ملخص
قال المحلل الفرنسي كليمنت مولان، المتخصص في الاستخبارات المفتوحة المصدر، إن الأشهر القليلة المقبلة قد تكون أسوأ الأشهر من حيث عدد الضربات على كييف والمنطقة منذ بدء الصراع في عام 2022.
يأمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكبار جنرالاته في إنهاء الحرب ضد أوكرانيا بشروط الكرملين خلال الأشهر المقبلة، ويذهب البعض إلى تحديد تواريخ قصوى لاستسلام كييف في موعد أقصاه نوفمبر (تشرين الثاني) 2027.
وأشار مراقبون غربيون إلى أن روسيا قد تحاول إجبار أوكرانيا على الاستسلام بحلول ربيع عام 2027، وقدروا أن موسكو قادرة على استخدام حملة واسعة النطاق من الضربات المشتركة لتحقيق ذلك، وأن بوتين لا يخطط لحملة لا نهاية لها من الضربات ضد أوكرانيا، لأنه يحاول إجبار كييف على الاستسلام بممارسة حصار ميداني ومعلوماتي وضغوط عسكرية ودبلوماسية عليها تفوق قدرتها على تحملها.
توقعات معهد دراسة الحرب!
لكن المحللين في معهد دراسة الحرب الأميركي، يعتبرون أن السلطات الروسية لا تخطط لحملة جوية طويلة الأمد، بل تسعى إلى تحقيق استسلام أوكرانيا بضربات مشتركة موجعة بحلول ربيع عام 2027. وبحسب تقرير أصدره هذا المعهد أخيراً، تتضمن استراتيجية روسيا لخريف وشتاء 2026-2027 شنّ ضربات واسعة النطاق باستخدام طائرات مسيّرة نفاثة وصواريخ باليستية. ويتوقع الكرملين أن يؤدي نقص صواريخ باتريوت ومحدودية قدرات اعتراض الطائرات المسيّرة العالية السرعة إلى ضغط كبير على قطاع الطاقة والبنية التحتية الحيوية في أوكرانيا.
وبحسب السيناريو الذي طرحه الباحثون، يمكن للقوات الروسية تكثيف هجماتها ومضاعفتها، بما في ذلك زيادة عدد عمليات إطلاق الطائرات المسيّرة النفاثة من طراز جيران.
وقال المحلل الفرنسي كليمنت مولان، المتخصص في الاستخبارات المفتوحة المصدر، إن الأشهر القليلة المقبلة قد تكون أسوأ الأشهر من حيث عدد الضربات على كييف والمنطقة منذ بدء الصراع عام 2022.
ويشير إلى أن حملة الضربات الروسية المستمرة تستند إلى عدم قدرة أوكرانيا على اعتراض الطائرات المسيّرة الروسية التي تعمل بالطاقة النفاثة، فضلاً عن نقص صواريخ باتريوت الاعتراضية للدفاع ضد الصواريخ الباليستية في شتاء 2026-2027، موضحاً أن مواقع الطاقة وغيرها من البنى التحتية الحيوية في أوكرانيا لن تكون قادرة على الصمود أمام ضربات موسكو خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وجاء في التقرير "قد لا يكون بوتين يأخذ في الحسبان الكلف الطويلة الأجل لحملة الضربات الروسية إذا كان يتوقع انهيار أوكرانيا واستسلامها هذا الشتاء. ومن غير المرجح أن يتنازل بوتين عن مطالبه أو ينخرط في مفاوضات جادة لوقف إطلاق النار حتى يجري تأكيد نظريته الجديدة".
وصرح الرئيس الروسي بأن الضربات الانتقامية التي تشنها قواته تسبب أضراراً جسيمة لدرجة أن السلطات الأوكرانية، على حد قوله، بدأت في التفكير بإيجاد مخرج من وضعها الميؤوس منه.
وخلال الـ25 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلن بوتين أن أوكرانيا "يجب أن تشعر" بعواقب الضربات الروسية مما يشير إلى أنه يعتزم تكثيف حملته خلال فصل الشتاء. ووفقاً لمعهد دراسات الحرب، يأمل الكرملين في تحقيق أهدافه من خلال حملة ضربات جوية مكثفة، تجنبه موجة تعبئة جديدة، تنطوي على أخطار اجتماعية وعسكرية واقتصادية لموسكو.
في الوقت نفسه، يشير المحللون إلى هشاشة هذه الاستراتيجية، بسبب تصاعد هجمات أوكرانيا على الأراضي الروسية، التي قد تجبر الخسائر الناجمة عنها في صفوف القوات الروسية على خطوط المواجهة، الكرملين على إعلان التعبئة العامة في وقت مبكر من خريف هذا العام.
بوتين يبلغ ترمب بطموحاته
استغل بوتين مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الثامن من سبتمبر الماضي، لإبلاغه بروايته المتفائلة عن الوضع الميداني على خطوط الجبهة، وما تحرزه قواته من تقدم مما يشجع موسكو على الإصرار على مطالبها القصوى.
وتظهر تصريحات مسؤولي الكرملين أن موقف بوتين التفاوضي لم يتغير منذ أن عرضت الولايات المتحدة خطة سلام من 28 بنداً مواتية جداً لروسيا خلال نوفمبر 2025، على رغم أن مسار الحرب لم يتحول بصورة ملحوظة لمصلحة موسكو جذرياً منذ ذلك الوقت.
وهنا يصر الكرملين، تحديداً، على موقفه الراسخ بضرورة قبول أوكرانيا لجميع مطالب روسيا، على رغم التغيرات الملحوظة التي طرأت على ديناميكيات ساحة المعركة.
الواقع الميداني على الأرض
تشير تقديرات معهد دراسات الحرب إلى أن القوات الروسية حققت تقدماً صافياً بلغ 2403.77 كيلومتر مربع (2485.22 كيلومتر مربع مع احتساب عمليات التسلل) عبر خط المواجهة، قبل التاريخ الذي أصبحت فيه محادثات خطة النقاط الـ28 علنية، أي منذ مارس (آذار) 2025 وحتى نوفمبر من العام نفسه. وقد حققت القوات الروسية مكاسب تكتيكية كبيرة في محاور بوكروفسك وكوبيانسك وهوليابولي خلال تلك الفترة.
لكن ديناميكيات خط المواجهة خلال الأشهر الستة الماضية كانت مختلفة تماماً، إذ يقدر معهد دراسات الحرب أن القوات الروسية تكبدت خسائر صافية في الأراضي التي تقدمت إليها - 195.19 كيلومتر مربع - وكسبت صافي 361.47 كيلومتر مربع، بما في ذلك عمليات التسلل عبر خط المواجهة بين الثامن من مارس والثامن من سبتمبر الماضيين، في أعقاب زيارة ويتكوف وكوشنر إلى كييف.
ويعتبر هذا المعهد الأميركي، أن القوات الأوكرانية حققت مكاسب ملحوظة في ساحة المعركة خلال شتاء وربيع عام 2026. وهي شنت هجوم أليكساندريفكا المضاد في ربيع وصيف العام الحالي، الذي حرر 26 مستوطنة وأكثر من 745 كيلومتراً مربعاً في مقاطعات دونيتسك ودنيبروبيتروفسك وزابوريجيا.
في المقابل، لا تزال القوات الروسية تكافح للوصول إلى سلوفيانسك وكراماتورسك ودروجكيفكا - حزام الحصون الأوكراني الشديد التحصين - ناهيك عن الاستيلاء عليها، وذلك انسجاماً مع المزاعم الروسية المستمرة أن معدل تقدم قوات موسكو يتوافق مع الموعد النهائي الأخير الذي حدده بوتين للاستيلاء على مقاطعة دونيتسك بأكملها بحلول الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
آراء المراقبين!
أقر جون لوي، الممثل السابق لحلف "الناتو" في موسكو، بصحة مزاعم روسيا في شأن تفوق جيشها على القوات المسلحة الأوكرانية في ساحة المعركة. وقال "يعتقد الرئيس فلاديمير بوتين أنه منتصر، وأعتقد أنه محق. وأرى أن كثراً في الدول الغربية بدأوا يعتقدون أن الوضع يتغير، لكن هذا مضلل، لأن الروس هم المسيطرون في الجو، وهم في الواقع يجعلون الأوكرانيين يدفعون ثمن ما فعلوه".
وأعلن المحلل العسكري الروسي فاسيلي دانديكين أنه من المرجح أن تستسلم أوكرانيا في ربيع عام 2027. وقال لموقع "غازيتا رو" إن استسلام أوكرانيا في ربيع عام 2027 أمر مرجح للغاية إذا استمرت الضربات الصاروخية والطائرات من دون طيار ضد المجمع الصناعي العسكري ومرافق الاتصالات والمعلومات في البلاد بالتصاعد.
وأكد المحلل ألكسي موشكوف، أنه "يبدو أن الإجماع الغربي في شأن أوكرانيا بدأ يظهر تصدعات خطرة. لا تنبع هذه التصدعات من اختلافات أيديولوجية، بل من أسباب عملية للغاية: الإرهاق المالي والسياسي. فأوكرانيا لا تخوض الحرب على حسابها الخاص، بل على حساب الغرب".
فشل الجهود الدبلوماسية
فشلت زيارة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر الأخيرة إلى موسكو، التي كان من المفترض أن تعيد إحياء مسار المفاوضات، في تحقيق أي اختراقات جوهرية، إذ اقتصرت عملياً على "زيارة مجاملة". وهذا يمكن استنتاجه مما قاله ويتكوف "كنا نجلس هنا ننتظر لقاءك يا فلاديمير فلاديميروفيتش ... نتناقش حول كيف أننا عندما نتقاعد، سنحمل معنا كثيراً من الذكريات والقصص الرائعة لنرويها لأحفادنا، وستكون هذه القصة في مقدمتها".
ووفقاً لوكالة "بلومبيرغ"، فإن مصادر الكرملين "متشائمة للغاية" في شأن نتائج وآفاق هذه المهمة الدبلوماسية، بينما كتبت صحيفة "فايننشال تايمز" أن المفاوضين الأميركيين لم يقدموا "أفكاراً جديدة تذكر" إلى موسكو، في محاولة لإحياء مقترحات قديمة سبق رفضها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلاصة القول، كما خلصت "بلومبيرغ"، هي أن الزيارة "فشلت في كسر الجمود" في موقف بوتين، الذي، على العكس من ذلك، يزداد تصلباً بسبب إيمان الكرملين بالتفوق العسكري.
الرهانات الصعبة واستراتيجية بوتين الجديدة
يسود اعتقاد بين الجنرالات الروس أنه بحلول شتاء 2026-2027، لن تتمكن أوكرانيا من إسقاط الطائرات المسيرة النفاثة بصورة فعالة ولن يكون لديها ما يكفي من صواريخ باتريوت للدفاع عن نفسها ضد الصواريخ الباليستية.
وتفترض النخب العسكرية في موسكو أن البنية التحتية الحيوية لقطاع الطاقة في أوكرانيا وغيرها من القطاعات الحيوية لن تصمد أمام الهجمات الروسية خلال الأشهر المقبلة، وبخاصة أن روسيا تولي أهمية بالغة لطائرات "جيرانيوم" المسيّرة النفاثة في هذه الاستراتيجية.
ويشير المحللون إلى أن الرئيس الأوكراني حدد الشروط التي يجب تلبيتها لدفع روسيا إلى الموافقة على "سلام عادل"، موضحاً أن الصواريخ والطائرات المسيرة الأوكرانية هي "حجج أوكرانيا المؤيدة للسلام العادل".
حصار طرق الإمداد ومراكز البيانات
علاوة على الضربات العسكرية المتصاعدة بواسطة الصواريخ الباليستية وطائرات "جيرانيوم" المسيّرة النفاثة، تسعى روسيا إلى عزل أوكرانيا ميدانياً ومعلوماتياً بصورة تدرجية، بما في ذلك من خلال فرض حصار في البحر الأسود، وضرب مراكز البيانات.
وأوضح الجنرال ألكسندر زيبكين في حديثه إلى "اندبندنت عربية" ذلك بالقول "تعزل روسيا أوكرانيا عن العالم الخارجي. ويجري ذلك بصورة أساسية عبر البحر الأسود. فنحن نشن غارات يومية على منطقة أوديسا الكبرى، ونمنع سفن الشحن وغيرها من السفن التي تحمل أسلحة ومعدات عسكرية وذخائر ومكونات صواريخ كروز وطائرات من دون طيار من الدخول".
وأكد أن القوات الروسية تقيد أيضاً الإمدادات إلى أوكرانيا عبر المعابر الحدودية البرية. وقال "تعمل القوات المسلحة الروسية أيضاً على ضرب المعابر الحدودية مع رومانيا والجسور. فعلى سبيل المثال، قصفت جسر زاتوكا الذي يربط رومانيا بأوكرانيا بخط سكة حديد. وقصفت جسرين بريين، مثل جسر ماياكي. والآن بات من الممكن أيضاً العمل على ضرب المعابر الحدودية في غرب أوكرانيا، مما يسبب صعوبات كبيرة في تلقي المساعدات الغربية".
وبدأت القوات الروسية هجوماً منهجياً على مراكز البيانات في كييف. وبحسب المحلل العسكري أليكسي ليونكوف، فإن "تدمير مراكز البيانات في كييف ليس مجرد محاولة لتعطيل اتصالات العدو، بل هو عملية أوسع نطاقاً لإفقاده القدرة على السيطرة والتحكم. فمنشآت العدو داخل هذه المراكز تعمل على هدف مشترك، وهو خدمة نظام القيادة والسيطرة القتالية".
وأفادت وزارة الدفاع الروسية بأن الضربات بالطائرات المسيرة أسفرت عن تدمير مركز معالجة بيانات شركة "أوميغا تيليكوم" في كييف، وهي إحدى أكبر الشركات المقدمة لخدمات الإنترنت العالي السرعة للقوات الأوكرانية، بما في ذلك تخزين كميات كبيرة من قواعد البيانات. إضافة إلى تدمير مركز معالجة بيانات شركة "كييفستار"، وهي إحدى أكبر الشركات المقدمة لخدمات الاتصالات المحمولة والإنترنت العالي السرعة للقوات الأوكرانية.
وفي ما يتعلق بحملة تدمير البنية التحتية الرقمية في أوكرانيا، يرى المراسل العسكري وبطل روسيا، يفغيني بودوبني، أن هذه الضربات على مراكز البيانات تحد من قدرات العدو في القيادة والسيطرة والتحكم، فالبنية التحتية للاتصالات في أوكرانيا عنصر أساس في نظام القيادة والاستطلاع في الجيش الأوكراني.
فرض الاستسلام طوعاً أو قسراً!
فشلت الجهود الأميركية لإنهاء الحرب في تحقيق أي اختراق حتى الآن، وتوقفت المفاوضات مع تركيز الرئيس ترمب على الصراع مع إيران. وبحسب مصادر مقربة من الكرملين، في ظل غياب الجهود الدبلوماسية، لا ترى موسكو سوى بدائل قليلة لتصعيد الصراع لتحقيق أهدافها العسكرية.
لذلك يرجح المراقبون أن يدفع تصعيد الضربات عدداً متزايداً من المسؤولين الروس، إلى استنتاج مفاده أن بوتين قد يقرر في نهاية المطاف استخدام أسلحة تكتيكية خطرة لم يستخدمها بعد، كملاذ أخير لفرض الاستسلام على أوكرانيا.