ملخص
يتقدم الشاعر والاكاديمي فوزي يمين في مضمار قصيدة النثر، بخطوات راسخة، منجزاً تجربة فريدة. واليوم تصدر له مختارات شعرية عن دار النهضة العربية - بيروت، بعنوان "على بعد خطوتين"، تضم قصائد ومقطوعات شعرية من ثماني مجموعات شعرية، صدرت له، على امتداد 32 عاماً، منذ عام 1994، وإلى يومنا هذا، أو بعد صدور آخر كتاب له بعنوان "نجوم منتهية الصلاحية".
يقول رومان ياكوبسون في تعريفه الشعر "إن الشعر هو الذي يحمينا من الأتمتة، أو حكم الآلية، بقدر حمايتنا من الصدأ الذي يتهدد صيغتنا للحب والكراهية، وبمثل ما يتهدد انتفاضنا، وتصالحنا، وإيماننا، ونكران الإيمان".
لعل المنطلق في قراءة الشعر، ولا سيما قصيدة النثر، يكون في ما يستهدفه الشاعر، أو قسم من الشعراء، وهو بنيان تصور للعالم مغاير لما هو في الواقع، أو متميز أقله، وبث ما يراه قيماً بديلة جديرة بأن يعاد تقديرها. طبعاً، لن تكون قراءة هذا الشعر من دون النظر إلى اللغة التي صيغت به، وإلى مجمل الأشكال التي حملت هذه الرؤية الجديدة، أو الخاصة.
تضم المختارات الشعرية قصائد منتقاة بعناية من المجموعات الشعرية الثماني، وقد وردت على التوالي: "المستلقي على طابقه الأرضي"، و"حياة بدون فيلتر"، و"توقفوا أريد أن أنزل"، و"كلاب العزلة"، و"تضع كرسياً أمام الباب وتنتظر لتأتي الطريق"، و"تمارين على تبديد الوقت"، و"بين سيجارتين"، و"نجوم منتهية الصلاحية". ومما يلاحظه القارئ أن الشاعر أفرد للكتاب الأخير الصادر عام 2024، قسماً كبيراً من قصائد المجموعة. بالتالي، وجب على الناقد، شأني أن ينظر إلى المختارات باعتبارها أثراً كاملاً دالاً على كتابته الشعرية البالغة حداً من التبلور، والتنامي، والتحول. لذا تستدعي قراءة هذه الأعمال نظرة إجمالية (بانورامية) تؤخذ في اعتبارها.
تجاوز البيان الشعري
بداية، من البديهي أن يكون الشاعر فوزي يمين، قد تجاوز مرحلته الأولى من مساره الإبداعي الذي يعد، برأينا، عنصراً حاسماً في تكوين شعرية شاعر، وعنيت بها مرحلة تأكيد الذات، وإبراز العناوين والموتيفات التي يزمع الشاعر معالجتها في القادم من الأعمال الشعرية، وفيها يرفع لواء جماعة شعرية مفترضة، وهو ما لم يحصل لدى شاعرنا، إذ دخل يمين باب الشعر من بوابة المحاكاة والتجريب في آنٍ، محاكاة الأوائل، رواد قصيدة النثر اللبنانيين، وأخصهم شوقي أبي شقرا، ولكن من حيث الإطار الحضري شبه المديني، لا الريفي سليل الرومنطيقي. أما التجريب فسنتحدث عنه لاحقا، في ما ابتكره الشاعر من أشكال، وتلاوين، وتنويعات على مواضيع، على امتداد الـ32 عاماً التي مضت على خوضه غمار الشعر، ونشره.
وفي هذا الشأن، لا يلاحظ لدى الشاعر فوزي يمين، أقله في أعماله الشعرية الأولى، مبالغة ما أو إفراطاً في التخييل، أو رفعاً لشعارات شعرية أو غيرها يزمع العمل بموجبهالاحقا، على غرار ما كان شرع به أنسي الحاج، وإنما نلحظ سيراً حثيثاً في دروب قصيدة النثر والانخراط في تجاربها، وتجريبيتها.
إطار الذات الشاعرة
في القصائد الأولى، بل في مستهل أعماله الشعرية، "المستلقي على طابقه الأرضي"، و"حياة بفلتر"، يرسم لنا الشاعر ما يشبه إطاراً مكانيا، عبر قصيدته الطويلة ("يقع الضوء لا يحدث صوتاً")، وبكاميرته البانورامية الاختزالية، لأرض فتوته وشبابه، وحيث يسود الضجر، ويحل الضيق ضيفاً ثقيلاً، وحيث يتعثر الشاعر بخُطاه التي يتقدم فيها صوب الوجود، مقتلع الجذور، على رغم أن حياته نمت قريباً من الجبل والبحر: "كان الجبل قريباً مني، كان البحر أيضاً... بهدوء كبرت قدماي في ظلال البيوت المتلاصقة كأسناني...عرفت أن لا جذور لي، لا أفق، وظهري مكسور..."، أو "وتر يشد البحر بأذنيه يخبز النهار/ وجورة أولادنا ترتب مزاج البيوت...".
مما يتقدم، يحسب الشاعر أنه يوفر، لمن يود التعرف اليه، أو إلى هذه الذات الشاعرة، فلا بد له من رسم صورة تقريبية لمكان يسمح بولادة صوت شعري سرعان ما يتجاوز إطاره، ويعلن مزاجيته، بل بعض ثورته عليه، مطعمة بانكسار الحلم، والرغبة في الرحيل عن البلاد. يقول: "كل صباح عندما أستيقظ، أشعر ب رغبة في أن أستقل أول طائرة وأرحل، ثم أغير رأيي. لا أتجرأ. أخاف يأكلني العالم حياً".
ولو واصلنا قراءة قصائد مجموعته الأولى، لبدا للقراء أن الشاعر قصد إلى إعطائهم صوراً شبه وافية عن ذاته، حينا في "غرفته"(الأرجح أني تعبت) محاطاً بعناصر طبيعية معينة، وحيناً آخر في المقهى (هكذا آخر المساء)، وحينا في وضعية تدخينه سيجارة (لا أحد يقدر أن يقول...)، وحيناً آخر في نزهة ليلية وسط شوارع البلدة، حيث تتوالد الأوهام في خاطره وعبثاً يحاول صدها (أوهام ضرورية)، وفي لغة سردية، موشحة بصور شعرية غريبة ولافتة وأخرى نماذج عتيقة: "في صالة السينما، أشعر أني في بطن أمي، متكورا في العتمة... العتمة ثقيلة/ بعيداً فوق البنايات الطويلة جبال طويلة متكئة على بعضها، إلى جانب بعضها... أحياناً تنحني الجبال لتلتقط ظلالها فتتقوس ظهورها...".
وبناءً عليه، لا يعود الركون إلى مكان هوية الشاعر (بين الجبل والبحر) مهماً، ما دام الشاعر قد باشر بإطلاق صوته المعترض على هذه البلاد المخيبة للآمال، والمسكون بهواجس الإنسان العميق، والمنفتح على أحواله وحالاته النفسية في صلته بالطبيعة، والوجود، والزمن، وثورته التي تتجاوز حد إثبات المزاجية إلى تشكيله رؤية خاصة إلى العالم، في ختام أعماله الشعرية، تصالح أبعاداً فكرية ووجدانية جديرة بالتوقف عندها.
مزاجية وتهكم أسود
ليست مزاجية الشاعر فوزي يمين، أو ذاته الشعرية الموكلة التعبير عنه، قريبة بأي حال من التأنق البودليري ذي الحس الطبقي الأرستقراطي نوعاً ما. إنما هي على النقيض منها، عنوان الهامشية المجتمعية التي نهج عليها شعراء قصيدة النثر اللبنانيون، والعرب، ليتسنى لهم خوض ثورتهم التي "ترفض الرجعة والخمول والتعصب الديني والعنصري" على ما يقول أنسي الحاج في مقدمة كتاب "لن"، مثلما ترفض القوالب الجاهزة، والأعراف الكلامية المتبعة، والقيم المحافظة، على حد سواء.
ومع ذلك ترى الشاعر يؤثر الإطار الرومانسي القريب من ذاته، على الإطار المكاني المفروض عليه من الخارج: من مثل إيثاره العزلة، وسط إطار مديني، في الغالب، مع بعض المشاهد الريفية المناسبة لإطلاق التأملات. ففي مجموعته الشعرية "كلاب العزلة" (2007) يحكي الشاعر في قصيدته الطويلة (عاجل ورد الآن)، وبسردية مفعمة بالتهكم الأسود والمرارة حكاية الذات المستلبة، والتي لا تني تتحسس فقدان وجودها المطرد، وانحسار إنسانيتها وسط الحرب الطاحنة كل شيء. وقد بين الشاعر، عبر صوره المبتكرة ومشاهده المتلاحقة المستلة من آليات الحرب والسحق والسحل، انفكاك الأشياء والأماكن والأشخاص عن مواقعها وأشخاصها ووظائفها التي خلقت لأجلها.
ويقول في هذا الشأن: "عاجل ورد الآن: طائرات لا أهل لها تحلق بكثافة فوق البيوت.../ لم يبق حجر على حجر ولا كلمة في كتاب.../ قفز العرب من الروح.../أرى شجرة تطير في العمر.../ فجأة انكمش ضوء النهار، ابتلعت الزهرة شباكها... درفة الشوارع مخلعة، الطرق مشلعة.../ ذهب الناس وبقي البيت وحيدا... تصدعت مواسيره. تشققت عيون غرفه. فرت الصور من براويزها. الخشب أسود. حتى المقعد في الخارج قام وهرول. والشبابيك قفزت وهربت...".
في هذا المعنى، يصير الشعر، بحسب الشاعر يمين، ناطقاً بالجوهر المعنوي الذي يزمع المثقف والمبدع، المعاصر، عنيت به إعلان رفضه الحرب، باعتباره شراً أكبر مفروضاً على البشر، وعلى الكائنات كلها، ونازعاً عنها طبيعتها وسبب وجودها، ومنتهكاً كرامتها وكرامة البشر الفاعلين الأساسيين حولها. والأهم أن يتم ذلك بعملية تخييل شاملة، تمعن في تغريب المشاهد ذات المرجعية الواقعية، من دون أن يفقد فيها الشاعر - فاعل التغريب - قيد أنملة، الوجهة التي رسمها لهذه العملية حتى اكتمال اللوحة الجدارية الغرائبية، الجحيمية والمقززة أحياناً، وصولاً إلى تأديتها دلالتها الإجمالية منها، وتلقيها من قبل القارئ، الذي يزداد وثوقاً بصورة الحرب واتساعها الفاجعين.
الهامش والغنائية
لا تكاد تغيب ذاتية الشاعر في غالب قصائده، ولئن تأرجحت الضمائر في شعره بين الـ"نحن" الساردة والعليمة ("أيامنا التي نسيناها في الأيام، وتركناها تنزلق في كل الاتجاهات..."، فإن الأنا لديه، العارفة، المتألمة، المتأملة، الرؤيوية، المحولة، المدخنة، المتأثرة بالحنان، المؤثرة، هذه الأنا تنتصر على من عداها، ولكن ليس من دون إطار، أو ديكور مكاني.
ففي الأعمال الشعرية ما قبل الأخيرة (تمارين على تبديد الوقت، وبين سيجارتين، وتضع كرسياً أمام الباب وتنتظر لتأتي الطريق)، لا يني الشاعر يتبسط في تكوين أسطورة ذاته، في استعارة من شارل مورون، متآلفاً مع "الحارات الرطبة"، ومنشداً حزنه "القديم"، ورافعاً "الكلمات المنكسة"، وغازلاً للحبيبة عمره، وراسماً "طرقاً وسماءً"، وقائلاً "كلمتك وتمشي"، ورافعا كلمته وسيجارته في وجه الحرب، وراوياً موته الافتراضي، وغيرها كثير من المواقف التي تصنع حياة كائن يحاول أن يبني عالم الهامش خاصته، حجراً فوق حجر، مشهداً فوق مشهد، قرية فوق مدينة، ومقهى فوق ميدان للمشي، لينسج من هذا كله أسطورة الشاعر الناظر إلى العالم بمنظاره المتعدد الأطياف والمرامي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما الغنائية عند الشاعر فوزي يمين فتسطع، وسط انهمام الشاعر بشوارد الكائن وفواجعه، في آونات مفردة، أرادها كذلك من أجل تأكيد مثولها في جوهر شعره، ونظرته إلى العالم. يقول في قصيدته "ذات نهار": "ذات نهار/ حين لا يعود هناك نهارات، بل ليالٍ مكرورة في أحزانها/ طويلة ومتهدلة كأهداب اليتامى/ سأتذكر ابتسامتك/ العذبة، الخفيفة، الفسيحة، العطرة، الطرية/ الهادئة في ظل حلاوتها/ تعرج على حائط عمري".
بيد أن هذه الغنائية ماثلة أيضاً في سائر القصائد المختارة، من ثماني مجموعات شعرية، وإن بنسب متفاوتة، وبحسب أنواع القصائد التي تنطوي عليها. يجدها القارئ في نبرة اللوعة الناجمة عن انكسار الحلم، وفي لحظات البوح العشقي القليلة والبارزة للعيان، وفي حواره مع الكائنات، ولا سيما الشجرة، وفي كل نفثة من سيجارة يعاتب فيها زمناً انقضى من دون حب. حتى ليمكن القول إن المجموعة الشعرية الأخيرة للشاعر يمين (نجوم منتهية الصلاحية) تكاد تفيض غنائية، لما فيها من نبرة حزن، ولوعة، ونداء يطيش سهمه، فيرد عليه من شاء، وإن خاطب الشجرة فمن أجل أن يبثها مصيره ونفرة عروقه، ويسائلها عن تأوهاتها التي هي نسخة عن تنهداته وتأوهاته. والقول نفسه على تأملاته في العمر، والصلاة، والشعر، وفي "هنا الآن"، وفي اللاشيء، وفي اليوم الواحد.
لغة شعرية
يمكن قول الكثير عن لغة فوزي يمين الشعرية، عن قرب معجمه من المحكية، واتباعه سجلاً لغوياً نقالاً من تحت إلى فوق، وعن صيغه وتحويلاته لبعض التعابير المستقاة من كلام العامة، على نهج الشاعر شوقي أبي شقرا، وعن صوره الشعرية، وأنواع قصائده (الخاطرة، والشذرة، والمقطعة، والقصيدة الطويلة، والسردية، والتأملية، وغيرها)، وعن هندسة كائنات عالمه الحميم. ومع ذلك نكتفي بمحض الإشارة إلى مواطن الجمالية الخاصة بهذا الشاعر لندع متسعاً كافياً لقراءته وتقديره. "ثم أول الربيع/ ما إن يطلع هواء لطيف/ ما إن ينزل ضوء خفيف/ فكر بكلمة تعقد ثمرة، تزهر لغة".
وبناءً على هذا الفهم الإجمالي، بل البانورامي للأثر الكامل، يتعين على القارئ أن يتقصى، لا المظاهر اللافتة في أعماله السابقة - التي كان لنا كلام عليها لست سنوات خلت - فحسب، بل إن يرصد المظاهر المستجدة، والتي شكلت تنامياً.