Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من يجرؤ على الاعتراف بأسلحة الفضاء؟

تستطيع أميركا القيام بالخطوة الأولى للحد من أخطارها في مبادرة للإفصاح عنها بشفافية مع روسيا والصين

في 2026 حمل صاروخ "فالكون 9" أول قمر اصطناعي أميركي يعمل بالطاقة النووية (يو إس سبيس)

ملخص

منذ بداية عصر الفضاء الأول خلال الحرب الباردة في القرن الماضي سَعَت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى امتلاك قُدرات فضائية ذات طابع حربي.

بعدما أقرّت الولايات المتحدة أخيراً بامتلاكها أسلحة فضائية، سيكون عليها القيام بالخطوة الأولى للحد من أخطار هذه الأسلحة في العالم. ووصَفَت الرئيسة التنفيذية لمجلس الأخطار الاستراتيجية مالوري ستيوارت، التي شَغَلَت حتى عام 2025 مَنصب مُساعد وزير الحد من التسلح والردع والاستقرار في وزارة الخارجية الأميركية، في مقالة نشرت نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، الاتهام الروسي والصيني لأميركا بكونها المتسبب الرئيس بإطلاق تسليح الفضاء بأنه مُجرّد مُبالغة. وقالت "إن الولايات المُتحدة لم تُسلّح الفضاء فجأة، أو بمجرد إقرارها امتلاك تلك القُدرات، بل إن سباق التَسلُّح في الفضاء كان قائماً بالفعل منذ أعوام طويلة".

في عام 2020 أطلقت روسيا قذيفة عالية السرعة إلى المدار من القمر الاصطناعي "كوزموس 2543"، في ما وصفته قيادة الفضاء الأميركية حينها بأنه اختبار "غير تدميري" لسلاح فضائي مُضاد للأقمار الاصطناعية. وفي الأعوام الأخيرة، كشفت الصين أيضاً عن "قُدرات متقدمة للغاية في مناورات الالتقاء والاقتراب والتحكم الآلي بالأقمار الاصطناعية". أما عام 2022 فقد رصد تقرير لوكالة استخبارات الدفاع الأميركية صواريخ روسية وصينية مُضادة للأقمار الاصطناعية ذات مسار صعودي مباشر، وأنظمة حرب إلكترونية، وبرامج طاقة موجهة، وقدرات مدارية "متطوّرة بصورة متزايدة".

سباقات مُكلِفة للغاية

تعتمد المجتمعات الحديثة على الأقمار الاصطناعية التي تُرسَل إلى المدار باستمرار في مجالات كثيرة، أهمها الاتصالات والمِلاحة والتنبؤات الجوية والتعاملات المالية والاستجابة للكوارث والإنذار العسكري. وبدورهم أكد خبراء فضاء ودبلوماسيون أميركيون أنه "يستحيل فصل الصراع على الأرض تماماً عن الأصول الفضائية". لذلك تُعد سباقات التَسَلُّح على جميع المستويات مُكلفة وغير مُحدّدة المَعالم، بل عرضة لردود الفعل المُتضاربة، ولكنّها تنطوي على أخطار إضافية حين يتعلق الأمر بأسلحة الفضاء تحديداً.

وتتمثل هذه الأخطار أولاً في إمكانية توليد حُطام فضائي. وقال خبراء الفضاء عن هذا الأمر "إن الحطام يزيد نتيجة تجارب أو صراعات، أو تعطيل الخدمات التجارية والعسكرية الأساسية لبلدان أخرى، مما يجعل المدارات القيّمة أقل فائدة للجميع".

 

ارتبط التنافس العسكري بين القوى الكبرى في العالم بالنشاط الفضائي منذ القدم. ومنذ بداية عصر الفضاء الأول خلال الحرب الباردة في القرن الماضي، سعت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى امتلاك قدرات فضائية ذات طابع حربي. فالفضاء ليس فقط مجال إنجازات علمية لتحقيق مكانة مرموقة اقتصادياً وحضارياً، بل إنه يُوَظَفُ دائماً لأغراض الاستخبارات والاتصالات والإنذار الصاروخي والملاحة والتفوّق الاستراتيجي في السماء. ولعل خير دليل على ذلك أن ما حدث في سبتمبر الماضي، بعدما صرّح وزير القوات الجوية الأميركية تروي مينك للمرة الأولى بأن الولايات المتحدة نشرت "أسلحة تحكم فضائية مدارية قادرة على حماية القوات المشتركة من أي عمل عدائي"، أثار اتهامات فورية من روسيا والصين بأن واشنطن تُشعل سباق تسلح في الفضاء من جديد. إذ كانت هذه هي المرة الأولى التي يُقرّ فيها مسؤول أميركي بارز بامتلاك بلاده أسلحة فضائية للدفاع عن "أصولها في الفضاء".

أميركا مدعوّة إلى المبادرة

تؤكد مالوري أن ثمة طريقة لاستغلال هذه اللحظة النادرة بطريقة بنّاءة ومُجديَة، إذ دعت الحكومة الأميركية إلى القيام بالخطوة الأولى في "مبادرة مُتبادلة بشفافية" مع روسيا والصين، بغية الحد من أخطار هذه الأسلحة. وتتمثل هذه الخطوة وفق الكاتبة في "دعوة روسيا والصين إلى الاعتراف بحقيقة أساسية وهي أن كلاً من هذه القوى النووية الثلاث يمتلك أنظمة على الأرض وفي المدار قادرة على التدخل في الأصول الفضائية أو تعطيلها أو تدميرها"، لافتة إلى أن هذا الاعتراف "لا يتطلب الكشف عن خصائص تقنية حسّاسة، ولا حتى اعتراف روسيا والصين بامتلاكهما أسلحة. بل يتطلب فقط إدراك أن بعض القدرات الفضائية يُمكنها إحداث آثار هجومية بغض النظر عن الغرض المُعلن منها".

أما الهدَف من ذلك الاعتراف المتبادل فهو إدارة الأخطار للتغلب على هذه الأزمة. على رغم ذلك تؤكد مالوري أن هذه الجهود المُتبادلة في حال تَحقُّقها على أرض الواقع "لن تُنهي التنافس العسكري في الفضاء بصورة كاملة. ولن تُغني عن الحاجة إلى حماية الأقمار الاصطناعية". ويعود ذلك إلى صعوبة التمييز بين القدرات الهجومية والدفاعية في مجال أسلحة الفضاء. لذلك، فإنّ هدف إدارة الأخطار ليس إنهاء سباق التسلح في الفضاء، بل تقليل "حال عدم اليقين" التي تجعل كُلّ مركبة فضائية غامضة أو مناورة بها، تُعامل كما لو أنها هجوم مُحتمل على آخرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في معرض حديثه عن أسلحة الفضاء الخاصة بالولايات المتحدة، صرّح مسؤول في قيادة الفضاء الأميركية لموقع علمي، بأن الإقرار بالقدرات على التحكم في الفضاء مُهمٌ للحفاظ على الردع، وللإشارة إلى أن الولايات المتحدة مُستعدة وجاهزة لاستخدامها في حال فشل ذلك الردع". وبدورها علّقت ستيوارت على هذا التصريح بأنه "سبق لروسيا والصين أن قيّمتا امتلاك الولايات المتحدة لقدرات سريّة مُضادة للفضاء في المدار. علاوة على ذلك، لم يكشف الإعلان عن أي معلومات حول قدرات هذه الأنظمة، أو التهديدات التي صُممت لمواجهتها، أو الظروف التي قد تستخدمها الولايات المتحدة في ظلها. وهذا يحدّ أيضاً من الأثر الرادع للإعلان".

من جهة ثانية، يرى قانونيون وخبراء في أسلحة الفضاء، أن مجرد اعتراف الحكومة الأميركية بامتلاك الأسلحة قد يُفضي إلى عواقب دبلوماسية أكبر. إذ يُعطي هذا الاعتراف روسيا والصين ذريعةً أخرى لتصوير الولايات المتحدة على أنها المحرك الرئيس لتسليح الفضاء، وسباق التسلح لحروب المستقبل. أما في أسوأ الأحوال، فيُؤكد هذا الاعتراف افتراضاتهما القائمة، ويُوفر للدولتين المنافستين مبرراً لتوسيع برامجهما أو حتى تسريعها.

 

وفي ما يتعلق بوضع أو حال سباق التسلح في الفضاء اليوم، فقد وثّقت تقييمات صادرة عن بعض مراكز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومؤسسات العالم الأمنية وجود قُدرات مضادة للفضاء قيد التطوير من قبل الولايات المتحدة وروسيا والصين، ولدى عدد متزايد من الدول الأخرى. إذ حدّدت الحكومة الأميركية علناً أنظمة روسية وصينية قد تُهدد أقمارها الاصطناعية وأصولها الفضائية الخاصة والعامة.

تُستَخدم التقنيات الفضائية الحديثة في تطبيقات مشروعة سياسياً وعلمياً واقتصادياً، بما في ذلك فحص مركبات الفضاء وصيانتها إلى جانب إزالة الحطام. لكنها قد تُستخدم أيضاً للتشويش على مركبات فضائية تابعة لدول أخرى أو تعطيلها. إذ تزيد قُدرات التشويش والقدرات السيبرانية الأرضية والفضائية من تعقيد الوضع. لذلك ترى مالوري أنه "إذا كانت روسيا تُطوّر فعلياً قدرة نووية مضادة للأقمار الاصطناعية من الفضاء، كما زعمت الحكومة الأميركية منذ عام 2024، فسيكون ذلك غير قانوني بصورة واضحة ومُزعزعاً للاستقرار".

مشكلة أسلحة الفضاء

تكمن مُشكلة أسلحة الفضاء الكبرى الآن في أنها أسلحة خطرة مُنفَلِتة، وذات استخدام غامض ومزدوج، حتى إنه يمكن مقارنة هذه الأسلحة بالأسلحة النووية. فالمركبة الفضائية القادرة على حماية قمر اصطناعي قد تُستخدم لمهاجمة قمر اصطناعي آخر. "وحتى هذه اللحظة، لا يوجد حظر قانوني دولي على الأسلحة التقليدية في الفضاء، على رغم وجود حظر واضح على تفجير سلاح نووي في الفضاء الخارجي بموجب معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية لعام 1963". لذلك يرى دبلوماسيون أنه "من المهم أن تأتي هذه الخطوة من أميركا لتكون بمثابة الخطوة الافتتاحية في حملة من أجل الإفصاح المُتبادل الثلاثي عن أسلحة الفضاء، وإدارة الأخطار المُتعلقة بها، وللتواصل في خضم الأزمات". إذ سوف يؤدي الإفصاح عن أسلحة الفضاء إلى إطلاق الجهود الرامية إلى وضع ضوابط المنافسة الفضائية بصورة عاجلة.

على رغم ذلك يبقى السؤال الأهم: لماذا اختارت أميركا الإفصاح عن هذا الأمر الآن؟ وما الذي تنوي فعله بعد ذلك؟ وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، أكدّت الرئيسة التنفيذية لمجلس الأخطار الاستراتيجية، أنه "لا يمكن لموسكو ولا بكين ادعاء صدقية أنهما فوجئتا بامتلاك الولايات المتحدة صورة من صور القدرة على التحكم في الفضاء. فلطالما اتهمت الحكومتان واشنطن بتطوير أسلحة فضائية، بينما تعملان على تطوير برامج مضادة للفضاء خاصة بهما".

بدلاً من تأجيج الوضع الدبلوماسي عبر تكرار توجيه الاتهامات أو نفيها في شأن الأسلحة، وفرض هذا النهج على الجهود المتعددة الأطراف الجارية في المحافل الدولية القائمة، اقترح خبراء الحد من التسلح "الاعتراف الثلاثي الأساس بالحقائق" المُتاحة حالياً، لمساعدة الحكومات الثلاث على البدء في التركيز على المعايير القانونية في شأن "سوء الفهم والتصعيد السريع المُحتمل". ويرى هؤلاء أن هذين العاملين هما الخطران الأكثر ترجيحاً في سباق التسلح في الفضاء. ووفق مالوري، فقد اقترح بعض الدبلوماسيين الأميركيين بالفعل تدابير أولية مُحتملة تشمل إعادة تأكيد الالتزام بالقانون الدولي في الفضاء الخارجي، وتحديد جهات اتصال وطنية للحوادث الفضائية الطارئة، ووضع إجراءات تشاورية في شأن الاقترابات أو التدخلات غير المبررة، والالتزام بعدم إجراء تجارب تدميرية مضادة للأقمار الاصطناعية.

وعلى رغم أن هذه المقترحات ليست جديدة بالكامل، فإنها لم تُناقش في إطار ثلاثي من قبل. لذلك فإن على الصين وروسيا، إن كانتا لا ترغبان حقاً في تأجيج سباق التسلح الذي تتهمان الولايات المتحدة بإشعاله، الترحيب فوراً بهذه التدابير الأولية التي يتوقع بعض خبراء أسلحة الفضاء قيام أميركا بها قريباً.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير