ملخص
تساعد الكتابة على تنظيم المشاعر وإعادة صياغة التجارب المؤلمة، إذ تنشط مناطق في الدماغ مرتبطة بالذاكرة واتخاذ القرار وتخفف الاستجابة للخوف، بما يعزز المرونة النفسية والقدرة على التعامل مع الضغوط. ومن تدوين اليوميات إلى الكتابة بخط اليد أو صياغة رسالة لن تُرسل، يمكن لممارسات بسيطة ومتكررة أن تحول الكتابة إلى وسيلة يومية لاستعادة التركيز وفهم المشاعر والتصرف بوعي أكبر.
الكتابة، على بساطتها وشيوعها، فعل يغير الدماغ. من كتابة رسالة نصية غاضبة على عجل إلى إعداد مقالة رأي، تتيح لك هذه الممارسة أن تصوغ ألمك بالكلمات، وأن تنأى بنفسك عنه في الوقت نفسه. يمكنها كذلك أن تنقل حالتك الذهنية من طغيان المشاعر واليأس إلى وضوح ذهني متزن، في تحول يعكس مرونتك النفسية.
يسهم علم النفس ووسائل الإعلام وقطاع منتجات العافية وخدماتها في تشكيل نظرة الجمهور إلى المرونة النفسية. فباحثو العلوم الاجتماعية يدرسونها، والصحافيون يحتفون بها، والشركات العاملة في هذا المجال تبيعها.
وتقول كل هذه الجهات الشيء نفسه تقريباً: المرونة النفسية صفة فردية في متناول الناس تعزيزها بالجهد.
وبحسب تعريف "الجمعية الأميركية لعلم النفس"، المرونة النفسية مسار مستمر للنمو الشخصي في مواجهة تحديات الحياة.
غالباً ما تشيد عناوين الأخبار بأشخاص يرفضون الاستسلام أو يتلمسون بصيصاً من النور في الشدائد. وبدوره، يروج قطاع منتجات العافية وخدماتها للسعي الدؤوب إلى تطوير الذات باعتباره طريقاً إلى المرونة النفسية.
وفي عملي كأستاذة في دراسات الكتابة، أبحث في كيفية استعانة الناس بالكتابة للتعامل مع الصدمات والتحلي بالمرونة النفسية. وقد رأيت آلاف الطلاب يلجؤون إلى الكلمة المكتوبة علهم يتعاملون مع مشاعرهم ويعثرون على شعور بالانتماء. وتوحي عاداتهم الخاصة بالكتابة بأن الأخيرة تعزز المرونة النفسية فعلاً.
أما كيف تسهم الكتابة في تعزيز المرونة النفسية، فتساعدنا في تفسير ذلك معارف علم النفس وعلم الأعصاب.
تعيد برمجة الدماغ
في ثمانينيات القرن الـ20، طور عالم النفس جيمس بينيبايكر أسلوباً علاجياً يسمى الكتابة التعبيرية، لمساعدة المرضى في التعامل مع الصدمات والتحديات النفسية. من طريق الاستمرار في تدوين تجربة مؤلمة، تساعد هذه التقنية في خلق مسافة نفسية عنها وتخفيف العبء المعرفي الذي تفرضه.
بعبارة أخرى، فإن إخراج الضيق العاطفي إلى حيز الكتابة يعزز الشعور بالأمان، إذ تحول الكتابة التعبيرية الألم، مجازاً، إلى كتاب موضوع على رف، يمكن العودة إليه متى اخترنا ذلك. وتبعث إلى الدماغ رسالة مفادها: "ليس عليك أن تتحمل هذا العبء بعد الآن".
وتحويل المشاعر والأفكار إلى كلمات على الورق مهمة ذهنية معقدة، ذلك أنها تنطوي على استرجاع الذكريات والتخطيط لما ينبغي فعله بها، مما يشغل مناطق في الدماغ مرتبطة بالذاكرة واتخاذ القرارات. كذلك تشمل صياغة تلك الذكريات في كلمات، مما ينشط الأنظمة البصرية والحركية في الدماغ.
ويساعد تدوين الأفكار على تثبيت الذكريات، أي نقلها من الذاكرة القصيرة المدى إلى الذاكرة الطويلة المدى. وتتيح هذه العملية للناس إعادة صياغة تجاربهم المؤلمة والتعامل مع مشاعرهم بصورة أفضل. وفي جوهرها، تسهم الكتابة في تحرير الذهن ليعيش اللحظة الراهنة.
الكتابة سبيلاً إلى الفعل
حالة الحضور التي تستحثها الكتابة ليست مجرد إحساس ذهني غير ملموس، بل تعكس نشاطاً معقداً في الجهاز العصبي.
تظهر دراسات تعتمد على تقنيات تصوير الدماغ أن صياغة المشاعر في كلمات تساعد في تنظيمها. وتنطوي تسمية المشاعر، سواء بألفاظ نابية ورموز تعبيرية أم بكلمات منتقاة بعناية، على فوائد متعددة، إذ تخفض نشاط اللوزة الدماغية، علماً أنها مجموعة من الخلايا العصبية ترصد التهديد وتطلق استجابة الخوف، التي قد تدفع المرء إلى المواجهة أو الفرار أو التجمد أو الاسترضاء. كذلك تنشط القشرة أمام الجبهية، وهي المنطقة في الدماغ التي تدعم تحديد الأهداف وحل المشكلات.
بكلمات أخرى، تسمية مشاعرك وحدها تساعدك في الانتقال من رد الفعل إلى الاستجابة. وهكذا، بدلاً من التماهي مع مشاعرك والخلط بينها وبين الحقائق، تتيح لك الكتابة أن تلاحظ ما ينشأ في داخلك وأن تستعد للتصرف على نحو مدروس.
وحتى مهام الكتابة الاعتيادية، كإعداد قائمة بمهام عليك إنجازها، تنشط أجزاء من الدماغ تشارك في الاستدلال واتخاذ القرارات، فتساعدك في استعادة تركيزك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حين تصنع الكتابة المعنى
حين تختار أن تكتب، فأنت تختار أيضاً أن تصنع معنى لما تعيشه. وتشير دراسات إلى أن الشعور بالقدرة على الفعل شرط للكتابة ونتيجة لها في الوقت نفسه.
ومن المعروف منذ زمن طويل أن الكتابة نشاط ذهني لا يستخدمه الناس للتواصل فحسب، بل لفهم التجربة الإنسانية أيضاً. وكما يعرف المتخصصون في دراسات الكتابة، فالكتابة صورة من صور التفكير، وممارسة لا يتوقف المرء عن تعلمها طوال حياته. ولهذا تستطيع أن تعيد تشكيل الذهن باستمرار، فهي لا تعبر عن الهوية فحسب، بل تسهم في صنعها أيضاً.
وتساعد الكتابة في تنظيم حالتك النفسية، وتصبح الكلمات التي تكتبها دليلاً على هذه القدرة على التنظيم، وعلى مرونتك النفسية.
وغالباً ما يصور الإعلام المرونة الإنسانية على أنها قدرة استثنائية على الاحتمال، فيما توحي التغطية الإخبارية للكوارث الطبيعية بأن الصدمة كلما اشتدت، ازداد معها النمو الشخصي. كذلك، كثيراً ما يصور علم النفس الشعبي المرونة النفسية على أنها تفاؤل لا يتزعزع. لكن هذه التصورات قد تحجب صور التكيف العادية التي يمارسها الناس في حياتهم اليومية. فأساليب التعامل مع الضغوط، من كتابة رسالة غاضبة على عجل إلى صياغة خطاب استقالة، تعكس بدورها نوعاً من التحول.
بناء المرونة النفسية بالكتابة
يمكن للنصائح التالية، المدعومة بالبحوث، أن تساعدك في جعل الكتابة عادة تعزز مرونتك النفسية:
اكتب بخط اليد كلما أمكن: بخلاف الكتابة على لوحة المفاتيح أو النقر على شاشة جهاز، تتطلب الكتابة بخط اليد تنسيقاً ذهنياً أكبر، وتبطئ وتيرة التفكير بما يتيح لك معالجة المعلومات، والربط بين الأفكار، واستخلاص المعنى منها.
اكتب يومياً: ابدأ بالقليل، وواظب عليه حتى تصبح الكتابة عادة. وحتى تدوين ملاحظات قصيرة عن يومك، وما حدث فيه، وما تشعر به، وما تخطط له أو تنوي فعله، يمكن أن يساعدك في إخراج الأفكار من رأسك والحد من اجترارها.
اكتب قبل أن ترد: عندما تتأجج مشاعرك، دوِّنها أولاً. أبق دفتراً في متناول يدك، واجعل من كتابة ما تريد قوله قبل أن تنطق به عادة. فهذا يمنحك فرصة للتفكير بتأنٍ، ويساعدك على التصرف بوعي ووضوح.
اكتب رسالة لن ترسلها: لا تكتف بتدوين مشاعرك، بل وجهها إلى الشخص أو الموقف الذي يسبب لك الضيق. وحتى كتابة رسالة إلى نفسك يمكن أن تمنحك مساحة آمنة للتنفيس عما يختلجك من مشاعر، من دون القلق من رد فعل شخص آخر.
تعامل مع الكتابة بوصفها عملية متواصلة: في كل مرة تكتب فيها مسودة وتطلب ملاحظات الآخرين عليها، تتدرب على الابتعاد عن نصك والنظر إليه من وجهات نظر مختلفة. كما أن الاستفادة من هذه الملاحظات في المراجعة وإعادة الصياغة تعزز وعيك بذاتك وتبني ثقتك بنفسك.
وربما تكون المرونة النفسية أبسط مما نتصور، فهي حاضرة في اليوميات التي يدونها الناس، ورسائل البريد الإلكتروني التي يتبادلونها، وقوائم المهام التي يعدونها، وحتى المقالات التي يكتبها الطلاب على عجل لأساتذتهم.
فالكتابة نفسها عملية تكيف مستمرة.
إيميلي روناي جونستون أستاذة تدريس مساعدة في دراسات الفنون والإعلام والكتابة العالمية في "جامعة كاليفورنيا"، ميرسيد.
نعيد نشر هذه المقالة من موقع "ذا كونفرسيشن" بموجب رخصة المشاع الإبداعي.