلبات السياسية.
ودفع هذا الوضع سلطات هذه الدول إلى التحرك على أكثر من صعيد لتحجيم نفوذ شبكات تهريب وترويج المخدرات، سواء تشريعياً من خلال سن قوانين جديدة أو أمنياً، إذ يتم تشديد القيود الأمنية، ومع ذلك لا يزال نشاط هذه الشبكات يثير توجساً كبيراً.
خطر جاثم
في تونس، كشفت وحدة مكافحة المخدرات التونسية في جلسة استماع برلمانية عن أن البلاد سجلت خلال عام 2025 وحده 15253 قضية مخدرات، تورط فيها أكثر من 27 ألف شخص، مع توقيف نحو 10 آلاف مروج.
وقال الباحث السياسي التونسي مراد علالة "كثيرة هي الجرائم العابرة للحدود بين تونس والجزائر والمغرب، من بينها تهريب الأسلحة والمهاجرين والاتجار بالبشر، وتهريب السلع والوقود، وغسل الأموال، غير أن أخطرها في هذه الفترة تهريب المخدرات، وكأن أجندات دول نافذة وكارتلات محترفة تتقاطع من أجل إنهاك هذه الدول وضربها في مقتل من خلال زعزعة استقرارها واستهداف مجتمعاتها بصفة عامة وشبابها بوجه خاص"، وتابع علالة "للأسف، خطر المخدرات الذي أصبح جاثماً في هذه المنطقة وحولها إلى سوق استهلاكية يمكن أن يتعاظم ويحولها مرة ثانية إلى نقطة توزيع وترويح بين ضفتي المتوسط، بحكم الموقع الاستراتيجي لهذه الدول ذات الحدود المفتوحة الرابطة بين القارتين الأوروبية والأفريقية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جهات خارجية
في الجزائر تتحدث السلطات الأمنية عن حجز آلاف الأقراص يومياً، في وقت كشف مكتب الأمم المتحدة حول ديناميكيات التهريب في ليبيا عن أن القيمة السوقية للشحنات المضبوطة محلياً للمخدرات في هذا البلد الذي يعاني انقساماً حكومياً وأمنياً تراوح ما بين 3.7 و7.8 مليون دولار أميركي عام 2025، مما يشكل ناقوس خطر حقيقياً إزاء هذه المعضلة.
ولفت الباحث السياسي الجزائري صابر بليدي إلى أن "هناك تصاعداً لافتاً لانتشار المخدرات والحبوب المهلوسة في دول شمال أفريقيا، وفي الجزائر وتونس والمغرب بصورة خاصة، بدليل الكميات الضخمة التي تم ضبطها خلال الأسابيع الأخيرة في الجزائر"، وأوضح بليدي في تصريح خاص أن "هذا الأمر تعده السلطات في الجزائر حرباً مفتوحة على البلاد، وألمحت إلى أن جهات خارجية تقف وراء محاولات إغراق البلاد بأصناف المخدرات بغية ضرب الأمن الاجتماعي"، وتابع أن "تقارير دولية تشير إلى أن الكميات المحجوزة تمثل ثلث الكميات المتداولة، والآليات والاستراتيجيات الأمنية المطبقة تبقى غير كافية لتأمين المجتمع من هذه الظاهرة، وفيما كان هناك انطباع سابق بأن الأمر يتعلق بشبكات اتجار عابرة للحدود، لا سيما أن البلاد تربطها سبعة حدود برية ومنافذ بحرية، إلا أن البيانات والتقارير الصادرة في السنوات الأخيرة من مختلف المؤسسات الأمنية والمدنية دقت نواقيس الخطر حول توسع استهلاك مختلف أنواع المخدرات"، وحذر بليدي من أن "الظاهرة باتت شائعة بصورة لافتة ولم تسلم منها حتى المدارس والجامعات، ما يوحي أن المسالة اكتسبت طابعاً معقداً، لذلك فإن الحلول تجاوزت الآليات الأمنية إلى الآليات الاجتماعية والنفسية التي تدفع المستهلكين إلى الاستهلاك ثم الإدمان وما يجره من تفكك اجتماعي وإجرام".
فرص نجاح صعبة
يأتي تغول أباطرة المخدرات في شمال أفريقيا في وقت تشهد فيه المنطقة توترات دبلوماسية بين الجزائر والمغرب بسبب قضية الصحراء، وتسود الفوضى السياسية والأمنية ليبيا على رغم محاولات أميركية وأممية لإحداث اختراق سياسي، ودخلت العلاقات بين تونس والمغرب نفقاً مظلماً منذ سنوات، مما يعزز المخاوف من صعوبة تطويق نشاط كارتلات المخدرات لا سيما في ظل الأزمات الأمنية التي أفرزت حدوداً هشة مع دول الساحل الأفريقي على غرار النيجر ومالي وبوركينا فاسو.
أضاف علالة "بالفعل، في ظل الأوضاع الراهنة وطبيعة العلاقات القائمة بين هذه الدول تصبح فرص النجاح في احتواء هذه الأزمة صعبة وكلفتها باهظة، والحل بسيط ويجب أن يتقدم بسرعة في اتجاهين، اتجاه محلي داخلي إن جاز القول لاستيعاب الخطر واليقظة لإنقاذ المجتمع والضرب بيد من حديد، واتجاه ثان يفرض التعاون والتنسيق، بل التكامل، في خوض حرب حقيقية على المخدرات ومقترفي هذه الجريمة العابرة للحدود، سواء كانوا مواطنين أصيلين أو أجانب"، وختم "هنا لا مناص من تطبيع العلاقات ومن التعاون الأمني والقضائي بين دول شمال أفريقيا أولاً وبقية العالم ثانياً، ولا بد من تبادل المعلومات والخبرات وتسليم المجرمين وتقديم المساعدة القانونية وتجميد ومصادرة العائدات الإجرامية، وهي خطوات يشرعها القانون الدولي والاتفاقات الدولية ذات الصلة، وأهمها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المعروفة باسم اتفاقية باليرمو، إضافة إلى التشريعات الوطنية، وتؤكد كلها على ضرورة حماية الأمن القومي، وجريمة المخدرات هي من أكبر الأخطار التي تهدد المجتمعات".