ملخص
بعد مرور وقت قصير على الاستقالة الاضطرارية للدكتورة جيهان زكي من منصب وزيرة الثقافة في مصر، تشهد الوزارة أزمة عاصفة جديدة استقال على إثرها رئيس دار الأوبرا المصرية رضا الوكيل، وسط توترات تصاحب الدورة المنتظرة لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، فهل ينجح إبعاده من المشهد في امتصاص غضب الموسيقيين؟
بعد نحو ثلاثة أشهر من الاستقالة الاضطرارية لوزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي إثر إدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية، تشهد المؤسسة توتراً جديداً يتمثل في استقالة رئيس دار الأوبرا المصرية الدكتور رضا الوكيل من مهمات منصبه إثر موجة من ردود الفعل الرافضة تصريحات كان أدلى بها خلال المؤتمر الصحافي للإعلان عن الدورة الـ34 من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية في مصر، فبعد ساعات قليلة كتب الوكيل استقالته عبر حسابه الرسمي في موقع "فيسبوك"، بينما لم تصدر أية بيانات من الوزارة حتى الآن، وسط تكتم على مصير المهرجان البارز الذي يأتي كل هذا اللغط قبيل أقل من ثلاثة أسابيع من عقد دورته المرتقبة.
بعضهم يتوقع أن يؤدي هذا التخبط إلى قرار بإلغاء الدورة، ولا سيما أن استقالة رئيس الأوبرا سبقتها اعتذارات متوالية لفنانين كبار يعتبرون من أساسيات المهرجان من عدم المشاركة فيه، اعتراضاً على طريقة إدارة الدورة من الوكيل الذي يعمل أستاذاً للغناء الأوبرالي في الكونسرفتوار، ولم يمر على تعيينه رسمياً في منصبه سوى 98 يوماً بالتمام والكمال.
واللافت أن وزارة الثقافة كانت أعلنت قبيل ساعات من تلك الأزمة توليها إدارة وإقامة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط بعد المشكلات الجمة التي تواجه مجلس إدارة جمعية نقاد السينما القائمة عليه، وهو قرار أثار الاستغراب والدهشة، ولا سيما أن جذور الخلاف بين الفنانين والأوبرا تعود أولاً للأزمة المالية التي أعلنها المسؤولون، بسبب ضعف الموازنة، بالتالي ففكرة التصدي لإقامة مهرجان الإسكندرية من الألف إلى الياء في وقت يواجه المهرجان الموسيقي الرئيس بالأوبرا تهديداً بإقامته هذا العام بدت متناقضة بالنسبة إلى بعضهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من المعروف أن الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، هو القائم بأعمال وزير الثقافة حالياً، في حين يطالب مبدعون ونقاد بضرورة حسم اسم الوزير الذي سيتولى الحقيبة رسمياً بأسرع وقت لحل الأزمات العالقة وغلق الملفات المفتوحة التي وصلت إلى التشكيك في إمكان إقامة دورة جيدة لمهرجان لم يُلغَ ولو مرة واحدة منذ تأسيسه عام 1992 على يد الدكتورة رتيبة الحفني، والمرة الوحيدة التي تأجلت فيها دورته كانت عام 2023 إبان الأحداث في غزة.
أزمة مالية أم أزمة تصريحات؟
بالعودة إلى تصريحات رئيس الأوبرا المستقيل مثار الجدل، تركزت بصورة أساسية على سبب عدم وجود مطربين عرب كثر ضمن جدول المهرجان هذا العام كما جرت العادة، وكذلك غياب اسم الفنان علي الحجار، إذ قال إنه لا توجد موازنة كافية لاستقطاب الفنانين العرب، كما أنه علق على غياب الحجار للمرة الأولى بأنه يرغب في تنويع قائمة المشاركين وعدم تكرارها وعدد مرات مشاركات الحجار في حفلات الأوبرا طوال فترة رئاسته.
من جانبه قال علي الحجار في تغريدة إنه لا ينبغي الحديث عن الفنانين كأن المهرجان يتفضل عليهم، لافتاً إلى أن العكس هو الصحيح، لأن النجوم هم من يضيفون قيمة إلى الأنشطة الفنية، وتابع أنه يرى رئيس الأوبرا تجاهل الحديث عن الموازنة المهينة التي اعتمدتها الأوبرا للفرق الموسيقية.
فيما رد المايسترو هاني فرحات عبر منصة "إكس" أيضاً بصورة حاسمة على جملة "معندناش فلوس كتير زي الدول التانية اللي مش عارفة تصرف فلوسها فين" التي قالها الوكيل تبريراً لعدم وجود مطربين عرب باستثناء عاصي الحلاني أنها "غير دقيقة بخاصة في ما يتعلق بفكرة الموازنة"، مشدداً على أن النجوم العرب عادة لا يتقاضون أجراً مقابل المشاركة في مهرجان الموسيقى العربية، ووصف ما يجري بأنه فشل إداري.
وتابع فرحات في تغريدته، "من فضلكم: لا نُعلق فشل الأشخاص على الدولة، ولا نُعلق فشل الإدارة على مهرجان عريق بحجم مهرجان الموسيقى العربية، المهرجان أكبر من أي شخص وأكبر من أية دورة. ومصر أكبر من أن نستخدم اسمها شماعة لأي تقصير"، ثم أضاف أن "النجاح له ناس اشتغلت عليه، والفشل له مسؤول عنه. فلا نُحمّل البلد والمهرجان فاتورة فشلك".
وكان الوكيل حرص خلال المؤتمر على الرد على الجدل الذي سبق المؤتمر بعد أسابيع حول تدني أجور الفنانين الموظفين بدار الأوبرا الذين يشاركون في أمسياتها بصورة أساسية مقابل رواتب ثابتة، مشيراً إلى أنه يسعى إلى حل تلك المشكلة مع وزارة المالية، إذ كان عدد من الفنانين العاملين في المؤسسة كتبوا تغريدات منذ فترة تتعلق بحصولهم على مئات الجنيهات نظير أدائهم في الحفلات ورواتب زهيدة تتأخر أشهراً عدة، وهو ملف مشتعل وسبب أزمة بين الفنانين وبعض الإداريين.
وتصريحات رضا الوكيل حملت مكاشفة، لكنها كشفت أيضاً عن سوء تقدير وتعبيرات غير موفقة، وفقاً لما قاله عدد من العاملين في الحقل الموسيقي وحتى وفقاً لبعض الموظفين القريبين منه الذين تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" رافضين ذكر أسمائهم، مشددين على أنه شخصية جادة ومباشرة كان يعمل باجتهاد، لكنه غير مؤهل للإدارة بتصريحات على الهواء مباشرة، فلا يفرق بين ما يقال في الغرف المغلقة، وما يقال على الملأ أمام حشود.
استقالة من دون اعتذار
والمفارقة أن بيان استقالة رضا الوكيل جاء محملاً بالاتهامات لمنتقديه، فلم يعتذر من طريقة إدارته للمؤتمر الصحافي الذي حمل تصريحات أثارت الاستياء، واختار أن يقول "قبل أن أترككم في سلام لتكملوا العادات والأساليب السابقة التي أتمنى ألّا تعود التي بدأت خلال فترة قليلة بتعديلها لمصالحنا، وبالفعل نجحت في تغيير بعض السلوكيات والأفعال التي لم ولن أتقبّل وجودها طوال فترة رئاستي لهذا الصرح الكبير، دار الأوبرا المصرية بيتنا الثاني"، من دون أن يوضح ما هي الأفعال التي لا يتقبلها.
وتابع الوكيل "كنت أتمنى أن أكون معكم حتى انتهاء فترة تعييني لأن لديّ المقدرة على التغيير، لكنني لن أقبل أن يتحكم أحد في اختياراتي لفنان مصري أقف معه لثقتي بموهبته الكبيرة وحب الجمهور المصري له"، ولم يوضح من الذي كان يريد أن يتحكم في اختياراته.
والمفارقة أن اللهجة التي تحدث بها الوكيل تسببت في أن يغضب منه أيضاً عدد من الفنانين الذين كان جرى الاتفاق معهم بالفعل، وظهرت أسماؤهم في جدول حفلات الدورة الـ34 من المهرجان، بينهم الفنان محمد ثروت الذي أبدى غضبه الشديد من طريقة حديث الوكيل، وأصدر بياناً حاداً للمرة الأولى في تاريخه تقريباً ومما جاء فيه "طوال مشواري لم أعتَد الحديث عن أية كواليس في العلن، أو عبر الإعلام والبيانات الصحافية، لكن للمرة الأولى أقولها بوضوح ’لن أقبل، ولن أشارك، في إهانة الفن المصري أو الفنانين المصريين‘. وعليه، قررت عدم المشاركة في مهرجان الموسيقى العربية لعام 2026"، وكان ثروت من الفنانين الموجودين عادة ضمن حفلات المهرجان، كما أن اعتذاره من عدم المشاركة بتلك الطريقة يُعد سابقة.
وشملت قائمة المعترضين عدداً من العاملين في الحقل الموسيقي، بينهم الملحن أمير عبدالمجيد الذي كتب تدوينة تحمل اتهامات للوكيل بالفشل الصريح، قائلاً "حضرتك طلعت (خرجت) وصرّحت بتصريح ينم عن جهل حقيقي بقيمة الموسيقى العربية وفرصة لكم للانتقام منها بتحييد النجوم الكبار عن المهرجان بحجة الإفلاس المالي، ونسيت أن نجومنا همّ القيمة الحقيقية واللي (الذين) بيندفع لهم ملايين من الدول اللي معاها (لديها) فلوس وبعدين (أيضاً) كمان تتهم دول مواقفها واضحة ونظيفة اليد بحجة أن معاهم (لديهم) فلوس مش عارفين يعملوا بيها إيه. جهل وحقد وغيرة وتشفّ".
توقيت حرج
الانتقادات أيضاً جاءت من موسيقيين بارزين آخرين وبينهم الموزع عادل عايش والمايسترو مدحت خميس، فيما اعتذرت الفنانة جنات من المشاركة وكذلك أحمد سعد وبهاء سلطان وذلك في وقت سابق، أما مي فاروق فأعلنت صراحة تضامنها مع بيان الفنان محمد ثروت الغاضب.
ووفقاً للمعلن، فمن المقرر أن يتضمن المهرجان هذا العام 22 حفلاً على مدى 11 يوماً، وتقرر إهداء الدورة إلى روح الفنان الراحل هاني شاكر أحد أعمدة المهرجان، ويتولى المايسترو الدكتور محمد الموجي إدارة الدورة، وتواصلت معه "اندبندنت عربية" للوقوف معه على مصير المهرجان، لكنه كان حتى كتابة هذه السطور في اجتماعات عاصفة ومطولة لتحديد آلية التعامل مع الأزمة، فهل ستكفي الاستقالة لامتصاص الغضب وتعود الأمور لطبيعتها ويُعلن استئناف التحضيرات ونشر قائمة النجوم النهائية، ولا سيما أن الوقت قصير للغاية قبيل بدء الفعاليات المقررة من الـ20 وحتى الـ30 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.