Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل انتهى زمن الحرب الباردة بين أسمرة وأديس أبابا؟

لم تعد القطيعة الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا مجرد تعبير عن خلاف سياسي بل باتت جزءاً من مسار عسكري آخذ في التشكل ينذر بتعميق الخصومة بين البلدين

اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم جماعات المعارضة المسلحة وذلك قبل أيام من تبادل البلدين قطع العلاقات (أ ف ب)

ملخص

مع تأزم العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، قد تستخدم أديس أبابا الحرب في تيغراي لإضعاف القوى التي تعدها امتداداً للمشروع الإريتري، في المقابل قد تلجأ أسمرة لاستخدام نفوذها على الحدود وعلاقاتها مع خصوم الحكومة الإثيوبية لمنع أديس أبابا من تحويل تفوقها العددي إلى سيطرة كاملة على شمال البلاد. وسيصبح ميناء عصب ورقة تفاوضية أكثر من كونه هدفاً عسكرياً مباشراً، إلا إذا انهارت آليات الردع الحالية.

لم تعد العلاقات الإثيوبية - الإريترية تعيش مرحلة توتر يمكن احتواؤها عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، حيث أغلقت إثيوبيا سفارتها لدى أسمرة وطردت 10 دبلوماسيين إريتريين، متهمة إريتريا بدعم التحالف المسلح المناوئ للحكومة الإثيوبية، قبل أن ترد أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا.

وجاءت هذه الخطوة في لحظة كانت الحرب قد عادت بالفعل إلى شمال إثيوبيا، واتسعت عمليات القتال بين القوات الفيدرالية وقوات "التيغراي" وحلفائها إلى مناطق عفر وأمهرة، فيما تعرضت منشآت عسكرية إثيوبية، بل العاصمة أديس أبابا نفسها، لضربات مسيرات نسبت إلى قوى المعارضة المسلحة.

بهذا المعنى، لم تعد القطيعة الدبلوماسية مجرد تعبير عن خلاف سياسي، وإنما أصبحت جزءاً من مسار عسكري آخذ في التشكل. فالعلاقة التي انتقلت عام 2018 من حرب الحدود والعداء المفتوح إلى إعلان السلام بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، ثم تحولت خلال حرب "التيغراي" بين عامي 2020 و2022، إلى شراكة عسكرية بين الجيشين، تبدو اليوم وقد قطعت دورة كاملة لتعود إلى موقع أكثر تعقيداً من ذلك الذي سبق اتفاق السلام، مع فرق أن الخصومة الحالية لا تدور فقط حول الحدود أو تيغراي، بل حول سؤال أكبر يتعلق بمن يمتلك القدرة على تشكيل النظام السياسي والأمني في القرن الأفريقي، ومن يملك مفاتيح الوصول إلى البحر الأحمر.

مسار صراعي ممتد

ويعد ظهور دبرصيون جبريميكائيل رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي ورئيس الإدارة الإقليمية التي أعاد الحزب تشكيلها، في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري إشارة ذات أهمية خاصة. فقد وصف القتال الجاري بأنه مرحلة دفاعية ستنتقل لاحقاً إلى هجمات مضادة، مؤكداً أن الحرب ذات طبيعة سياسية، واتهم آبي أحمد وحكومته بالمسؤولية عن اندلاعها، وأشار أيضاً إلى مشاركة قوى خارجية في الصراع. ولا تكمن أهمية هذا الخطاب في مضمونه السياسي وحده، وإنما في أنه يعكس استعداد القيادة التيغرانية للتعامل مع الحرب باعتبارها مساراً ممتداً وليس جولة قصيرة يمكن إنهاؤها بتسوية سريعة.

 

وهذا يتفق مع تقديرات عسكرية حديثة ترى أن القوات الفيدرالية نجحت في استعادة عدد من المواقع التي خسرتها في بداية الهجوم، لكنها لم تحسم الحرب، بينما أثبتت قوات المعارضة قدرة على نقل العمليات إلى مسافات بعيدة عن الجبهة التقليدية. وقد برز تحول مهم في طبيعة القتال، يتمثل في استخدام المسيرات ضد منشآت عسكرية في أديس أبابا وقواعد جوية إثيوبية، مع تقدير أن الهدف هو استنزاف قدرات الجيش الفيدرالي وتشتيتها بين الجبهة الشمالية والمناطق الداخلية مع احتمال تدخل إريتري مباشر قد يرتفع إذا اقتربت القوات الإثيوبية من الحدود الإريترية أو تمكنت من السيطرة على ميكيلي.

"من الخصومة إلى العداوة"

هنا تظهر المفارقة الكبرى في العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة. فقد قاتل الجيش الإريتري إلى جانب القوات الإثيوبية خلال حرب تيغراي بين 2020 و2022، وكان الطرفان ينظران إلى جبهة تحرير شعب تيغراي باعتبارها عدواً مشتركاً. لكن انتهاء الحرب باتفاق بريتوريا من دون أن تكون إريتريا طرفاً في التسوية خلق أحد أهم أسباب الانقسام اللاحق، فبالنسبة إلى أسمرة، لم يكن اتفاق بريتوريا مجرد تسوية للحرب، بل أعاد إنتاج نفوذ تيغراي السياسي من دون معالجة المخاوف الإريترية. وبالنسبة إلى أديس أبابا، تحولت إريتريا تدريجياً من حليف عسكري إلى قوة خارجية تعمل على منع الحكومة الفيدرالية من إعادة بناء سيطرتها الكاملة على شمال البلاد.

 

لكن العامل الذي جعل هذا التحول أكثر خطورة هو ملف البحر الأحمر. فبعد استقلال إريتريا عام 1993 فقدت إثيوبيا منفذها السيادي إلى البحر، وأصبح اقتصادها يعتمد بصورة أساسية على ميناء جيبوتي. وعلى مدى الأعوام الماضية تطورت قضية الوصول إلى البحر من مطلب اقتصادي إلى قضية مرتبطة بتصور إثيوبيا لمكانتها الإقليمية. وقد ربط آبي أحمد بصورة متزايدة بين مستقبل الاقتصاد الإثيوبي وامتلاك منفذ بحري، بينما ترى أسمرة أن أي محاولة لتحويل الحاجة الإثيوبية إلى حق سياسي أو أمني في استخدام ميناء عصب تمثل تهديداً مباشراً لسيادتها.

مصر الحاضرة في المشهد

وقد عزز هذا التوتر انتقال إريتريا تدريجياً نحو بناء علاقات أكثر وثوقاً مع قوى إقليمية ترى في التحركات الإثيوبية تهديداً لمصالحها. وأصبحت العلاقة مع مصر أحد عناصر هذه المعادلة، في وقت تزايد التعاون بين القاهرة وأسمرة في المجالات البحرية والأمنية. وفي المقابل حافظت إثيوبيا على علاقات وثيقة مع الإمارات، بينما دخل السودان نفسه في الحسابات الجديدة للصراع نتيجة الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع". وبهذا لم تعد الحدود الإثيوبية - الإريترية خطاً فاصلاً بين دولتين، وإنما أصبحت نقطة تقاطع لعدة صراعات إقليمية.

وقد انعكس ذلك في بيان الاتحاد الأفريقي الصادر في الأول من أكتوبر الجاري، الذي لم يوجه رسالته إلى إثيوبيا وإريتريا وحدهما، وإنما شمل مصر أيضاً، داعياً الدول الثلاث إلى ضبط النفس والامتناع عن الخطاب أو الإجراءات التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التصعيد. وهذه الصياغة تكشف اتساع نطاق القلق الأفريقي من الأزمة، حتى وإن كانت لا تعني بالضرورة وجود تحالف عسكري منظم بين القاهرة وأسمرة ومقديشو، كما توحي بعض التقديرات المتداولة.

المشكلة أن انهيار العلاقة الإثيوبية- الإريترية يحدث في وقت لم تعد فيه آليات منع الحرب التي كانت موجودة بعد حرب تيغراي قادرة على أداء وظيفتها. فقد أصبح اتفاق بريتوريا ضعيفاً إلى حد كبير، بينما لم تتمكن الوساطة الأفريقية من إنتاج مسار سياسي فعال يعيد دمج تيغراي في النظام الفيدرالي. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت منذ الـ23 من سبتمبر من أن القتال في تيغراي وانتشاره إلى المناطق المجاورة يمكن أن يقود إلى صراع أوسع، ودعت إلى استئناف الحوار في إطار اتفاق بريتوريا. لكن تطورات الأيام التالية أظهرت أن المسافة بين الدعوة الدولية والقدرة الفعلية على وقف التصعيد لا تزال واسعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والأكثر خطورة أن أطراف الصراع نفسها بدأت تتعامل مع احتمال الحرب الممتدة باعتباره واقعاً سياسياً. فدبرصيون لا يقدم خطابه الأخير على أساس أن قوات تيغراي تسعى فقط إلى الدفاع عن مواقعها، وإنما يشير إلى انتقال لاحق إلى الهجوم المضاد. وفي المقابل تتحرك القوات الفيدرالية باتجاه ميكيلي وتستعيد مواقع في عفر وشمال تيغراي. وبين الطرفين تحاول مجموعات مسلحة أخرى استثمار الحرب لتغيير ميزان القوى في مناطقها. وهذا يعني أن الحرب لم تعد قابلة للاختزال في صراع ثنائي بين أديس أبابا وتيغراي.

تغيير قواعد اللعبة

من هنا يصبح الدور الإريتري هو المتغير الأكثر حساسية. إذا بقيت أسمرة في موقع الدعم السياسي واللوجيستي لقوى مناوئة للحكومة الإثيوبية، فإن أديس أبابا تستطيع محاولة احتواء الصراع داخل الأراضي الاثيوبية. أما إذا تحولت العلاقة إلى تدخل عسكري مباشر، فإن قواعد اللعبة ستتغير بالكامل. ذلك أن الحدود بين تيغراي وإريتريا قصيرة ومفتوحة على مناطق ذات قيمة عسكرية، كما أن أي احتكاك مباشر بين الجيشين يمكن أن يعيد إنتاج حرب 1998-2000 ولكن في بيئة إقليمية أكثر تعقيداً.

لكن الحرب ليست بالضرورة الخيار الأكثر عقلانية لأي من الطرفين. فإثيوبيا تواجه في الوقت نفسه أزمات في أمهرة وأوروميا وتيغراي، وقد أثبتت ضربات المسيرات في العمق الإثيوبي أن الخصوم يستطيعون فرض تكاليف على القوات الفيدرالية خارج مناطق القتال التقليدية. أما إريتريا فرغم امتلاكها قوة عسكرية منظمة وخبرة قتالية كبيرة، فإن الدخول في حرب مفتوحة مع إثيوبيا يعني مواجهة دولة أكبر سكاناً وموارد، في بيئة لن يكون فيها العامل العسكري منفصلاً عن الحسابات الدولية والاقتصادية.

لهذا قد تكون المرحلة المقبلة أقرب إلى حرب ردع متبادل منها إلى حرب شاملة. ستستخدم أديس أبابا الحرب في تيغراي لإضعاف القوى التي تعدها امتداداً للمشروع الإريتري، وستستخدم أسمرة نفوذها على الحدود وعلاقاتها مع خصوم الحكومة الإثيوبية لمنع أديس أبابا من تحويل تفوقها العددي إلى سيطرة كاملة على شمال البلاد. وسيصبح ميناء عصب ورقة تفاوضية أكثر من كونه هدفاً عسكرياً مباشراً، إلا إذا انهارت آليات الردع الحالية.

المزيد من تحلیل