ملخص
بدأت بريطانيا تطبيق برنامج للإفراج المبكر عن آلاف السجناء، بهدف تخفيف أزمة اكتظاظ السجون وضمان توافر أماكن للمحكوم عليهم الجدد. وبينما تؤكد الحكومة أن المفرج عنهم سيخضعون لشروط رقابة صارمة، أثارت نقابات مسؤولي المراقبة تساؤلات حول قدرة الأجهزة المختصة على متابعة الأعداد المتزايدة من الذين سيُخلى سبيلهم.
بدأت بريطانيا تطبيق المرحلة الأولى من نظام الإفراج المبكر عن السجناء الأسبوع الجاري، مع إخلاء سبيل نحو 700 سجين، في خطوة تقول الحكومة إنها ضرورية لمواجهة أزمة اكتظاظ السجون وضمان استمرار قدرة النظام القضائي على استقبال آخرين من المحكوم عليهم حديثاً، غير أن القرار يأتي وسط خوف وغضب لدى الضحايا.
ومن المقرر إطلاق نحو ألفي سجين، بمن فيهم مرتكبو جرائم العنف المنزلي والجرائم العنيفة، خلال الأسابيع المقبلة، يليهم 3 آلاف آخرين على مراحل خلال العام المقبل، بهدف تخفيف اكتظاظ السجون. وخُفض العدد الإجمالي المتوقع من 6 آلاف بعد تدخل رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام الذي تولى منصبه بعد إقرار الخطط من قبل حكومة سلفه كير ستارمر.
ذعر وغضب
وفيما قالت وزارة العدل إن المفرج عنهم سيخضعون لما وصفته بـ"أشد إجراءات الرقابة صرامة في التاريخ البريطاني"، فإن هذا لم يقلل من روع ضحايا أولئك المجرمين، إذ أعربت ناجيات عن مخاوف من الانتقام أو إعادة التواصل أو التعرض لاعتداءات جديدة، بخاصة في الحالات التي كان فيها الجاني شريكاً سابقاً أو شخصاً يعرف مكان الضحية.
وعبّرت أخريات عن شعورهن بعدم تحقيق العدالة، فوفق صحيفة "ذا تايمز" البريطانية، فبالنسبة إلى الضحايا سيظن الجناة أنهم "فوق المساءلة"، وقالت إحدى ضحايا التزييف العميق الجنسي إن مشاهد الاحتفال خارج السجون التي تزامنت مع الإفراج المبكر عن مئات الجناة، كانت "صعبة للغاية" على النفس.
وقبل شهرين، لجأت بعض الناجيات إلى تركيب كاميرات مراقبة لحماية أنفسهن، عقب تلقيهن رسائل تفيد ببدء الإفراج المبكر عن الجناة بموجب "قانون إصدار الأحكام" الجديد. وصرحت إحداهن إلى صحيفة "ذا غارديان" بأن الرجل الذي اغتصبها انتهك أمراً قضائياً بمنع التعرض لها 26 مرة خلال الأعوام الخمسة التي سبقت المحاكمة. وقالت "من المحتمل الآن أن يقضي في السجن فترة أقصر من تلك التي استغرقتها القضية للوصول إلى المحكمة، في حين أنني حُكم عليّ بالسجن مدى الحياة، فالضحايا منسيون ونظام العدالة معطل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفق وسائل إعلام محلية، شكت الجماعات المدافعة عن الضحايا من الخطوة، وذكرت مفوضة شؤون الضحايا كلير واكسمان أن ثقة الحكومة بهذه الخطة "لا تزال غير متوافقة مع الواقع على الأرض"، فيما أكدت مسؤولة الشؤون العامة في مؤسسة "ريفيوج" الخيرية المعنية بمناهضة العنف المنزلي أليس راسل-هاريس أن بعض الناجيات "ليس لديهن خيار سوى" طلب المساعدة في مراكز الإيواء، هرباً من الجناة المفرج عنهم. وأضافت "على رغم أننا ندرك الحاجة إلى تخفيف الضغط على السجون، فإنه لا ينبغي ترك النساء والفتيات لدفع الثمن".
ورجحت الرئيسة التنفيذية لمنظمة "وومنز إيد" فرح نذير أن يزيد هذا البرنامج من تقويض الثقة المنخفضة للغاية أصلاً بنظام العدالة الجنائية، مما يعني أن "أعداداً أكبر من النساء والأطفال سيُتركون ربما بلا حماية".
وحاول وزير العدل البريطاني أليكس نوريس طمأنة الضحايا قائلاً "نحن نتفهم القلق الذي ينتاب الضحايا مع اقتراب مواعيد الإفراج عن الجناة، لكن الخطر الأكبر الذي يهدد الضحايا يتمثل في نفاد أماكن احتجاز المجرمين الخطرين داخل السجون، وهي الأزمة التي ورثتها هذه الحكومة"، مضيفاً أن "خطتنا ستضمن عدم تكرار هذا الأمر مطلقاً، من خلال توفير 14 ألف مكان جديد في السجون، مع إخضاع الجناة لأشد القيود صرامة، مما يقطع عليهم أي سبيل للاختباء ويجعلهم يدركون تماماً أننا نراقب تحركاتهم".
ضعف موارد المراقبة اللاحقة
وتورد هيئة الإذاعة البريطانية أن تساؤلات أُثيرت حول ما إذا كانت "خدمة المراقبة اللاحقة للإفراج" تمتلك الموارد الكافية لمراقبة آلاف آخرين من المجرمين أثناء وجودهم في المجتمع. ففي وقت سابق من الأسبوع، قال كبير مفتشي خدمات المراقبة اللاحقة للإفراج مارتن جونز أن نظام المراقبة الإلكترونية "لم يواكب التطورات المطلوبة"، وقد يخلق "شعوراً زائفاً بالأمان" ما لم تُعالج أوجه القصور فيه.
وشكك الأمين العام لنقابة الرابطة الوطنية لمسؤولي المراقبة اللاحقة للإفراج إيان لورانس في التعهدات الحكومية بزيادة أعداد موظفي المراقبة للتعامل مع تدفق السجناء المفرج عنهم، مصرّحاً إلى هيئة الإذاعة البريطانية بأنه "سمع هذه الوعود من قبل".
وطرحت الحكومة البريطانية السابقة "قانون الأحكام القضائية" للتعامل مع أزمة الطاقة الاستيعابية للسجون، إذ نص القانون على أن الجناة الذين كان من المقرر أن يقضوا 40 في المئة أو 50 في المئة من مدة عقوبتهم داخل السجن سيُفرج عنهم بعد قضاء ثلث المدة، بينما سيُخلى سبيل السجناء الذين كانوا يقضون سابقاً ثلثي المدة بعد قضاء نصفها فقط.
وقُلص عدد الأشخاص المتوقع الإفراج عنهم بموجب هذا البرنامج الذي كان يضم نحو 6 آلاف شخص، بعد تدخل رئيس الوزراء الحالي لمراجعة شروطه، فاستُبعدت فئات من الجرائم من نطاق البرنامج، بما في ذلك جميع أنواع القتل غير العمد وجرائم استدراج الضحايا والتسبب في وفاة طفل أو السماح بحدوث ذلك.
ولا ينطبق هذا البرنامج على الأحكام غير المحددة المدة التي تُفرض في الجرائم الأكثر خطورة مثل القتل العمد، فتتطلب هذه الأحكام قراراً من لجنة الإفراج المشروط يفيد بأن السجين لم يعُد يشكل خطراً ويمكن إخلاء سبيله بأمان.
وارتفع عدد السجناء في المملكة المتحدة أكثر من 1700 شخص خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إذ بلغ إجمال عدد السجناء في إنجلترا وويلز أكثر من 87 ألف سجين حتى الأسبوع الماضي، وفقاً لبيانات وزارة العدل. ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة اثنين في المئة عن الـ29 من يونيو (حزيران) الماضي.