Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب تحرم السودان صمغه العربي

يواجه المنتجون معاناة بالغة التعقيد عند نقل المحصول من الغابات إلى الأسواق وبورصة مدينة الأبيض

يعرض رجل سوداني الصمغ العربي في غابة "ديموكايا" البحثية التابعة للدولة شرق مدينة الأبيض (أ ف ب) 

ملخص

 يوثق خبراء الأمم المتحدة المعنيون بالسودان أن تجارة الصمغ العربي تضررت إلى حد كبير، مع انخفاض الإنتاج السنوي من نحو 150 ألف طن إلى 60 ألف طن، وخسارة إيرادات تقارب 198 مليون دولار سنوياً، ونهب ما لا يقل عن 3700 طن من المحصول خلال النصف الأول من عام 2024، وهو ما ألحق خسائر مباشرة بالمنتجين والتجار.

لا تزال تداعيات الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" تشكل اضطراباً في محصول الصمغ العربي، الذي ظل لعقود طويلة مصدراً للدخل والعملة الأجنبية، ومورد رزق لمجتمعات واسعة في الريف، لكن سيطرة "الدعم السريع" على مناطق إنتاجه في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى الرسوم والجبايات الباهظة التي تفرضها الميليشيات على التجار والشاحنات، علاوة على تهريبه عبر حدود السودان المفتوحة، أدت إلى تراجع حاد في المحصول الإستراتيجي وحركة وارده إلى بورصة مدينة الأبيض، جراء الصراع الدائر في البلاد، بعد أن تحولت مناطق رئيسة إلى ساحات للقتال، وتعرّض المنتجون والتجار الذين ينشطون في هذا القطاع إلى الاحتجاز التعسفي والنهب والتهديد والابتزاز، مما جعل جمع الصمغ العربي محفوفاً بالأخطار.

وبحسب تقارير صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فقد كان السودان يستحوذ على 80 في المئة من الصادرات العالمية للصمغ العربي الخام، قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، بينما تراوحت صادراته السنوية ما بين 111 مليون دولار و183 مليون دولار، لكن هذه الأرقام لا تعكس وحدها أهمية القطاع، بل اعتماد عدد كبير من المنتجين والتجار والعاملين في جني الصمغ، داخل مناطق الحزام، على هذه السلعة العالمية.

ويوثق خبراء الأمم المتحدة المعنيون بالسودان أن تجارة الصمغ العربي تضررت إلى حد كبير مع انخفاض الإنتاج السنوي من نحو 150 ألف طن إلى 60 ألف طن، وخسارة إيرادات تقارب 198 مليون دولار سنوياً، ونهب ما لا يقل عن 3700 طن من المحصول خلال النصف الأول من عام 2024، وهو ما ألحق خسائر مباشرة بالمنتجين والتجار.

 

وتؤكد تقارير "مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" أن الحرب أعادت تشكيل تجارة الصمغ العربي وفق خطوط سيطرة الجيش، الذي يتجه إلى ميناء بورتسودان، بينما تمر كميات كبيرة من مناطق خاضعة لـ "الدعم السريع"، عبر طرق التهريب إلى دول مجاورة.

في المقابل، أدى سقوط مدينة النهود، التي تعد أكبر مناطق الإنتاج في يد "الدعم السريع"، إلى تعرض كميات وافرة من الإنتاج  للنهب، وإعادة تصديرها عبر سوق أدريكونق إلى تشاد، بينما يتعذر وصول إنتاج ولاية غرب كردفان ومنطقة برام من هذا المحصول إلى بورصة الأبيض، بسبب نفوذ قوات "الدعم السريع".

تعقيدات بالغة

في السياق، أشار رئيس شعبة مصدري الصمغ العربي، أحمد عنان، إلى أن "هناك معاناة بالغة التعقيد يواجهها منتجو الصمغ العربي، بخاصة عند نقله من الغابات إلى الأسواق وبورصة مدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان، كون المنتجين يتعمدون تجنب المناطق التي تنشط فيها المواجهات العسكرية، مما يؤدي إلى قطع مسافات تستهلك وقتاً طويلاً".

 

وأوضح عنان أنه "من المؤسف أن غالبية غابات الصمغ العربي تقع في محاور تحتدم فيها المعارك، وأن المنتجين يعانون ظروفاً قاسية جراء تداعياتها، مما أسهم في نزوح معظمهم، علاوة على التهديدات الأمنية على الطرق، وبعد المسافة عن مواقع الإنتاج، ولا سيما أن ما يجري الآن اجتهادات فردية من المنتجين وصغار التجار وشركات الصادر"، لافتاً إلى أن "ما يهدد سلعة الصمغ العربي هي عمليات التهريب التي تتزايد معدلاتها بصورة كبيرة، في ظل عدم الاستقرار الأمني والرقابة على الحدود، بخاصة أن حزامه يمتد من أقصى غرب البلاد إلى أقصى الشرق".

أضرار وتراجع

المزارع أبو بكر الفكي، وهو أحد منتجي الصمغ العربي في ولاية غرب كردفان، يقول إن "الحقول المنتجة لهذا المحصول تعرضت إلى تلف وأضرار واسعة، نتيجة توقف الزراعة في عدد من مناطق الإنتاج، خصوصاً في دارفور وكردفان، مما أسهم في تراجع الوارد إلى الأسواق وبورصة مدينة الأبيض التاريخية"، موضحاً أن "القطع والرعي الجائر الذي طاول أشجار الهشاب، التي تعد مصدراً أساساً في استخراج الفحم النباتي، فضلاً عن تعديات النازحين للاستهلاك كبديل للطاقة والبناء، لعب دوراً كبيراً في تدمير هذا القطاع، وهنا لا بد من فرض قوانين صارمة، وتفعيل التشريعات في شأن عملية القطع العشوائي الذي يمارس في غابات الصمغ العربي، والتي ظلت ركيزة للاقتصاد المحلي لعقود طويلة".

وتابع الفكي أن "آلافاً من منتجي الصمغ العربي يواجهون عقبات في جمع المحصول، بسبب وقوع مناطق الإنتاج في مرمى خطوط الصراع، في وقت يعمل داخل هذا القطاع نحو  5 ملايين شخص في 13 ولاية مختلفة، بينما يحتل حزامه في السودان مساحة تبلغ 500 ألف كيلو متر، وعقب اتساع رقعة الحرب لتمتد إلى ولايات كردفان ودارفور، كانت خسائر منتجي هذا المحصول فادحة".

 

وأشار المزارع إلى أن السودان يتمتع بثروة غابية هائلة، بخاصة في أشجار الهشاب، لكن الحرب أسهمت في تناقص المنتج على نحو متسارع، ولا سيما أن ما يعترض حركته في الوقت الحالي ارتكازات قوات "الدعم السريع".

تأثيرات مباشرة

وعلى نحو متصل، أوضح المحلل الاقتصادي والمهتم بقطاع الصمغ العربي في السودان، إبراهيم الكناني، أن "الحرب أثرت بصورة كبيرة في سلعة الصمغ العربي، إذ إن السودان كان يمتلك القيمة الأكثر إنتاجاً بنسبة 80 في المئة"، مشيراً إلى أن "المعلومات المتداولة عن أن الصمغ العربي من الموارد التي تدعم الحرب حقيقة ماثلة، على رغم تراجع الإنتاج إلى حوالى 50 في المئة، نتيجة تمدد النزاع في مناطق الإنتاج في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، فضلاً عن نزوح المزارعين من أصحاب الجناين والعاملين في طق الصمغ العربي إلى مناطق أكثر أماناً، مع التركيز على الرسوم المرتفعة ونهب المخازن وسرقة المحصول وتهريبه إلى بلدان مجاورة، إضافة إلى أن انعدام غاز الطهي أدى إلى قطع الأشجار المنتجة للصمغ، خصوصاً في غرب كردفان، فضلاً عن انقطاع الوارد من صمغ الطلح من مناطق هجليج والضعين والمجلد، كونها واقعة تحت سيطرة 'الدعم السريع' التي تعمل على مصادرة المحصول".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وزاد الكناني أنه "من المؤسف أن هذه العوامل مجتمعة رمت بظلالها السلبية على إنتاج الصمغ منذ اندلاع الصراع بين طرفي الحرب، وحالت دون وصول وارداته إلى بورصة مدينة الأبيض"، متابعاً أن "الصمغ العربي يدخل في مئات المنتجات الصناعية والغذائية، بوصفه مستحلباً ومثبتاً ومكثفاً، فضلاً عن المشروبات الغازية والحلويات ومنتجات الألبان والأدوية ومستحضرات التجميل، إضافة إلى الأحبار والطباعة والمواد اللاصقة وبعض الصناعات الكيماوية، مما يستدعي إجراء تدخلات عاجلة لإنقاذ هذا المورد الإستراتيجي".

خسائر اقتصادية

وعلى الصعيد نفسه، يرى الباحث الاقتصادي محمد الناير أن "الصمغ العربي المنتج في كردفان يعد من المحاصيل النقدية المهمة، ولا سيما صمغ الهشاب المرغوب على مستوى العالم، لما يتميز به من خصائص عالية الجودة، لكن هذا المنتج تأثر بوجود مليشيات 'الدعم السريع' المتمردة في مناطق إنتاجه، مما أدى إلى صعوبة إمداده إلى بورصة الأبيض"، موضحاً أن "تحرير هذا المنتج يتوقف على تقدم الجيش في المحاور المختلفة بعد سودري والمزروب والخوي ثم النهود، ليكون معظم إنتاج الصمغ العربي تحت سيطرته، وضمان إمكان تدفقه بصورة منتظمة إلى بورصة الأبيض، بينما يتوقف هذا على تخطي الجيش ولاية غرب كردفان وصولاً إلى دارفور".

ويتابع الباحث الاقتصادي أن "الصمغ العربي يأتي إلى سوق الأبيض حالياً، لكن ليس بالكميات التي كان عليها قبل الحرب، إضافة إلى تأثر بورصة النهود التي تعد من البورصات الحيوية بسبب سيطرة 'الدعم السريع' على المدينة لقرابة 16 شهراً، وقد حالت الحرب دون وصوله إلى البورصة، مع نشاط تهريبه بصورة ممنهجة إلى دول الجوار.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير