ملخص
ينهي الانسحاب الأميركي من العراق أكثر من عقدين من الوجود العسكري المباشر، لكنه لا يعني فك الارتباط مع بغداد، إذ تتجه واشنطن إلى علاقة أمنية ودبلوماسية أقل كلفة. وتتركز المخاوف على استفادة الفصائل الموالية لإيران من الفراغ، مع تعثر جهود نزع السلاح وتمديد المهلة حتى يونيو 2027، مما يجعل نجاح مرحلة ما بعد الانسحاب مرتبطاً بقدرة الحكومة العراقية على فرض سيطرتها.
يمثل الانسحاب الأميركي من العراق، أمس الأربعاء الـ30 من سبتمبر (أيلول)، أحدث القرارات المفصلية التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشرق الأوسط، بانياً على نهج سلفه الديمقراطي جو بايدن الذي مهد للانسحاب خلال أعوام حكمه، بعد التوصل إلى اتفاق في عام 2024 على إنهاء مهمة التحالف الدولي ضد "داعش" تدريجاً، وحصر الوجود العسكري الأميركي في إقليم كردستان العراق.
ونفذ ترمب الخطة التي اعتمدها بايدن بإخراج القوات المتبقية داخل الإقليم في توافق لافت بين إدارتين أميركيتين من الحزبين، لكنه لم يكن كافياً لتبديد المخاوف في شأن تكرار الخطأ الذي ارتكبته إدارة باراك أوباما، عندما تجاهلت تحذيرات الجيش وأصرت على سحب القوات عام 2011، قبل إعادتها عام 2014 ضمن تحالف دولي لقتال تنظيم "داعش" الذي استغل ضعف الدولة العراقية واستحوذ على ثلث مساحة البلاد.
وبينما تصور إدارة ترمب الانسحاب بأنه ضروري لخلق علاقة طبيعية مع العراق، تسود مخوف من أن الفراغ الأمني الذي ستتركه واشنطن سيمكِّن إيران من تعزيز نفوذها المتنامي في البلاد منذ الغزو الأميركي عام 2003، في حين لا تزال بقايا "داعش" تمثل تهديداً، إذ كشفت السلطات العراقية أخيراً عن أن خلية يشتبه في انتمائها إلى التنظيم كانت تستعد لشن هجمات متزامنة مع الانسحاب.
الموقف الأميركي
بعدما أنهت إدارة ترمب مهام التحالف الدولي، أكد "البنتاغون" مواصلة تقديم الدعم الاستخباري والتدريب للسلطات العراقية، في إشارة إلى تصور أميركي بأن العراق أصبح قادراً على تحييد بقايا التنظيم بنفسه، بالتوازي مع الدعم غير المباشر، دون الحاجة إلى وجود لقوة خارجية متعددة الجنسيات.
وفي حين يعتمد نجاح هذه السياسة على قدرات الدولة العراقية، يرسم مسؤولون سابقون صورة متشائمة إذ يقول الجنرال العراقي المتقاعد محمد الجبوري إن قدرات الدفاع الجوي العراقي لا تزال غير كافية للتصدي للتهديدات، موضحاً أن "السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية أعدت خطة بديلة قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد التحالف".
وترى الولايات المتحدة في الانسحاب ضرورة استراتيجية، فمن جانب يخفف أعباءها الدفاعية لتركز على تهديدات أخرى مثل الصين، ومن جانب يسرع جهود نزع السلاح عبر مساعدة الحكومة العراقية في حشد الدعم الشعبي والسياسي ضد الميليشيات المسلحة، التي تستخدم الوجود العسكري الأجنبي كذريعة لتبرير وجودها.
وكتبت فيكتوريا تايلور وألينا رومانوفسكي، وهما مسؤولتان أميركيتان سابقتان عملتا على خطة الانسحاب، أن مغادرة القوات فرصة لطي صفحة من التاريخ الأميركي المعقد في العراق، لكنها لا ينبغي أن تعني نهاية الدور الأميركي هناك، مشيرين إلى أهمية التعاون الأمني المستدام مع بغداد لتجنب التداعيات التي أعقبت انسحاب عام 2011.
وأشارت المسؤولتان السابقتان في ورقة نشرها "المجلس الأطلسي" إلى أن الهجمات الأخيرة التي انطلقت من العراق على السعودية تعد تذكيراً مهماً بأن ما يحدث في العراق لا يبقى محصوراً داخله، إذ كان لاستقرار العراق دائماً أثر إقليمي أوسع سواء في حرب الخليج الأولى أو حرب العراق أو المعركة ضد "داعش"، وأضافتا "بسكان يبلغ عددهم 45 مليون نسمة، وموارد ضخمة من النفط والغاز، سيظل العراق لاعباً في اقتصاد المنطقة، ويمكن أن يكون قوة للاستقرار أو لعدم الاستقرار".
وأدى الوجود العسكري الأميركي في العراق منذ عام 2003 إلى إنفاق مليارات الدولارات، وسقوط آلاف القتلى من الأميركيين والعراقيين، لكن الحجة الداعية إلى استمرار الانخراط الأميركي في العراق تستند إلى مصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد، فعلى مدى أكثر من عقد، حاول كل رئيس أميركي تحويل تركيز بلاده نحو آسيا وتقليص الاهتمام بالشرق الأوسط، لكن كل إدارة وجدت نفسها مجدداً منخرطة في المنطقة نتيجة الأزمات المتلاحقة، بحسب المسؤولتين السابقتين.
ولا يبدو أن الولايات المتحدة في طريقها إلى فك الارتباط الكامل مع العراق، بل إلى إعادة صياغة العلاقة، إذ تحدث المسؤولون الأميركيون عن الانتقال إلى "شراكة أمنية ثنائية دائمة" أقرب إلى علاقات واشنطن الأمنية الاعتيادية مع شركائها، تقوم على تقديم المشورة والتدريب والتعاون في مكافحة الإرهاب وشراء المعدات الأميركية، بدلاً من انتشار آلاف الجنود، إضافة إلى إبقاء الحضور الدبلوماسي والاقتصادي والاستثماري، بما يسمح لواشنطن بالحفاظ على نفوذها في العراق بكلفة أقل.
النفوذ الإيراني
خلصت مراجعة أجراها الجيش الأميركي عام 2019 إلى أن "إيران ازدادت جرأة واتجهت إلى التوسع"، في إشارة إلى التداعيات التي خلفها الغزو ثم الخروج غير المحسوب عام 2011. ويتمثل الخطر الأبرز في توسيع إيران لنفوذها داخل العراق عبر الميليشيات الموالية لها، ولذلك ضغطت واشنطن على الحكومة العراقية لتسريع جهود نزع السلاح.
وبعدما كان الـ30 من سبتمبر الماضي موعداً معلناً لنزع سلاح الفصائل، مدد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، اليوم الخميس، المهلة حتى الـ30 من يونيو (حزيران) 2027، في مؤشر إلى حجم التحدي الذي تواجهه الحكومة العراقية. ويخشى منتقدو الانسحاب الأميركي أن يمنح خروج القوات هذه الفصائل مساحة أكبر للتحرك، ولا سيما أن بعضها، مثل "كتائب حزب الله"، أعلن أنه غير ملزم بأي اتفاق أو جدول زمني حددته الحكومة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتواجه الحكومة العراقية ضغوطاً إقليمية أكبر مع دخول الميليشيات إلى الحرب الجارية في صف إيران عقب هجماتها على السعودية، التي دفعت الرياض إلى تنفيذ ضربات دقيقة ضد الميليشيات، وأقرت بغداد بتورط فصائل داخل البلاد في الاعتداءات على السعودية وأقالت مسؤولين في محافظة ميسان.
وفي ظل المحادثات الحكومية مع الفصائل لنزع السلاح، برزت ممانعة إيران لهذه الخطوة، وسارع قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى زيارة بغداد الصيف الماضي للقاء قادة هذه الفصائل، وتشجيعهم على مواصلة رفض نزع السلاح. وأدى غياب التقدم إلى اعتقال عدد من عناصر الميليشيات المرتبطين بـ"كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء" و"كتائب سيد الشهداء"، قبل تسليمهم إلى مديرية الأمن المركزي في الحشد الشعبي، وإطلاق سراحهم سريعاً.
ومع ذلك، حققت الحكومة بعض الاختراقات، ففي أوائل يونيو الماضي وافقت "عصائب أهل الحق" على تسليم أسلحتها. ويرى مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق ديفيد شينكر، في ورقة بمعهد واشنطن، أن الخطوة تظل مهمة بالنظر إلى الثقل السياسي لزعيمها قيس الخزعلي، الذي تملك كتلته "الصادقون" 28 مقعداً في البرلمان، مرجحاً أن يكون الخزعلي اختار نزع السلاح، ولو جزئياً، أملاً في ترسيخ حضوره داخل عالم السياسة العراقية الذي يصفه بأنه "شديد الفساد وعالي الأرباح".
ما العقبات؟
لا تتعامل الفصائل المدعومة من إيران مع نزع السلاح باعتباره ملفاً منفصلاً، بل تربطه بحزمة واسعة من الشروط السياسية والأمنية، فمنذ مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس عام 2020، عدت هذه الفصائل انسحاب القوات الأميركية شرطاً أساسياً، ثم وسعت مطالبها لاحقاً لتشمل خروج القوات التركية وإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني، وضمان رواتب الحشد الشعبي وامتيازاته وتقليص النفوذ المالي الأميركي، وحتى حل قوات البيشمركة. وتضع هذه الشروط الحكومة أمام معضلة واضحة، لأنها تتجاوز ملف السلاح نفسه إلى قضايا سيادية ودستورية لا تملك بغداد ببساطة الاستجابة إليها، فيما يظل التقدم الفعلي نحو نزع السلاح محدوداً.
أما طبيعة التنازلات التي تعرضها الفصائل فلا تزال غير كافية، فبدلاً من تسليم السلاح للدولة، طرحت بعض الجماعات تجميد نشاطها العسكري لعامين مع إبقاء الأسلحة في مستودعاتها، بل نوقشت أفكار لنقل بعض الأسلحة الثقيلة إلى إيران، وفق شينكر، ويعكس ذلك فجوة كبيرة بين مفهوم الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة وبين ما تقترحه الفصائل من ترتيبات تتيح لها الاحتفاظ بقدرتها العسكرية.
ما بعد الانسحاب
ويطرح شينكر مجموعة من الخيارات أمام واشنطن بعد الانسحاب، في مقدمها تجنب العقوبات الواسعة التي قد تزيد الضغط على الاقتصاد العراقي الهش، مع الإبقاء على قدر من الضغط على حكومة الزيدي، والتأكد من أن أي تنازلات تقدمها الميليشيات ليست شكلية أو قابلة للتراجع. ويشمل ذلك فرض عقوبات فردية على شخصيات تعرقل جهود حصر السلاح بيد الدولة أو تواصل تمويل الجماعات المصنفة أميركياً إرهابية، إضافة إلى تعقب واستهداف كبار قادة الفصائل.
ويبقى التعاون الأمني مع بغداد ضرورياً بعد الانسحاب، خصوصاً عبر إعادة تنشيط العلاقة مع جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، الذي يعد من المؤسسات الأمنية الأقل اختراقاً من الجماعات المرتبطة بإيران. ويمكن أن يشمل ذلك تزويد الحكومة العراقية بالمعلومات الاستخباراتية اللازمة لملاحقة الخلايا المسلحة. وسبق أن استخدم الزيدي هذه القوات خلال أول 100 يوم من حكمه، لاعتقال عناصر من الحشد الشعبي، ومن المرجح أن يحتاج إلى الاعتماد عليها مستقبلاً.
وفي موازاة ذلك، يمكن زيادة الضغط على مصادر قوة الفصائل عبر استهداف قنوات تمويلها، مع الحفاظ على الدعم المقدم لأكراد العراق في هذه المرحلة. ويحذر شينكر من أن تقليص دعم البيشمركة وسحب منظومات الدفاع الجوي من أربيل قد يزيد هشاشة الإقليم في وقت لا تزال الميليشيات تحتفظ بقدرات صاروخية ومسيرات متقدمة.
وجاء الانسحاب الأميركي بعد 23 عاماً من إطاحة الولايات المتحدة صدام حسين، مما أثار في ذلك الوقت اضطرابات وفوضى. وغادرت القوات الأميركية في البداية في آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ثلاثة أعوام بعد تمدد "داعش".
وأعلن رئيس الوزراء العراقي بدء "مرحلة جديدة عنوانها سيادة العراق" بعد انسحاب قوات التحالف، مضيفاً أن "انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره".