ملخص
فازت رواية "كوميديا الجنائز" لسفيان رجب و"القلادة الروسية" لمحمد عيسى المؤدب بجائزة عبدالوهاب بن عياد للأدب، بالمناصفة، والجائزة مخصصة للرواية التونسية المكتوبة بالعربية أو بالفرنسية. والروايتان صادرتان عن منشورات مسكيلياني. وقيمة كل جائزة 10 آلاف دينار تونسي.
تحتاج بعض الحكايات إلى شيء صغير كي تعود إلى الحياة: قناع يخرج من المسرح، قلادة تعبر البحر، شخصية تبحث عن دورها، أو مهاجر يحمل وطناً كاملاً داخل ذاكرته. من هذه التفاصيل تتسع الرواية لتلتقط زمناً بأكمله، وتعيد إلى الواجهة أصواتاً ووجوهاً تركتها السنوات خلفها.
"كوميديا الجنائز "... المسرح حين يقترب من الحياة
يأخذ سفيان رجب في "كوميديا الجنائز" قارئه إلى تونس صيف 2012، في السنوات الأولى التي أعقبت الثورة، ويضع المسرح في قلب الحكاية. تدور الرواية حول مجموعة من المسرحيين، وتتشكل أحداثها من العلاقة بين الممثل والدور الذي يؤديه. تتقدم الشخصيات بين الخشبة والشارع، وتتداخل الأدوار مع تفاصيل الحياة اليومية، فيتحول التمثيل إلى تجربة يعيشها أصحابها خارج حدود العرض.
تظهر في الرواية شخصيات تحمل أدواراً متباينة، من بينها قيس المتشرد، والشيخ السلفي، وشخصية ليلى العامرية. ومن خلال هذه الشخصيات يفتح الكاتب مساحة للتهكم والمفارقة، ويستعيد جانباً من التحولات الاجتماعية والفكرية التي عاشتها تونس في مرحلة ما بعد الثورة.
ويحضر المسرح داخل الرواية بأكثر من صورة، عبر الكتابة المسرحية والأداء والشخصيات التي تتحرك بين الدور والحياة، وتظهر شخصية "الإمبراطور"، الصحافي والمسرحي الذي ينتمي إلى جيل أقدم، وتحمل تجربته صلة خاصة بتاريخ المسرح والكتابة في تونس. هذا التداخل يمنح عنوان الرواية دلالته الخاصة. فـ"الكوميديا" تستدعي عالم العرض والأداء، بينما تحضر "الجنائز" في الطرف الآخر من العنوان، لتلتقي الفرجة بالموت داخل عالم سردي تتحرك فيه الشخصيات فوق مساحة فاصلة بين الواقع والمسرح.
وتبدو تونس 2012 في الرواية فضاءً مناسباً لهذا النوع من اللعب السردي. مرحلة سياسية جديدة، وأسئلة اجتماعية متلاحقة، ومجتمع يعيد اكتشاف صورته، فيما يبحث المسرحيون عن مكانهم وسط هذا التحول. الرواية تستثمر تعدد الأصوات والنصوص والتقاطعات المسرحية، وتبني عالماً تتجاور فيه الحكايات والشخصيات والأدوار.
" القلادة الروسية"... حكاية تبدأ من شيء صغير
في " القلادة الروسية " يتحرك محمد عيسى المؤدب في اتجاه زمني مختلف، عائداً إلى بنزرت أواخر سنة 1920، حين وصلت إلى المدينة مجموعة من الروس الهاربين من الحرب التي أعقبت الثورة الروسية. في قلب الرواية تحضر أولينا نيفسكي، وتحضر معها قلادة سلافية ورثتها عن أمها. تحمل القلادة معنى خاصاً بالنسبة إليها، قبل أن تضيع في مرحلة متقدمة من حياتها. ومن لحظة الضياع يبدأ البحث، فتتسع الحكاية من قطعة صغيرة إلى تاريخ كامل من الهجرة والذاكرة والمنفى.
تستعيد الرواية حضور الروس في بنزرت، وتفتح في الوقت ذاته نوافذ على جماعات أخرى عاشت في تونس، من بينها المالطيون والإيطاليون. ومن خلال هذه المسارات، تظهر المدينة فضاءً تتقاطع فيه مصائر الوافدين مع تاريخ المكان وتحولاته.
اختار المؤدب للبحث عن القلادة مساراً يحمل ملامح الرواية البوليسية، بحيث تصبح عملية البحث وسيلة لتحريك الحكاية واستعادة طبقات من الماضي. وتتصل الأحداث بمحطات أخرى من التاريخ التونسي، بينها أحداث بنزرت سنة 1961، لتتسع الرواية زمنياً وتتداخل فيها الحكاية الفردية مع الذاكرة الجماعية.
القلادة هنا أكثر من قطعة تذكارية. إنها أثر مادي لوطن بعيد، ووسيلة سردية تفتح أبواب الذاكرة. وكلما تحرك البحث عنها، ظهرت حكايات جديدة عن الذين عبروا المتوسط وحملوا معهم أسماءهم وذكرياتهم وأشيائهم. في هذا السياق، تواصل "القلادة الروسية" اشتغال محمد عيسى المؤدب على موضوعات الهجرة والهوية والتعايش بين جماعات مختلفة، وهي موضوعات حضرت في عدد من أعماله السابقة، بينما تمنح الرواية الجديدة لهذه الأسئلة إطاراً تاريخياً مختلفاً.
روايتان... وذاكرة واحدة
تتقاسم "كوميديا الجنائز" و"القلادة الروسية" الجائزة، وتلتقيان أيضاً عند مساحة أوسع تتعلق بالإنسان وذاكرته وعلاقته بالمكان. عند سفيان رجب يأتي القناع من المسرح، ثم يبدأ في ملاحقة صاحبه داخل الحياة. الممثل يؤدي شخصية، والشخصية تفتح أمامه أسئلة عن المجتمع والهوية والدور الذي يختاره الإنسان أو يجد نفسه داخله.
وعند محمد عيسى المؤدب تأتي القلادة من الماضي، تحمل ذاكرة امرأة ووطن، ثم تقود إلى شبكة من الحكايات التي ربطت بنزرت بمهاجرين جاؤوا من الضفة الأخرى للمتوسط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بين الروايتين مسافة زمنية واسعة، من تونس ما بعد الثورة إلى بنزرت في عشرينيات القرن الماضي، وبينهما اهتمام بالإنسان وهو يواجه تغير المكان والزمان، ويبحث عن أثر يمكن أن يعيد ترتيب ذاكرته.
القناع والقلادة شيئان صغيران في عالم الروايتين، لكنهما يفتحان أبواباً واسعة. القناع يقود إلى سؤال الهوية والدور، والقلادة تقود إلى سؤال الوطن والذاكرة. ومن خلالهما تستعيد الرواية وجوهاً غائبة، وتعيد ترتيب علاقة الإنسان بالمكان الذي عاش فيه أو اضطر إلى مغادرته.
في فوز الروايتين معاً، تبدو الرواية التونسية قادرة على التحرك في أكثر من زمن وأكثر من فضاء. يمكنها أن تدخل إلى خشبة المسرح وتراقب ممثلاً يبحث عن شخصيته، كما يمكنها أن تعود إلى ميناء بنزرت لتتبع أثر مهاجر حمل معه جزءاً من وطنه. هكذا تتحول التفاصيل إلى مفاتيح. قناع على خشبة، وقلادة في يد امرأة، ومن خلفهما عالم كامل من الحكايات.
يأتي هذا الفوز ليؤكد حضور سفيان رجب ومحمد عيسى المؤدب ضمن المشهد الروائي التونسي، بما راكماه من تجارب وأسئلة وأساليب مختلفة في الكتابة. ومع وصول "كوميديا الجنائز" و"القلادة الروسية" إلى جائزة عبدالوهاب بن عياد، تمتد قيمة التجربة من الرواية التونسية إلى المشهد العربي، حيث تواصل الرواية التونسية تقديم أصوات قادرة على صناعة حكاياتها الخاصة والانفتاح على أسئلة الإنسان والذاكرة والتاريخ.