ملخص
أيقظت الحادثة التدريبات على احتمال عودة سيناريوهات اختطاف طائرات إسرائيلية، وقد باشرت التدريب على مختلف السيناريوهات ما تسمى بوحدة مكافحة الإرهاب "اليمام". وكشف عن أنه تم استدعاء الوحدة فور انقطاع الاتصال مع الطائرة، وأجرت تدريبات مكثفة وسريعة على مختلف السيناريوهات المتوقعة لضمان إنقاذ ركاب الطائرة في حال تمت السيطرة على الطائرة واختطافها مع ركابها.
جاءت حادثة الطائرة الإماراتية "فلاي دبي"، التي وقعت بعد أقل من 24 ساعة على تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول تهديدات خارجية تستهدف إسرائيل وأمن مواطنيها، التي أدرجها معارضوه وأمنيون ضمن حملته الانتخابية، لتكون مادة دفاعية عن موقفه من جهة، وفي صالح معركته الانتخابية من جهة أخرى.
لم يمر على الحادثة نصف ساعة حتى كان نتنياهو في مكتبه في القدس يبحث مع المؤسسة الأمنية والجهات ذات الشأن سبل التعامل معها، محاولاً في ذلك التغطية على أخطر ما يواجهه في معركته الانتخابية، وهي إخفاقاته في يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، عندما شنت حركة "حماس" هجوماً على إسرائيل، وكشفت تسجيلات وبروتوكولات عن أن نتنياهو وصل إلى مكتبه لبحث الموضوع بعد فترة تتراوح بين ثلاث وأربع ساعات، ولم يحرك ساكناً لإنقاذ السكان. وهذا جانب يشكل إخفاقاً كبيراً ويحمله مسؤولية الحرب، وعملياً هو موضوع مركزي لمعارضيه.
لكن نتنياهو كما هو نتنياهو، لا يرجف له جفن لحديث يخرج ممن يعتبرهم خصومه، حتى ولو وجهوا له التهم الخطرة، واستغل حادثة "فلاي دبي" ليجعل من نفسه نجماً ساطعاً منذ اللحظة الأولى لقطع الاتصال مع الطائرة وحتى ساعات بعد ظهر الخميس، حيث وصل الذروة في وعده ركاب الطائرة بأن يكونوا رواد إيقاد "شعلة الاستقلال"، في اليوم الذي تسميه إسرائيل "عيد الاستقلال".
يومان متواصلان من دون أي توقف أو انشغال في أي موضوع جانبي، قضاهما نتنياهو في الظهور أمام الإسرائيليين في مرافقة الحادثة ودعم ركابها، وجعل من محادثته مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومقابلات مع وسائل إعلام خارجية مادة زخمة روج لها ديوانه في بيانات مكتوبة وتصريحات فيديو على مدار الساعة.
في المقابل، وعلى مدار اليومين، خفتت أصوات المعارضة في الانتخابات، ولم يكن أمامها أي مناص سوى الصمت أمام حدث أمني هدد حياة الإسرائيليين، وهذا حول الساحة كلها لنتنياهو.
يكفي لنتنياهو أن يقول إن "مساعد طيار فلاي دبي المتجهة لتل أبيب انتحاري متطرف حاول إسقاط طائرة تحمل إسرائيليين"، فبالنسبة إلى الإسرائيليين عاد الرجل القادر على ضمان أمن إسرائيل والإسرائيليين بكل قوته، كما وصفه إسرائيليون، والأمر نفسه بالنسبة إلى تهديدات نتنياهو وتحريضه في كل ما يتعلق بالحادثة، وهذه سجلت نقطة لصالحه.
نتنياهو لم يوجه حديثه لعموم الإسرائيليين بكل ما يتعلق بالأمن، فحسب، بل أيضاً للمعارضة التي تبني في تشكيل أية حكومة مقبلة على التحالف مع رئيس القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس، المقرب من الإخوان المسلمين، فنتنياهو، وخلال حديث عن الحادثة، قال "منفذ العملية خضع لتلقين عقائدي إسلامي متطرف، ثم أضاف أنه انتحاري".
هذه الجملة تحديداً ليست صدفة، فنتنياهو لم يأخذ منصور عباس في حسابات أية حكومة قد يشكلها، وقد رفضه في الانتخابات السابقة على رغم استعداد عباس لدخول ائتلاف مع نتنياهو.
تركيز نتنياهو في الحادثة كان ضمن اختيارات عدة تعود لصالحه، وقد نجح في التطرق لجوانب أخرى، كل منها يشكل مكسباً له، بينما كان متوقعاً أن يركز في كل ظهوره وحديثه عن "فلاي دبي" على إيران، التي أبقى الإسرائيليون سيناريو أن يكون العماني الذي هجم على قمرة الطائرة مبعوثاً من إيران أو جهات مقربة لها.
نتنياهو لم يكتف بذلك، بل دفع وزير دفاعه يسرائيل كاتس، لاستكمال الحلقة الانتخابية هذه، فكرر تهديدات رئيس حكومته بلغة أخرى، فقال إن الحادثة هي محاولة هجوم متشدد، وأضاف "وفق المعلومات الأولية المتوفرة لدينا، كانت نية المهاجم واحدة: تحطيم الطائرة بجميع ركابها"، وربط الحادثة مباشرة بالتحذيرات الأمنية التي أطلقها هو ونتنياهو، وقال "عندما يطلق رئيس الحكومة وأنا تحذيرات وإنذارات أمنية تستند إلى معلومات استخبارية، فمن الأفضل للجميع، سواء أعداؤنا في الخارج أم المسؤولون السابقون غير المطلعين في الداخل، أن يستمعوا إليها ويتعاملوا معها بجدية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"الموساد" مركزي في التحقيقات
جانب آخر من إنجازات نتنياهو في هذا الملف أنه نجح في وضع إسرائيل في مركز التحقيقات في حادثة "فلاي دبي"، بحسب ما أكد مسؤول أمني وأعلن أن جهاز "الموساد" يترأس الجهات الإسرائيلية المشاركة في التحقيقات، في مركزها "الشاباك" وأجهزة الاستخبارات التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي. وبحسب الادعاء، فإن "الموساد" سيكون مركزياً في تحقيقات الخارج، فيما "الشاباك" سيبادر في استجواب ركاب الطائرة والبحث مع الاستخبارات العسكرية عن خلفية منفذ العملية.
في جانب آخر لهذه الحادثة، فقد أيقظت التدريبات على احتمال عودة سيناريوهات اختطاف طائرات إسرائيلية، وقد باشرت التدريب على مختلف السيناريوهات ما تسمى بوحدة مكافحة الإرهاب "اليمام". وكشف عن أنه تم استدعاء الوحدة فور انقطاع الاتصال مع الطائرة، وأجرت تدريبات مكثفة وسريعة على مختلف السيناريوهات المتوقعة، لضمان إنقاذ ركاب الطائرة في حال تمت السيطرة على الطائرة واختطافها مع ركابها.
الركاب يستغلون الحادثة
إذا كان نتنياهو قد استغل حادثة "فلاي دبي" لرفع شعبيته في حملته الانتخابية وغض النظر عن حملة المعارضة ضده، التي تركز على إخفاقاته الأمنية وسياسته في أطول حرب تخوضها إسرائيل، فإن ركاب الطائرة، وقبل مرور 24 ساعة على الحادثة وقبل اتضاح أية تفاصيل عن العملية وخلفيتها، فتحوا جبهة قانونية واسعة وخرجوا يبحثون عن التعويضات المالية ورفع دعوى ضد "فلاي دبي".
وإلى جانب رجال القضاء الذين خرجوا للحديث عن الجانب القضائي والتعويضات، أوضح خبراء في قانون الطيران أن السوابق القضائية السابقة في المحكمة العليا تعترف بالتعويض عن الضرر النفسي.
ونقل عن المحامي آشر روتباوم، الخبير في قانون الطيران والدعاوى ضد شركات الطيران، قوله "حقيقة أن الطائرة هبطت في نهاية المطاف بسلام لا تعفي شركة الطيران من المسؤولية، وقد يجد كثير من الركاب أنفسهم مستحقين لتعويضات كبيرة".
وبحسبه، فمن الناحية القانونية، نقطة الانطلاق هي اتفاق مونتريال الذي يسري على النقل الجوي الدولي، إذ يفرض الاتفاق المسؤولية على شركة الطيران عن الضرر الناجم عن "حادثة" وقعت على متن الطائرة، وحادثة عنيفة واستثنائية في قمرة القيادة تؤدي إلى هبوط حاد قد يندرج بالتأكيد ضمن هذا التعريف.
وأخرج الإسرائيليون سوابق لدعاوى شبيهة، بينها اختطاف طائرة "إير فرانس" إلى عنتيبي عام 1976، إذ قدم ركاب احتجزوا كرهائن دعاوى ضخمة ضد شركة الطيران. والقضية، التي وصلت إلى المحكمة العليا ومعروفة باسم "قضية دادون"، أدت إلى إقرار تاريخي في القضاء الإسرائيلي، ومفاده بأن الضرر النفسي أيضاً قد يكون، في ظروف مناسبة، قابلاً للتعويض في إطار قوانين النقل الجوي.