ملخص
"هناك في العراق مناطق خارج سيطرة الدولة لحد هذا اليوم، وبوجود أو عدم وجود القوات الأجنبية لم تستطع الدولة أن تدعي سيطرتها الكاملة على هذه المناطق التي لا تزال علامة استفهام كبيرة في فكرة سيادة الدولة العراقية، علاوة على ذلك هناك عجز بنيوي في إدارة الثروة وتوزيعها العادل وحتى التحكم في خلق اقتصاد مستقل عن التأثير الخارجي".
طويت أمس الأربعاء 30 سبتمبر (أيلول) صفحة التحالف الدولي في العراق بمغادرة آخر القوات الأميركية بعد 23 عاماً من الوجود العسكري، إذ انسحبت القوات في نهاية عام 2011، قبل أن تعود بعد أقل من ثلاث سنوات ضمن التحالف الدولي لمساندة القوات العراقية في مواجهة تنظيم "داعش".
موعد الـ30 من سبتمبر الماضي لم يكُن يمثل بداية الانسحاب، بل نهاية مسار بدأ قبل عامين، إذ جاء الاتفاق بين بغداد وواشنطن على إنهاء الوجود العسكري للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والانتقال إلى علاقات أمنية ثنائية بين بغداد والدول الأعضاء فيه. وقسم البيان العراقي - الأميركي الصادر في الـ27 من سبتمبر 2024 إنهاء مهمة التحالف إلى مرحلتين، الأولى تنهي المهمة العسكرية داخل العراق في موعد أقصاه نهاية سبتمبر 2025 والثانية تستمر حتى سبتمبر 2026 لدعم العمليات ضد تنظيم الدولة في سوريا، من منصة تحددها اللجنة العسكرية العليا المشتركة بين البلدين.
"عملية العزم الصلب"
كانت اللجنة العسكرية العليا العراقية لإنهاء مهمة التحالف أعلنت في الـ18 من يناير (كانون الثاني) الماضي، اكتمال إخلاء القواعد والمقار القيادية في المناطق الاتحادية من مستشاري التحالف، ومن بينها "قاعدة عين الأسد" ومقر قيادة العمليات المشتركة، مع استمرار الدعم اللوجستي لعمليات سوريا عبر قاعدة جوية في أربيل.
وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع العراقية اللواء يحيى رسول لوكالة الأنباء العراقية أن "العراق لن يشهد وجوداً لأي عنصر من التحالف الدولي بعد الـ30 من سبتمبر، بالتزامن مع مغادرة القوات الأميركية قواعدها الباقية في العراق". وكان الوجود الأميركي يضم نحو 2500 عسكري خلال الأعوام الأخيرة، بعدما تجاوز 170 ألفاً في ذروة العمليات عام 2007.
وصرّح "البنتاغون" عن ختام "عملية العزم الصلب" (Operation Inherent Resolve) بأن "الولايات المتحدة وشركاءنا بالتحالف الدولي يختتمون رسمياً ’عملية العزم الصلب‘ في العراق، وستواصل وزارة الحرب تقديم تدريب موجّه ودعم استخباراتي لشركائنا العراقيين، وأن الانسحاب المنظم لقوات ومعدات التحالف الدولي من قاعدة أربيل الجوية يمثل ختام المهمة العسكرية".
وقبل يوم من بيان "البنتاغون"، أعلنت وزارة الدفاع الإيطالية أن إيطاليا أكملت سحب آخر قواتها من العراق، لتنهي بذلك وجوداً عسكرياً استمر 12 عاماً، وكانت روما سحبت بالفعل معظم أفرادها من العراق بحلول مارس (آذار) الماضي، في أعقاب غارة جوية استهدفت قاعدة عسكرية في إقليم كردستان. وكانت القوات الإيطالية شاركت أيضاً في "عملية العزم الصلب" التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم "داعش"، وأفاد بيان وزارة الدفاع الإيطالية بأن "القوات الإيطالية وقوات ’الناتو‘ اتفقت مع السلطات المحلية على مغادرة المنطقة بحلول الـ30 من سبتمبر". وذكرت الوزارة أن ضابطين إيطاليين من قوات "الكارابينييري" سيبقيان في العراق في إطار بعثة الاتحاد الأوروبي الاستشارية التي تعمل بموافقة بغداد.
"يوم السيادة"
وأقرت الحكومة العراقية الـ30 من سبتمبر "يوم السيادة لجمهورية العراق"، وقرر مجلس الوزراء تعطيل الدوام الرسمي في مؤسسات الدولة ابتداءً من أمس وحتى السبت الثالث من أكتوبر ( تشرين الأول) الجاري.
وتستعد مؤسسات الدولة بحسب وكالة الأنباء العراقية للاحتفال بـ"يوم السيادة" عبر برامج تتضمن فعاليات أمنية وثقافية وفنية وسياحية وخدمية، فضلاً عن احتفال مركزي ووقفات في الوزارات والدوائر الحكومية وتزيين شوارع العاصمة وإطلاق الألعاب النارية وفتح عدد من المرافق السياحية والترفيهية مجاناً أمام المواطنين.
الاحتفالات بـ"يوم السيادة" التي من المنتظر أن تتصاعد وتيرتها اليوم الخميس لا تبدو ذات أهمية للمواطنين، إذ استطلعت "اندبندنت عربية" مجموعة من الآراء التي أوضحت أن العراق حالياً يغرق في مشكلات تتعقد يومياً، من بينها تأخر الرواتب وأزمة وقود، إذ تقول نغم صباح، ربة بيت، تبلغ 52 سنة، "لا أفهم ماذا يعني وجود يوم للسيادة، ونحن نواجه يومياً مشكلات حل لها، إذ نعيش كعائلة في حال قلق مع تأخير راتب زوجي المعيل للعائلة"، وتكمل "لا يهمني يوم السيادة أرغب في الشعور بأنني وعائلتي نعيش باستقرار".
ويتساءل منتظر أحمد، موظف حكومي "هل سيكون العراق قادراً على مواجهة التحديات الأمنية؟ فلا يزال هناك سلاح خارج الدولة وهناك تهديدات إقليمية، فكيف للعراق التعامل معها وهو لا يملك منظومة جوية تحافظ على سيادة سمائه؟".
ورحبت شخصيات سياسية بـ"يوم السيادة"، فأكد رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي أن "سيادة العراق واستقلال قراره الوطني غير قابلة للمساومة"، مشدداً على أن "أرض البلاد وأجواءها ومقدراتها يجب أن تبقى بمنأى عن التدخلات والتجاوزات، فالعراق دولة ذات سيادة، وقراره يُصنع بإرادة أبناء شعبه، وعلى أرضه تسري سلطة الدولة والقانون وحدهما، ولن يكون ساحة لتصفية الصراعات ولا ممراً للاعتداء على الآخرين، كما لن نقبل أن تكون أرضه أو أجواؤه أو مقدراته موضعاً للتدخل أو التجاوز".
وبالتزامن مع "يوم السيادة"، أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أمس حلّ "لواء اليوم الموعود" وتحويل "جيش المهدي" إلى "مؤسسة أنصار الإمام المهدي"، بالتزامن مع إعلانه انتهاء وجود القوات الأميركية والتحالف الدولي في العراق، وطالب الصدر بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالعراق بسبب الاحتلال، محذراً الولايات المتحدة من التدخل في الشؤون العراقية، ودعا كذلك إلى حصر السلاح بيد الدولة، واعتزال القيادات للعمل السياسي فوراً وإفساح المجال للوجوه الجديدة لإنهاء الفساد.
النصر الوهمي
يستغرب المحلل السياسي نزار حيدر من إعلان الحكومة العراقية عن يوم للسيادة، قائلاً إن "هذا اليوم لا معنى له لأن قوات التحالف كانت موجودة بطلب من العراق وباتفاقات ثنائية كما هي الحال مع 80 دولة في العالم تضم أراضيها قوات أميركية ضمن اتفاقات، فهل هذه الدول بحاجة إلى إعلان يوم سيادة لها؟".
ويوضح حيدر أنها "ليست المرة الأولى أن يُعلن يوم للسيادة، فهذه المرة الثالثة منذ عام 2003، الإعلان الأول كان في الـ28 من يونيو (حزيران) 2004 عندما سلم الحاكم المدني إدارة الدولة إلى حكومة إياد علاوي، والإعلان الثاني ليوم السيادة كان في الـ31 من ديسمبر ( كانون الأول) 2011 عندما خرجت القوات الأميركية، وإعلان الـ30 من سبتمبر هو الثالث".
ويرى أن "السبب لإعلان يوم السيادة حالياً هو محاولة من ’الإطار التنسيقي‘ لإعلان نصر وهمي وإعلامي من أجل إعادة ثقة الشارع بقوى الإطار، ومن أجل تصحيح نظرة العراقيين إلى ’الإطار التنسيقي‘"، مضيفاً أن "الإطار منذ الانتخابات الأخيرة مستسلم للإرادة الأميركية، وخاضع لإملاءاتها، إذ منعت الولايات المتحدة تكليف وزراء من الإطار وأزاحت بفعل تغريدة للرئيس ترمب مطامح نوري المالكي بتولي رئاسة الوزراء وأخيراً التزامها التعليمات الأميركية الخاصة بحظر الطيران لإيران".
ويوضح حيدر أن "القرارات السيادية لا يملكها العراق لغاية الآن، فهو الدولة الوحيدة التي لا يحق لها التصرف بعوائد بيعها للنفط، إذ تتحول الأموال إلى البنك الفيدرالي الذي بدوره يقرر متى يبعث إلى العراق شحنة الدولار، كما أن القوات التركية تحتل ثلث البلاد ودخلت خلال الأيام الأخيرة إلى محافظة دهوك بعد انسحاب حزب العمال الكردستاني"، فضلاً عن أن السيادة بحسب حيدر "تتحقق عندما يُسلم سلاح الفصائل بالتزامن مع خروج قوات التحالف، ويتوحد القرار الأمني والعسكري".
لا سلاح خارج مظلة القانون
وخلال الاحتفال الرسمي الذي رعته الحكومة العراقية، قال رئيس الوزراء علي الزيدي "لا سلاح خارج مظلة القانون هكذا يقضي الدستور، وهكذا قضت مرجعيتنا الرشيدة، وهكذا يرى الشعب".
وبعد انتهاء الحفل، أعلنت ما تسمى "المقاومة العراقية" عبر بيان مطول لها عدم التزامها أية توقيتات حكومية لحصر السلاح، قائلة "منذ أكثر من 40 يوماً، دخلت المقاومة الإسلامية من خلال اللجنة الرباعية المشكلة من الإطار التنسيقي بالاتفاق مع الحكومة العراقية في مفاوضات لبحث عملية تنظيم سلاح المقاومة مقابل تحقيق سيادة العراق الكاملة والشاملة، المتمثلة في انسحاب القوات الأميركية و’الناتو‘ وأشكال الوجود العسكري الأجنبي كافة من العراق (أرضاً وجواً وبحراً) مع احتفاظ المقاومة بحقها في الرد المباشر على أي خرق أو انتهاك أميركي أو صهيوني لسيادة العراق".
والبيان أوضح أن المقاومة لم تتسلم الرد الحكومي على الاتفاق، وعليه فإنها غير ملزمة أي اتفاق على رغم توقيع ورقة الاتفاق رسمياً من اللجنة الرباعية المكلفة من طرف "الإطار التنسيقي" وكذلك أطراف المقاومة المتمثلة في الفصائل الأربعة، وبسبب ذلك "تعلن المقاومة الإسلامية أنها غير ملزمة أي توقيت أو اتفاق قد تحدث عنه، أو يتحدث عنه أي طرف حكومي أو سياسي".
وقال البيان إن "سلاح المقاومة سيظل أمانة بأيدي مقاتلينا وكما كان دوماً، فإن بوصلته ستبقى موجهة ضد أي عدو يستهدف العراق وشعبه، وفي الوقت ذاته، ستبقى أبوابنا مفتوحة أمام أي حوار يضمن سيادة العراق وعزته والانعتاق من هيمنة أميركا الشر والجريمة والطغيان".
السيادة المطلقة
وتوضح مديرة البحث والتطوير في IFPMC- London رنا خالد أن "السيادة الكاملة والمطلقة من القضايا الصعبة في عالم اليوم ومن الصعب أن تتحقق، فالعراق مثله مثل كثير من الدول ذات التركيبة الجيوسياسية المعقدة، وتحتاج مسألة السيادة المطلقة إلى طريق طويل قبل أن تتحقق شروطها، وانسحاب القوات الأجنبية ربما يكون إحدى خطوات هذا الطريق، لكنها خطوة قد لا تعني شيئاً إذا ما فشل العراق في تدعيم قوة الدولة ونفوذها وقوة القانون والمؤسسات على سائر حدوده وأقاليمه".
وتضيف أن "هناك في العراق مناطق خارج سيطرة الدولة لحد هذا اليوم، وبوجود أو عدم وجود القوات الأجنبية لم تستطِع الدولة أن تدعي سيطرتها الكاملة على هذه المناطق التي لا تزال علامة استفهام كبيرة في فكرة سيادة الدولة العراقية، علاوة على ذلك هناك عجز بنيوي في إدارة الثروة وتوزيعها العادل وحتى التحكم في خلق اقتصاد مستقل عن التأثير الخارجي".
بناء السلام الداخلي
وتواصل رنا خالد "أمام العراق كثير من التحديات التي تجعل مكسب السيادة المطلقة محل نقاش، ومن هذه التحديات هناك مشكلة الحدود الملتهبة التي تجمع العراق مع جواره الصعب وعدم قدرة بغداد إلى هذا اليوم في خلق علاقات إقليمية مبنية على مصالح متبادلة وحقوق محفوظة للجوار بطريقة صلبة وبعيدة من التغييرات السياسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا تستبعد خالد حدوث مواجهة مع من يملك سلاحاً خارج الدولة، "فالعراق لا يزال أضعف من قوة القوى المسلحة خارج الدولة، وكلما تضاعفت التعقيدات الأمنية الإقليمية اكتسبت هذه القوى زخماً يفوق قوة الحكومة لهذا التحدي، وأعتقد بأن القوى السياسية سوف تكون على موعد قريب مع مواجهة السلاح خارج سلطة الدولة وإدارتها وهو أخطر العيوب البنيوية لهذا النظام السياسي".
سردية الفصائل
ويوضح المراقب للشأن السياسي مازن غسان أن "هناك لبساً وخللاً في إسباغ مصطلح ’اكتمال السيادة‘ على الظرف الحالي. فتبني شعارات مثل ’اكتمال‘ و’استعادة‘ السيادة تعني أن العراق كان فاقداً لسيادته، أو حتى جزءاً منها، واستعادها لتوه، في حين أن الوجود الأميركي، بل الوجود الأجنبي الكامل في العراق غير مقترن بأي شكل من أشكال هذا التفسير. على العكس تماماً، فإن الوجود الأجنبي في العراق بصيغة ’قوات تحالف صديقة‘ يعزز سيادة العراق ولا يضعفها، لأنه مبني على ’صداقة‘ و’تحالفات‘ وأساس ذلك هو الاتفاقات الأمنية الثنائية والدولية التي تؤطر وجود القوات أو الفرق الاستشارية الأجنبية، وهي عوامل تفرض سيادة العراق ولا تسلبها".
ويرى مازن أن اقتران الوجود الأجنبي بضعف السيادة، أو فقدانها يرجع إلى سردية الفصائل التي تبث مثل هذا الخطاب لشرعنة وجودها وبقائها بحجة ما يسمى "المقاومة" من أجل "استعادة السيادة"، في حين أن وجود هذه الفصائل في الواقع يضرب السيادة ويضعفها أكثر مما يفعل الوجود الأجنبي.
ويختم مازن شارحاً أن "الفصائل لن تنزاح عن المشهد بهذه السهولة وربما يتمظهر ذلك في صورة تلكؤ وشروط مطولة وحجج أخرى تتعلق بموقف العراق من إيران ومن حربها مع أميركا".
ميليشيات لا تخضع لقرار الدولة
ويتساءل الباحث في العلاقات الدولية فاضل اليونس عن إمكان وصف العراق بدولة ذات سيادة، وفي المنظومة الأمنية العراقية فصائل مسلحة لا تخضع لقرار الدولة وترتبط بإيران وتملك قرار استخدام السلاح خارج مؤسسات الدولة؟ والأشد خطورة أن هذه الفصائل، وفق اتهامات وتصريحات رسمية، تتلقى توجيهات من الحرس الثوري الإيراني لتنفيذ هجمات تستهدف بعثات دبلوماسية ودولاً في المنطقة، بما يناقض القرار السيادي للدولة العراقية مباشرة.
اليونس يقول إن "السيادة الحقيقية لا تُقاس بخروج القوات الأجنبية وحدها، بل بقدرة الدولة على امتلاك قرارها السياسي والأمني والاقتصادي، وبقدرتها على منع أية قوة داخلية أو خارجية من فرض إرادتها عليها، فإذا لم تكُن الدولة صاحبة القرار الأخير في أمنها واقتصادها وسياساتها، فماذا يبقى من سيادتها؟ حينها تصبح السيادة شعاراً بلا مضمون".
ويرى أن العراق يملك موارد اقتصادية كبيرة، وقوات عسكرية وأمنية قادرة على مواجهة تهديدات خطرة، من التنظيمات الإرهابية المرتبطة بـ"داعش" إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. والمشكلة بحسب رأيه ليست في غياب الإمكانات، بل في القيادة والإرادة السياسية ووحدة القرار، فـ"بعض القيادات السياسية المؤثرة تسعى إلى إبقاء الدولة ضعيفة، لأسباب حزبية وفئوية أو خدمةً لأجندات خارجية، بما يحمي نفوذها ومصالحها على حساب قوة الدولة وسيادتها".
ويختم قائلاً "إذا عجزت بغداد عن حصر السلاح بيد الدولة، فلن تكون المشكلة أمنية فقط، بل سيتعرض العراق لمزيد من الضغوط والعقوبات والعزلة الإقليمية والدولية، بما يهدد اقتصاده ويضعف مؤسساته".