ملخص
الولايات المتحدة تراهن على أن طهران لن تتمكن من الصمود حتى العام المقبل، وأن يؤدي انهيار النظام الإيراني خلال الأشهر المقبلة إلى تراجع نفوذ الأحزاب والجماعات الحليفة لها في المنطقة.
انتهت المدة المقررة لنزع سلاح الفصائل الولائية في العراق، من دون استجابة لقرار الحكومة التي أعطت وعوداً دولية بنزع السلاح غير المرخص وتسليمه للدولة، لكن إيران تحرص على بقاء القوات التابعة لها المتمثلة بـ"الفصائل الولائية" محتفظة بقدراتها العسكرية، وجهازيتها لتنفيذ ما يوكل إليها من مهمات لإبقاء سيطرتها على أحد ساحاتها المتبقية وهي العراق، مما ترك المجتمع العراقي في حيرة وتساؤلات بعدما احتفل بما سمته الحكومة "يوم السيادة" في الـ30 من سبتمبر (أيلول) الماضي، مما أثار غضباً شعبياً بسبب عدم تنفيذ قرار حل الميليشيات التي تطلق على نفسها "فصائل المقاومة".
التهديد باحتلال العراق
يقول أستاذ الإعلام العراقي البارز كاظم المقدادي "من وجهة نظر عراقية، فإن هذه المرحلة مُهددة لنا كمواطنين عراقيين، بعد انسحاب القوات الأميركية من دون تسليم الفصائل أسلحتها، وهذا يذكرّنا بعام 2011 حين جرى الجلاء المعلن للقوات الأميركية. الخوف هنا من احتمال قيام الإيرانيين باستغلال الفراغ الذي خلفه انسحاب الأميركيين، كما صرح أحد الزعماء الإيرانيين في وقت سابق قائلاً، إذا وقعت حرب وحدث انسحاب أميركي سنحتل العراق". هذه التصريحات الإيرانية المتكررة التي تكشف عن نوايا "احتلال العراق وصولاً إلى الكويت" تزيد من مخاوف العراقيين، "حينها تصبح منطقتنا منطقة احتلال ونفوذ إيراني ضد الأميركيين" كما يزعمون. ويتساءل "كيف وافق الأميركيون على تأجيل نزع سلاح الفصائل إلى يونيو (حزيران) 2027 قبل انسحابهم؟
وتدور الترجيحات هنا حول احتمالين رئيسين: الأول، أن تكون الولايات المتحدة تراهن على أن إيران، التي تصفها بـ’رأس الأفعى‘، لن تتمكن من الصمود حتى العام المقبل، وأن يؤدي انهيار النظام الإيراني خلال الأشهر المقبلة إلى تراجع نفوذ الأحزاب والجماعات الحليفة لها في المنطقة. أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في أن واشنطن تتعامل مع المشهد العراقي بوصفه جزءاً من معادلة النفوذ الإقليمي، وهو ما يبرز، بحسب هذا الطرح، في استمرار حضور الرموز الإيرانية في الفضاء العام العراقي، بما في ذلك في ساحة التحرير وسط بغداد، التي كانت أحد أبرز مواقع احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019.
وعلى المستوى الداخلي، تبدو الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران متمسكة بنفوذها وسلاحها، مما يجعل مسألة حصر السلاح بيد الدولة أكثر تعقيداً. ويذهب بعض المراقبين إلى احتمال تصاعد التوتر بينها وبين الحكومة، بما قد يهدد الاستقرار السياسي والأمني، فيما تبرز مخاوف من استهداف شخصيات تدعو إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية".
في المقابل، تبقى الأولوية لدى قطاعات واسعة من العراقيين، وفق هذا الطرح، لتجنب أي مواجهة مسلحة بين الفصائل والحكومة، والحفاظ على وحدة الدولة وتماسكها. إذ إن عودة المواجهات إلى الشارع قد تستحضر ذكريات عامي 2005 و2006، عندما أدت الحرب الطائفية إلى موجات من التفجيرات والعنف، وانعكست بصورة مباشرة على الحياة اليومية.
فصائل مسلحة مماطلة
ويرى صالح الجزائري، أستاذ جامعي، أن "الفصائل المسلحة التي تأتمر بتوجيهات الحرس الثوري تنتهج سياسته ذاتها وتنفذ استراتيجيته في المماطلة واللعب على عامل الوقت من دون علم منها بأن إيران تستخدمها كورقة من أوراقها في مواجهتها مع أميركا، لذلك سيكون موقف الزيدي محرجاً جداً، فلا هو قادر على نزع سلاحها بالقوة ولا هو مقتنع ببقائها خارج سلطة الدولة. وعليه فإن الزيدي أمام ثلاثة خيارات، الأول: إصراره على نزع سلاح هذه الفصائل والنتيجة إسقاطه من قبل إيران وأذرعها في العراق. والثاني: التماهي مع سياسة إيران لكسب الوقت لحين إجراء الانتخابات الأميركية. والثالث: الاستقالة وترك الفصائل يواجهون مصيرهم ويدخلون العراق في أزمة جديدة. وفي تقديري وقراءتي للواقع، لا أظن أن الزيدي يذهب للخيار الثالث وإنما يكون الخيار الثاني هو الأقرب إلى الواقع".
الفصائل المسلحة ترفض تسليم سلاحها
غير أن الكاتب والباحث بالشأن العراقي أثير الشرع يثير تساؤلات حول نزع سلاح الفصائل، قائلاً "قد لا تكون الأشهر الستة الأولى من عام 2027 مجرد فترة زمنية جديدة في عمر العملية السياسية العراقية، بل ربما تتحول إلى مرحلة اختبار حقيقية لشكل الدولة العراقية ومستقبل العملية السياسية وعلاقة السلاح بالقرار السياسي والأمني، فالعراق يتجه نحو موعد حساس في الـ30 من يونيو 2027، بوصفه الموعد المطروح لإنهاء مسار حصر السلاح بيد الدولة، بعد تعثر الموعد السابق المرتبط بنهاية سبتمبر 2026، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل ستلتزم الحكومة بالموعد؟ بل السؤال الأصعب: هل ستقتنع الفصائل المسلحة الرافضة بتسليم سلاحها فعلاً، أم أن الأشهر المقبلة ستشهد جولة جديدة من التسويات والتمديدات؟ المشكلة أن بعض الفصائل لا تنظر إلى ملف السلاح بمعزل عن الوجود الأميركي والعلاقة مع إيران ومستقبل التوازنات الإقليمية، وقد سبق أن ربطت فصائل مسلحة مواقفها من نزع السلاح بجملة من الشروط، مما يجعل الملف أكثر تعقيداً من مجرد قرار حكومي يمكن تنفيذه بقرار إداري. في حال دخل العراق عام 2027 وبدأت عملية فعلية لحصر السلاح بيد الدولة، فقد نكون أمام بداية تغيير في قواعد اللعبة السياسية التي حكمت العراق خلال الأعوام الماضية، فالدولة القوية لا تعني فقط امتلاك الجيش والشرطة للسلاح، وإنما تعني أيضاً أن يكون قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً واحداً، وألا تمتلك أي جهة القدرة على فتح جبهة خارجية أو الدخول في مواجهة إقليمية نيابة عن العراق. لكن بناء الدولة لا يتوقف عند السلاح، هناك ملفات أخرى لا تقل أهمية عنه، وهي مكافحة الفساد وحماية المال العام وضبط المنافذ والاقتصاد وتعزيز سلطة المؤسسات وإعادة تعريف العلاقة بين القوى السياسية والدولة.
انتخابات مبكرة احتمالية واردة
ويضيف الشرع "هناك سيناريو آخر لا يمكن تجاهله، فإذا فشلت التسويات السياسية في الوصول إلى صيغة مقبولة لحصر السلاح، أو أصبحت الحكومة غير قادرة على تنفيذ تعهداتها، فقد تنتقل الأزمة من الملف الأمني إلى أزمة سياسية أوسع، وعندها يمكن أن يبرز احتمال تغيير حكومي واسع أو إعادة تشكيل الحكومة، وربما الدفع باتجاه انتخابات مبكرة إذا فقدت الحكومة الغطاء السياسي الكافي للاستمرار أو أصبحت عاجزة عن تنفيذ برنامجها. لكن الانتخابات المبكرة ليست نتيجة حتمية، وإنما أحد السيناريوهات التي يمكن أن تبرز إذا وصلت التسويات إلى طريق مسدود، وهنا يصبح السؤال أكبر من الحكومة الحالية: هل تستطيع العملية السياسية إنتاج تسوية تنهي أزمة السلاح، أم أن أزمة السلاح ستعيد إنتاج أزمة سياسية جديدة؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
علاقة مصالح بين بغداد وطهران
لكن الكاتب والباحث السياسي محمد حنون يذهب إلى بعدٍ آخر في أزمة العلاقة بين العراق وإيران كما يراها غالب المراقبين للمشهد السياسي بين البلدين، اللذين تحدهما حدود طويلة تبلغ أكثر من 1300 كيلومتر وعلاقات تاريخية تميزت بالندية والصراع، وتقوم بدعم سياسة تسليح ميليشيات تعلن لها الطاعة والولاء، يقول "على رغم هذا فلا يمكن النظر إلى العلاقات العراقية-الإيرانية من زاوية سياسية ضيقة، أو ربطها بالكامل بموقف طارئ تفرضه تطورات إقليمية أو قرارات دولية موقتة، فالعلاقة بين بغداد وطهران أوسع من أن تختصرها الملفات السياسية لأنها تستند إلى الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية والدينية فضلاً عن حدود برية طويلة وحركة مستمرة للأشخاص والبضائع بين البلدين".
وتكشف التطورات الأخيرة عن أن المصالح المشتركة لا تزال حاضرة بقوة، ففي يوليو (تموز) الماضي اتفق العراق وإيران على توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والنقل والترانزيت وتسريع مشروع سكة حديد (البصرة-الشلامجة) والعمل على إزالة العقبات أمام المشاريع المشتركة، كذلك يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين، وفق تقارير حديثة، الـ12 مليار دولار سنوياً. وللعلاقات بعد آخر لا يقل أهمية يتمثل في حركة الزائرين الإيرانيين إلى العراق لا سيما إلى النجف وكربلاء وسامراء، التي تشكل أحد أهم جسور التواصل الشعبي بين البلدين، كذلك تمثل المنافذ الحدودية البرية شرياناً أساساً للتبادل التجاري وحركة المسافرين، وقد استمرت حركة التجارة بين البلدين حتى خلال فترات التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة.
ويضيف حنون "لهذا فإن التعامل العراقي مع الضغوط الدولية المتعلقة بإيران يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والواقعية، فالعراق دولة ذات سيادة ومن الطبيعي أن يلتزم بالقواعد والقرارات التي تترتب عليه دولياً، لكنه في الوقت ذاته معني بالحفاظ على مصالحه الوطنية وعدم السماح بأن تتحول الإجراءات المرتبطة بملف محدد إلى أزمة شاملة. العراق اليوم أمام مرحلة حساسة خصوصاً بعد الـ30 من سبتمبر الماضي، وما يحمله من دلالات تتصل بالسيادة الوطنية والقدرة على اتخاذ القرار بعيداً من الضغوط، فالسيادة لا تعني القطيعة مع جار تمتد الحدود المشتركة معه إلى 1300 كيلومتر، كذلك أن احترام الالتزامات الدولية لا يعني التخلي أبداً عن المصالح الوطنية. المعادلة الأكثر واقعية هي أن يحافظ العراق على علاقاته مع إيران كما يحافظ على علاقاته مع الولايات المتحدة وبقية دول العالم، وأن يجعل مصالحه الوطنية وسيادته أساساً في إدارة هذه العلاقات، فالجوار لا يمكن تغييره والمصالح المشتركة لا تختفي بقرار سياسي أو ضغط دولي والعلاقات بين الشعوب أعمق من أن تتأثر بالكامل بظرف مرحلي".
في السياسة والحياة، تأجيل المشكلة لا يضمن حلها، بل يزيد تعقيد الحل، وسيكون الـ30 من يونيو المقبل اختباراً آخر للحكومة العراقية حين ترفض الفصائل نزع سلاحها، كما يُرجح المراقبون ويصرح الولائيون علناً، فهل سيفرض ذلك على حكومة علي الزيدي اتخاذ منهج سياسي جديد يضمن بقاءها في إدارة الدولة؟ أم أن فشل التسويات مع زعامات الفصائل سيدفع التحالف الشيعي إلى تغيير الحكومة واللجوء إلى انتخابات مبكرة، هذا ما يناقش الآن في كواليس السياسة العراقية.