Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اقتصاد الريع والتوتر.. لغز تهاوي العملة الإيرانية

الفجوة السعرية تغذي السوق السوداء وسط ضغوط تضخمية متصاعدة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو إلى جانب الريال الإيراني (أ ف ب)

ملخص

سجّل الريال الإيراني انهياراً تاريخياً جديداً بعدما تجاوز سعر صرف الدولار الأميركي حاجز 273 ألف تومان داخل السوق الحرة في طهران، بزيادة بلغت نحو 35 في المئة خلال ستة أسابيع، وسط مخاوف اقتصادية حادة وتوقعات بملامسته مستوى 300 ألف تومان، إذ أخفقت السياسة الجديدة للبنك المركزي، القائمة على ضخ ملياري دولار وبيع العملات الأجنبية وفق حصص مخصصة، في احتواء الأزمة، بل تسببت في تعميق مضاربات السوق السوداء، واستغلال البطاقات الوطنية للاستفادة من الفارق السعري، ويعزى هذا التهاوي المتسارع إلى التضخم الهيكلي، وتصاعد التوترات السياسية والعسكرية، والتباين والتضارب في السياسات الاقتصادية بين البنك المركزي وزوارة الاقتصاد في الحكومة الإيرانية.

تجاوز سعر الدولار الواحد داخل السوق الحرة في طهران، أمس الأحد، حاجز 273 ألف تومان، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً في ظل الارتفاعات المتتالية خلال الأيام الأخيرة، مما أظهر بصورة أوضح استمرار انهيار قيمة الريال الإيراني.

وفي أول أيام التداول خلال الأسبوع الجاري، أظهرت لوحات أسعار الصرافة أن الدولار الواحد بلغ 270.580 توماناً، فيما تذبذب سعره خلال اليوم وصولاً إلى 271 ألف تومان، وعلى رغم تعليمات الجهات الرقابية لمكاتب الصيرفة والمنصات التي تعلن أسعار العملات الأجنبية والرقمية لحظة بلحظة، بوقف نشر الأسعار، فقد أفادت التقارير بأن سعر الدولار الواحد تراوح اليوم الأحد ما بين 269 ألفاً و273 ألف تومان.

وتزامن تجاوز الدولار هذا المستوى مع بدء بيع العملات الأجنبية، وفق الحصص المخصصة في بنوك مختارة، في خطوة كان يفترض أن تسهم في ضبط السوق من خلال زيادة المعروض، ومع ذلك شهد اليوم الأول لتنفيذ الخطة تسجيل الدولار مستوى قياسياً جديداً، وأثار هذا التزامن تساؤلات حول فاعلية تدخل البنك المركزي في سوق الصرف، وإلى أي مدى يمكن أن يؤدي طرح الدولار بأسعار أقل من السوق إلى كبح توقعات استمرار ارتفاعه؟ وما حجم فرص تحقيق الأرباح الناجمة عن الفارق بين الأسعار التي يتيحها هذا الإجراء؟

تبرز هنا مفارقة واضحة بين السياسات التنفيذية للبنك المركزي، بقيادة عبدالناصر همتي، والتوجه الاقتصادي الذي وعد به وزير الاقتصاد مدني زاده، الذي أعلن مراراً معارضته إدارة السوق بالقرارات الإدارية، ولا سيما من خلال ضخ الأموال فيها، وربما تكمن جذور الاضطراب والأزمة التي تشهدها الأسواق المالية، خصوصاً سوق العملات الأجنبية، خلال الأسابيع الأخيرة في هذا التباين بين توجهات المسؤولين عن إدارة الاقتصاد في الحكومة.

تراجع بنحو 26 في المئة

تقف حكومة الرئيس مسعود بزشكيان عند نقطة باتت تعكس حجم الاضطراب الاقتصادي، وتحطيم سعر الدولار مستويات قياسية متتالية، ففي نهاية أغسطس (آب) الماضي بلغ سعر الدولار الواحد في السوق الحرة للمرة الأولى مستوى 200 ألف تومان، وأظهرت تقارير ذلك اليوم أن السعر تراجع، بعد ملامسة هذا المستوى، إلى نحو 199.700 تومان، والآن، أي بعد نحو ستة أسابيع، تجاوز الدولار 270 ألف تومان، أي بزيادة لا تقل عن 70 ألف تومان، بما يعكس سرعة تراجع قيمة العملة الوطنية، وقد رافق هذا المسار تسجيل مستويات قياسية جديدة للأسعار على مدى أيام متتالية، وهو اتجاه استمر حتى اليوم، إلى درجة أن القمم التاريخية لأسعار الدولار واليورو باتت تتغير على أساس شبه ساعي.

وباعتماد سعر يقارب 200 ألف تومان في الـ 23 من أغسطس الماضي، و270 ألف تومان في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، يكون سعر الدولار قد ارتفع خلال هذه الفترة بنسبة 35 في المئة، وبعبارة أخرى فإن العملة الوطنية هي التي تتراجع قيمتها بهذه الوتيرة، أما ارتفاع الأسعار المتزامن في مختلف الأسواق تبعاً للدولار، فيعني عملياً، بالنسبة إلى من يتقاضون دخولهم بالريال، تآكل مدخراتهم ورؤوس أموالهم ساعة بعد أخرى، خلال الأسابيع الأخيرة.

وقد أثّر هذا الوضع في قطاعات مختلفة من الأعمال، إذ امتنع كثير من التجار من عرض السلع الموجودة لديهم بسبب عدم وضوح الأسعار وتقلبها، ولا سيما أن وتيرة ارتفاع الأسعار تسارعت خلال الأيام الأخيرة، فبلغ سعر الدولار في الـ 28 من سبتمبر (أيلول) الماضي نحو 241.800 تومان، ثم تجاوز 269 ألف تومان في الثالث من أكتوبر الجاري، بارتفاع يزيد على 11 في المئة خلال خمسة أيام، وتجاوز اليورو الواحد 302 ألف تومان، فيما بلغ الجنيه الإسترليني نحو 355 ألف تومان، ليظهر هذا التحرك المتزامن أن تغيرات السوق لم تقتصر على الدولار، بل إن الريال تراجع أمام مجموعة من العملات الأكثر تداولاً.

تتجاوز أهمية هذا الوضع بالنسبة إلى الأسر والشركات مجرد تغير الأرقام على لوحات الصرافة، فالمستورد يواجه ارتفاعاً في كلفة الاستبدال، والمنتج يحتاج إلى رأسمال أكبر لشراء المواد الأولية، فيما يشهد الموظف الذي يتقاضى راتباً تراجعاً في القوة الشرائية لدخله، وبات توقع وصول الدولار الواحد إلى 300 ألف تومان قريباً من سعر السوق الحالي، وفي الـ 27 من سبتمبر الماضي، حذّر محلل الأسواق المالية، بيام إلياس كردي، من أن الضغوط التضخمية والنمو المتزايد للسيولة يعدان اثنين من أبرز العوامل التي قد تدفع الدولار إلى تجاوز 300 ألف تومان بحلول نهاية العام، وأن استمرار التوترات السياسية والعسكرية يسرّع انتقال رؤوس الأموال نحو الأصول المرتبطة بالدولار.

ومع استقرار سعر الدولار عند مستوى 270 ألف تومان، فإن تجاوز حاجز 300 ألف تومان لا يتطلب سوى ارتفاع بنحو 11.1 في المئة، إذ يُظهر الاتجاه الأخير أن السوق تتحرك في اتجاه هذا السيناريو، على رغم أن توقيت تحققه سيعتمد على التطورات السياسية، وإمكان الوصول إلى العملات الأجنبية والقرارات الاقتصادية.

بيع العملات وفق الحصص

في الأثناء، زادت السياسة الجديدة للبنك المركزي من التساؤلات حول ما إذا كان ارتفاع الأسعار يجري بصورة مقصودة، بهدف توزيع الريع، ووفقاً لإعلان البنك المركزي، فقد بدأ صباح أمس السبت بيع العملات الأجنبية بما يصل إلى 10 آلاف دولار لكل رقم وطني يعود لشخص تجاوز 18 عاماً، وذلك عبر بنوك "ملي" و"ملت" و"تجارت" و"صادرات" و"سامان"، وحُدد السعر الأولي للبيع عند 259 ألف تومان للدولار، وأعلن البنك المركزي خطة للتدخل وضخ عملات أجنبية تصل قيمتها إلى ملياري دولار، وهي آلية طرحت بدعوى السيطرة على سعر الدولار، لكنها لم تسفر، بعد ساعات فقط من بدء تنفيذها، إلا عن ارتفاع السعر وتجاوزه مستوى 271 ألف تومان.

تظهر مقارنة السعر الأساس في الخطة، بسعر الدولار البالغ 270 ألف تومان في السوق، فارقاً مقداره 11 ألف تومان لكل دولار، ويتطلب شراء كامل الحصة، أي 10 آلاف دولار، بهذا السعر توفير 2.590 مليار تومان، وتبلغ قيمة الكمية نفسها من الدولارات بسعر السوق البالغ 270 ألف تومان، 2.7 مليار تومان، مما يعني أن الربح الإجمالي المحتمل الناتج من فارق السعرين يصل إلى 110 ملايين تومان (407 دولارات) لكل حصة كاملة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا حصل 10 آلاف شخص فقط على كامل حصتهم، فإن إجمال العملات المبيعة سيبلغ 100 مليون دولار، وضرب هذا المبلغ بفارق السعر البالغ 11 ألف تومان، ينتج ربحاً محتملاً يبلغ 1.100 تريليون تومان، وهو ريع ضخم يُمنح للمقربين والناشطين في سوق العملات الأجنبية، ليحققوا مثل هذه الأرباح خلال ساعات قليلة فقط.

تكشف الطوابير التي تشكلت أمام بعض البنوك ومكاتب الصيرفة، إضافة إلى التقارير الميدانية عن ازدياد عمليات تأجير البطاقات الوطنية للأفراد، بوضوح عن الاقتصاد الفاسد والريعي في إيران، فلم تعد هذه الظاهرة تجري في الخفاء، وبدأت بعض مكاتب الصيرفة والسماسرة في محيط شارع فردوسي، منذ الساعات الأولى من صباح أمس السبت، البحث عن مواطنين لاستئجار بطاقاتهم الوطنية، في مقابل منحهم نسبة من الأرباح الناتجة من فارق الأسعار، ويمثل هذا الفارق السعري جوهر الانتقادات الموجهة إلى سياسة بيع العملات، وفق الحصص، فعندما يتيح الحصول على العملة بسعر منخفض بيعها بسعر أعلى، ينشأ جزء من الطلب بهدف الاستفادة من هذا الفارق تحديداً، وفي مثل هذه الظروف، يجد البنك المركزي نفسه، إضافة إلى الطلب القائم أصلاً، أمام طلب جديد أوجد تصميم الخطة نفسها حافزه، وبعبارة أخرى فإن هذه الخطة لم تصمم وتنفذ من دون إدراك لعواقبها، بل هي إجراء مقصود لتخصيص حصة من المنافع للحلقات التي تمتلك رؤوس الأموال، وتحظى بريع المعلومات داخل بنية الحكم.

لماذا لا تهدأ السوق؟

وفقاً للقواعد الاقتصادية، يمكن لبيع العملات الأجنبية من خلال استهلاك الموارد والاحتياطات من النقد الأجنبي أن يخفف ضغط الطلب لفترة من الزمن، لكن إذا توقع المشترون استمرار التوتر مع الولايات المتحدة، وبقاء الوصول إلى عائدات النقد الأجنبي محدوداً، واستمرار التضخم في خفض قيمة الريال، فقد ينظر إلى المعروض الجديد باعتباره فرصة للشراء، وفي هذه الظروف لا تؤدي زيادة المعروض بالضرورة إلى انخفاض مستدام في الطلب، ومن هذا المنظور فإن وصف تدخل البنك المركزي بأنه ضخ للأموال، يمثل انتقاداً لطريقة استهلاك احتياطات النقد الأجنبي، فالمشكلة ليست في وجود البنك المركزي داخل السوق، بل في النتائج القابلة للقياس التي يحققها طرح العملات بأسعار أقل، وإذا استمرت الأسعار في الارتفاع، وظل فارق الأسعار يحقق أرباحاً كبيرة، فعلى صانع السياسة أن يوضح مقدار العملات التي بيعت، ومن حصل عليها، وما الأثر الذي تركه التدخل في تقلبات السوق.

يرسم سيناريو تصاعد التوتر صورة أكثر إثارة للقلق، فقد رأى الباحث الاقتصادي أمير محمد غلفاني، أن سعر 200 ألف تومان للدولار الواحد يمكن تصوره في سيناريو التوصل إلى اتفاق، فيما يمكن أن يصل السعر الدولار إلى 400 ألف تومان في سيناريو تصاعد التوتر، مشدداً على دور التوقعات وموضحاً أن سعر العملة يبتعد تحت تأثيرها من قيمته الأساس، ويمثل هذا التقدير سيناريو مشروطاً لا يوجد توقيت محدد لتحققه، ومع ذلك فإن خطر اندلاع حرب أو تصاعد المواجهة قد يزيد الطلب الاحترازي على العملات الأجنبية، وفي حال ارتفاع الدولار من 270 ألفاً إلى 400 ألف تومان، فإن ذلك يعني زيادة سعره بنحو 48 في المئة، وتراجع قيمة الريال بـ 32.5 في المئة.

ويمكن النظر إلى مسار الأسابيع الأخيرة بكونه مؤشراً واضحاً على تراجع ثقة الجمهور بقدرة صانع السياسة على تحقيق الاستقرار في السوق، وإلى قتامة آفاق خفض التوتر، فعندما ترى الأُسر والشركات أن الاحتفاظ بأصول مقومة بالريال، ينطوي على أخطار مرتفعة، فإن الطلب على العملات الأجنبية لن يتراجع بمجرد طرح حصص منها للبيع، وفي مثل هذه الأجواء فإن إعادة بناء الثقة بالسياسات الاقتصادية، وفتح أفق لخفض حدة الأزمة، هما وحدهما ما سيحدد ما إذا كانت تدخلات البنك المركزي ستقود إلى الاستقرار، أم إنها لن تؤدي سوى إلى توزيع مزيد من الموارد، عبر الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق الحرة.

 نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد