ملخص
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية وغيرها من التقارير الطبية إلى أن آلاف الحالات من عمليات استئصال الرحم والثدي أجريت حول العالم من دون مبرر كافٍ، أو أنه كان من الممكن تجنبها أو معالجتها بوسائل أقل توغلاً. وتختلف النسب بين الدول بحسب البروتوكولات الطبية ورقابة المستشفيات على الجراحات غير الضرورية، لكن في كثير من الحالات يكون من الممكن اللجوء إلى بدائل أقل شراسة.
تعد جراحات استئصال الثدي والرحم من الركائز الأساس في معالجة وإدارة السرطان لدى النساء، سواء كان الهدف منه علاجياً لاستئصال ورم خبيث موجود، أو كان الهدف وقائياً لدى امرأة تحمل طفرة جينية تزيد من احتمال الإصابة بالمرض، لكن نظراً إلى دقة هذا الإجراء، تسجل حالات عديدة تحصل فيها أخطاء طبية أو تمادٍ في اللجوء إليه، أو أن إجراء الجراحة لا يكون مبرراً حتى، وقد يبدو مفاجئاً، حتى إن ثمة حالات جرى فيها اللجوء إلى علاج السرطان ولم يكن هناك مبرر لذلك. ومن هذه الحالات التي جرى التداول فيها، قصة بيكي جونز التي شخصت إصابتها بالسرطان، وقد اكتشفت بعد 11 عاماً من تلقيها علاج السرطان، أنها لم تكن يوماً مصابة بالمرض، وقد اقتصرت إصابتها على التهاب في الدماغ كان من الممكن معالجته بالستيرويدات فحسب. جونز ليست الوحيدة التي تلقت علاجاً للسرطان من دون مبرر، إضافة إلى أن كثيرات أخريات حول العالم خضعن لجراحات استئصال رحم أو ثدي أو مبيض من دون مبرر.
جراحة استئصال غير مبررة
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية وغيرها من التقارير الطبية إلى أن آلاف الحالات من عمليات استئصال الرحم والثدي أجريت حول العالم من دون مبرر كافٍ، أو أنه كان من الممكن تجنبها أو معالجتها بوسائل أقل توغلاً. وتختلف النسب بين الدول بحسب البروتوكولات الطبية ورقابة المستشفيات على الجراحات غير الضرورية، لكن في كثير من الحالات يكون من الممكن اللجوء إلى بدائل أقل شراسة. الخطأ الطبي في التشخيص أو في المقاربة العلاجية، والتسرع في اتخاذ القرار الجراحي، من الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى جراحة استئصال ثدي أو رحم غير مبررة، إضافة إلى الإهمال والفساد الطبي في بعض الأنظمة الصحية.
بحسب رئيس قسم الجراحة النسائية والتوليد في مستشفى "أوتيل ديو دو فرانس" المتخصص في جراحة الأورام النسائية وفي جراحة استئصال وترميم الثدي ديفيد عطالله، "في جراحة استئصال الثدي تُجرى إزالة غدة الثدي كاملة، وتعد أي جراحة في الثدي في غاية الدقة في تحديد الحالات التي تستدعي الاستئصال الجزئي وتلك التي تتطلب الاستئصال الكامل للغدد. على سبيل المثال، من المنظار الطبي، في حالات معينة، عندما تكون دواعي الجراحة الاستئصال الجزئي فعلاً، ويجرى اللجوء إلى العلاج بالأشعة في الوقت ذاته، بناءً على تقويم الطبيب والجراح، تكون النتيجة مماثلة لتلك التي للاستئصال الكامل في مواجهة المرض، لكن من دون أن تخسر المرأة كامل الثدي. تعود المشكلة الأساس في الأخطاء التي تحصل في هذا المجال، إلى أن من يجرون جراحات كهذه ليسوا من الجراحين المتخصصين في مجال ترميم الثدي، بل هم متخصصون في الجراحة العامة".
أضاف عطالله "يعد الثدي من الأعضاء الشديدة الحساسية، وللخطوة الأولى في الإجراء الجراحي أهمية قصوى بالنسبة إلى حياة المرأة، وهي تحدد مجريات الجراحة، بما أنها خطوة جوهرية في عملية استئصال الثدي. من الممكن أن يعمد الجراح غير المتخصص في جراحة الثدي إلى استئصال الورم، لكنه لا يدرك كيفية التصرف والتعامل مع الثدي من الناحية الجراحية، إضافة إلى أن طبيب أمراض الدم والأورام يمكن أن يطلب من الجراح استئصال الورم فينفذ ذلك، إلا أن الخطوات المطلوبة في جراحة الثدي تحديداً لا تكون مطبقة بالشكل المطلوب بما أن الجراح عندها لا يكون مطلعاً على تركيبة الثدي. والمسألة مشابهة إذا ما أقدمت كجراح متخصص في الأورام النسائية على استئصال المبيض لدواعٍ معينة، ويستدعي ذلك استئصال قسم من الجهاز الهضمي، إلا أن هذا لا يجعلني جراحاً للمعدة والجهاز الهضمي الذي له من هم متخصصون فيه".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بصورة عامة، ثمة أخطاء كثيرة تحصل في هذا المجال، وقد سجلت حالات جرى فيها الاستئصال الكامل للثدي، وخسرت فيها المرأة الثدي الذي يشكل رمزاً للأنوثة بالنسبة إليها، في خطوة لا يمكن العودة فيها إلى الوراء، علماً أن أعداد الجراحين المتخصصين في ترميم الثدي قليلة إلى حد ما، بالمقارنة مع أعداد المتخصصين في الجراحة العامة، وإن كان العدد زاد في السنوات الأخيرة، لذلك، في كثير من الأحيان تحصل فوضى في هذا المجال، ويقدم الطبيب المتخصص في الجراحة العامة على إجراء عمليات استئصال الثدي من دون اطلاع كافٍ على طبيعة الثدي وتركيبته التي تتطلب اختصاصاً محدداً، وإن كان الجراح العام بارعاً في مجاله.
وتابع عطالله "ثمة جراحات يكون الورم فيها صغيراً ومحدوداً ولا يتطلب إلا الاستئصال الجزئي، وتُجرى جراحة للمرأة باستئصال كامل تخسر فيه كامل الثدي، وتستأصل كامل الغدد أيضاً من دون دواع لذلك. قد تكون هذه المشكلة موجودة خارج لبنان، لكنها أكثر شيوعاً في البلاد بسبب الفوضى في هذا المجال. بصورة عامة، في الدول المتقدمة لا يجري الطبيب المتخصص في الجراحة العامة جراحة للثدي بوجود متخصصين في هذا المجال، وإن كان من الممكن أن تحصل أخطاء لأسباب مختلفة، حتى إن جراحة استئصال الثدي باتت متاحة للمرأة بالمنظار ما يقلل من المضاعفات والندوب ومن معدل خسارة الثدي. أما في حال إجراء الجراحة بطريقة عشوائية، فتخسر المرأة الثدي من دون مبرر، مع ما لذلك من تداعيات نفسية كونها تخسر جزءاً من جسمها يمثل رمز الأنوثة لها. ويمكن للجراح المتخصص في الثدي أن يستأصل ورماً بطريقة مدروسة وفق الأصول ويحافظ على جمال الثدي، بوجود دواعٍ معينة للجوء إلى عملية استئصال الثدي، كما في حال معاودة المرض والخضوع إلى العلاج بالأشعة في المرة السابقة، أو في حال انتشار الورم في مواضع عدة في الثدي، لكن في كل الحالات تجرى الجراحة وفق أصول معينة مع إمكان إجراء عملية التجميل في الوقت ذاته مع جراحة الاستئصال".
الاستئصال للوقاية فقط
لا تجرى جراحات الاستئصال للمرأة حصراً لإزالة الأورام السرطانية، بل يتم اللجوء إليها أحياناً على سبيل الوقاية من المرض. ففي حال كانت هناك حاجة إلى اللجوء إلى الإجراء الجراحي للوقاية من السرطان، تكون هناك حاجة إلى استئصال غدد الثدي كاملة مع الحلمة. وأيضاً، في هذه الحالات التي تستند إلى نتائج الفحص الجيني وما يكشفه من مستويات خطر للإصابة بالمرض، يكون الخطأ وارداً ويكون هناك أيضاً تمادٍ باللجوء إلى جراحة استئصال الثدي، وأحياناً للرحم والمبيض. ووفق عطالله "هناك معايير معينة لا بد من التقيد بها بحسب الطفرات الجينية التي تظهر معدل الخطر، علماً أنه قد يكون هناك استعداد وراثي لدى المرأة لكن ما من طفرة جينية لديها تهدد باحتمال الإصابة بالسرطان، فيكون الخطر منخفضاً لديها، يمكن الاكتفاء بالمراقبة. في كل الحالات، تبرز أهمية المناقشة مع المرأة حول الاحتمالات المتاحة والخطوات التي يمكن اللجوء إليها لخفض خطر إصابتها بالمرض إذا كانت عرضة لذلك"، لكن شدد عطالله "على ضرورة أن تكون الأمور واضحة للمرأة لدى مناقشة معدل الخطر معها، إلى جانب الالتزام بالتوصيات الطبية بما أن الخطأ وارد والتمادي في الاستئصال أيضاً".
تشخيص السرطان غير عشوائي
من ناحيته، أوضح طبيب أمراض الدم والأورام مروان غصن أن تشخيص السرطان يكون على أساس الخزعة ولا يجرى بطريقة عشوائية، "فبهذه الطريقة يمكن تحديد نوع المرض والبروتوكول المناسب لمواجهته، بما أن أنواع السرطان عديدة ولا يمكن التعامل معها كلها بالطريقة نفسها، حتى إن تحديد نوعية الخلايا الخبيثة مطلوب، إلى جانب التأكد ما إذا كان المرض محصوراً بالعضو المعني أم أنه انتشر إلى مواضع أخرى في الجسم. ففي حال انتقاله إلى مواضع أخرى، يكون العلاج عاماً لتدمير الخلايا الخبيثة في كامل الجسم، أما إذا كان محصوراً في العضو الأساس، فحصل تطور كبير في الطب وأصبح الاستئصال الجزئي ممكناً حفاظاً على العضو المعني، في هذه الحالة يكون هناك استئصال الثدي بصورة جزئية وفق البروتوكولات التي أصبحت معتمدة حالياً، إلا أن القرار هنا يتخذ من قبل أطباء من اختصاصات متعددة وتقتصر الجراحة على استئصال جزء من الثدي وما يحيط بالورم، مع خزعات من الغدد اللمفاوية للتأكد ما إذا كان هناك انتشار إليها، علماً أن الانتشار يعطي فكرة أوضح لمستقبل المرأة واحتمال عودة المرض لديها والإجراءات الوقائية التي من المفترض اتخاذها".
انطلاقاً من كل ما تقدم، أكد غصن "أن ثمة اتجاهاً حالياً للحفاظ على الثدي واستئصال الموضع المحيط بالورم ليس إلا، وأن هناك حرصاً على هذا الأمر. ثمة حالات تكون هناك حاجة إلى استئصال الثدي بالكامل بوجود أورام عدة متباعدة، وتدعو التوصيات إلى استئصال كامل. كذلك في حال وجود ورم كبير ولا بد من الاستئصال الكامل للحد من خطر عودة المرض. ويعد ذلك ضرورياً أيضاً في حال وجود العامل الجيني والطفرات الجينية المسببة للمرض. لكن، ثمة حالات يكون الورم فيها صغيراً وتتأثر المريضة بعوامل عديدة وتكون لها مخاوف وهواجس تدعوها إلى المطالبة بالاستئصال الكامل للثدي ولو لم يكن هناك دواعٍ لذلك، عندها، يبرز دور الطبيب في التفاوض مع المريضة حول العواقب وما حصل من تطور في هذا المجال بعدما أصبح هناك اتجاه على مستوى العالم للاستئصال الجزئي لا الكامل، ولكن بوجود عامل الخوف الذي يسيطر على المريضة، لا بد للطبيب من توعيتها حول تداعيات هذه الخطوة وحول أن الخطر يبقى موجوداً بعودة المرض إلى مواضع أخرى، فيما يمكن بالاعتماد على البروتوكول الصحيح وإجراء جلسات العلاج بالأشعة وفق الأصول والعلاجات بالهرمونات، إزالة خطر عودة المرض، ولو بالاستئصال الجزئي للثدي".
في حالات الوقاية، قد تندفع كثيرات ممن ظهر المرض لدى أحد أفراد العائلة لإجراء الفحص الجيني، وفي حال تبين وجود خطر بنسبة عالية، من الممكن أن تكون هناك حاجة إلى الاستئصال الكامل، إلا أنه قرار لا يتخذ سريعاً، إنما، وفق غصن، "ضرورة التأني في اتخاذ القرار واستشارة اختصاصي في علم النفس لدعم المرأة ومساعدتها على تقبل هذا القرار ووضعها الجديد بعد التفاوض مع الطبيب والتأكد من أنه القرار الصائب، علماً أن ثمة مجموعة كبيرة من الفحوص الجينية التي باتت معروفة اليوم ومتوافرة بوجود تطور كبير في هذا المجال. وفي حال إجراء الفحص، لا بد من التشاور بين طبيب الأورام والطبيب المتخصص في علم الجينات إلى جانب التفاوض مع المرأة نفسها. مع الإشارة إلى وجود حالات تكون المراقبة فيها مطلوبة بناءً على الفحص الجيني وليس الاستئصال. على رغم ذلك، قد يشجع الطبيب المرأة على الاستئصال الكامل، ولو لم يكن هناك داعٍ فعلي لذلك، لكن ذلك يحصل لأسباب ودوافع معينة لديه بناءً على نظرته الطبية"، بحسب غصن الذي لا ينكر أن التمادي في الاستئصال ممكن حتى في حالات معينة لكن قد يكون ذلك استثنائياً لحماية المريضة. على رغم ذلك، شدد "على أن القاعدة الأساس التي يجري الاستناد إليها اليوم هي الاستئصال الجزئي والحفاظ على العضو لا التمادي في الاستئصال في معظم الحالات".