ملخص
تخوض الجمهورية الفيدرالية الصومالية مرحلة تحول في تاريخها الحديث، تنتقل فيها من مرحلة إدارة النزاع والاعتماد على الحلول الموقتة إلى مرحلة مأسسة الدولة عبر حزمة من القوانين الفيدرالية. تحليل استراتيجي يفكك موازين القوى السياسية ومعادلات السلاح وثنائية الموارد والسيادة بين العاصمة والولايات، محدداً ملامح الصومال الجديد في ظل البحث عن معادلة مستقرة للحكم.
بينما تنشغل الآلية السياسية في العاصمة الصومالية مقديشو بصياغة فصول المرحلة الانتقالية الجديدة، يدور في الكواليس صراع أعمق وأكثر حسماً لا يتعلق بأسماء شاغلي المناصب الرئاسية بل بالبنية التشريعية للبلاد في هذه الزاوية المعتمة من المشهد، إذ تشكل القوانين الفيدرالية الميدان الحقيقي الذي سيتحدد عليه صورة الدولة الصومالية المستقبلية، هل تتجه نحو اتحاد مركزي صلب بمرجعية سيادية موحدة أم تتكرس كـ"كونفيدرالية واقعية" تتوزع فيها الإرادات السياسية والأمنية بين عواصم الولايات.
وتشير التطورات القانونية والسياسية إلى أن الدولة الصومالية المستقبلية تتجه نحو نموذج "الفيدرالية التعاونية" والتي تتميز بدولة ديمقراطية عبر الانتقال التدريجي من المحاصصة القبلية 4.5 إلى التعددية الحزبية والشعبية إضافة إلى السيادة الأمنية المكتملة، والتي تمكن الحكومة الفيدرالية من ضبط المنافذ البرية والبحرية والجوية كافة وتفعيل التكامل الاقتصادي الإقليمي من طريق التحول من الاقتصادات الرعوية والمحلية المنعزلة إلى سوق صومالية مشتركة ترتبط بموانئ الشمال والجنوب.
بناء دولة القانون
قال المستشار السابق في الحكومة الفيدرالية محمد حسن جيلي لـ"اندبندنت عربية" إن تعزيز القوانين الفيدرالية لا يهدف بأي حال من الأحوال إلى الانتقال من الأقاليم أو الاستحواذ على صلاحيتها المحلية، والهدف الأول للحكومة الفيدرالية هو بناء دولة قانون قابلة للحياة ومحترمة دولياً، والفيدرالية ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة لإدارة التنوع والتعافي من آثار الحرب، والتشريعات التي تمرر في البرلمان لا تسعى للسيطرة الكلية بل لتوحيد المعايير التي من دونها لا يمكن جذب الاستثمار الأجنبي أو بناء اقتصاد وطني، كما تدرك الحكومة مخاوف الولايات والأعضاء ولهذا السبب تصر على فتح باب الحوار عبر الأطر القانونية وليس الصفقات الثنائية الموقتة.
وأضاف جيلي أن "مقديشو تتحرك نحو تثبيت معالم الفيدرالية التعاونية عبر الانتقال من التفاهمات السياسية الموقتة إلى الأطر الدستورية الملزمة، وفي المقابل تتابع عواصم الولايات الفيدرالية الأداء التشريعي في العاصمة بتوجس ملحوظ متمسكة باستقلاليتها الذاتية ومكتسباتها المالية والأمنية الميدانية"، مشيراً إلى أن "التجربة الفيدرالية في الصومال تختلف عن النماذج التقليدية، إذ لم تكن ثمرة نقاش أكاديمي أو فلسفي متأنٍ حول تحسين كفاءة الحكم بل جاءت صيغة اضطرارية فرضها الواقع السياسي والعسكري إبان انهيار مؤسسات المركز في أواخر القرن الماضي، ونتيجة لهذه النشأة اتسمت العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات بتوجس متواصل حول طبيعة الصلاحيات وهياكل الإدارة.
يتجلى هذا التباين في النظرة إلى مفهوم "السلطة الاتحادية"، إذ ترى الحكومة المركزية أن تقوية مؤسسات العاصمة وتوحيد التشريعات شرطان أساسيان لحماية السيادة الوطنية وتأمين الحدود وجذب الاستثمارات وتوفير مظلة قانونية معترف بها دولياً، وفي المقابل تنظر السلطات الولائية إلى الخطوات المركزية من زاوية مختلفة، فالاستقلالية المكتسبة على مدى العقود الماضية أصبحت نموذجاً محلياً ترغب هذه الولايات في حمايته خشية الانزلاق نحو تركيز السلطة مجدداً.
ونتيجة لذلك يغدو كل تشريع اتحادي جديد سواء تعلق بالموانئ أو الضرائب أو الأمن موضوعاً للسجال حول مدى مساسه بالخصوصيات المحلية، ويزداد هذا التباين صعوبة في ظل غياب مرجعية قضائية دستورية كاملة الصلاحيات قادرة على حسم النزاعات التشريعية، وأدى هذا الشغور إلى الاعتماد على المنصات واللقاءات التشاورية بين القادة، وهي صيغ تنتج في غالب الأحيان توافقات ظرفية تتأثر بالمتغيرات والمصالح السياسية المباشرة.
تظهر التحولات التشريعية والسياسية الجارية أن الصومال يتجه نحو مرحلة تتجاوز المركزية التقليدية والانقسام الإقليمي باتجاه نموذج "الفيدرالية التعاونية" إذ تتحول الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي للموانئ من أسباب للنزاع إلى أدوات للتكامل الاقتصادي والتنموي، فتعتمد الولايات الزراعية في الداخل على الموانئ البحرية لتصدير منتجاتها بينما تستفيد الولايات الساحلية من الأسواق والمنتجات الداخلية تحت مظلة تشريعية ومالية اتحادية وحماية أمنية موحدة، إذ إن نجاح هذا المسار يتيح للصومال استعادة عافيته الاقتصادية والسياسية وتوفير بيئة استثمارية آمنة والانتقال من مرحلة التوافقات الموقتة إلى بناء دولة المؤسسات والقانون.
يتفق خبراء القانون الدستوري والشؤون الصومالية على أن بقاء الدولة رهين بالتخلي عن صيغتي "المركزية القمعية" والتفكك الفيدرالي والمسار الوحيد المتبقي لصياغة الصومال المستقبلي يتمثل في الاعتماد على نموذج "الفيدرالية التعاونية" ويتطلب هذا التحول خطوات استراتيجية لتجاوز الانسداد الحالي عبر تأسيس السلطة القضائية الدستورية وبناء قيادة مشتركة للمؤسسات العسكرية، بحيث تدار الشرطة محلياً بينما تخضع القوات الضاربة والجيش لسلطة اتحادية واحدة مكلفة استكمال الحرب ضد حركة الشباب وحماية الحدود، وإقرار ميثاق شفاف يضمن تحصيل الضرائب عبر صيغة إلكترونية موحدة ويحدد نصيب الأقاليم بوضوح لمنع الشكوك حول إنفاق العائدات الوطنية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول المستشار القانوني يوسف ورسمي إنه لا يمكن فصل المعركة التشريعية بين مقديشو وعواصم الولايات عن حركة التنافس الإقليمي والدولي في منطقة القرن الأفريقي وباب المندب، مشيراً إلى أن عدداً من الاتفاقات الاقتصادية والعسكرية التي تبرمها سلطات ولائية مع أطراف خارجية لتطوير الموانئ أو إنشاء قواعد لوجيستية أضحت نقطة احتكاك مباشرة مع مقديشو التي تعد التشريعات السيادية حصرية بها. ويبرز العامل الدولي كمحفز للمركزية المالية، إذ تضع المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إقرار قوانين المحاسبة الموحدة والشفافية المالية كشرط أساس لإكمال برنامج شطب الديون وتدفق القروض الميسرة، وهو ما يضع الأقاليم تحت ضغط دولي غير مباشر للقبول بتوحيد الآليات المالية.
في بلد يصنف كأحد أكثر الاقتصادات اعتماداً على النقد الرقمي والتطبيقات المباشرة في أفريقيا تنتقل معركة الفيدرالية من حدود الموانئ والأراضي إلى الفضاء السيبراني وترددات الاتصالات، إذ تسعى مقديشو عبر هيئة الاتصالات الاتحادية والبنك المركزي لتمرير أطر تنظيمية تخضع شركات الاتصالات والمؤسسات المالية الأهلية لرقابة اتحادية موحدة لتتبع حركة الأموال والحد من شبكات التمويل غير المشروعة، وفي المقابل تحاول بعض الولايات حماية رسوم الجباية المحلية المنظمة لهذه الشركات في أراضيها مما يجعل السيادة الرقمية أحد أحدث خطوط التماس التشريعي في البلاد.
استدامة القوانين
تتوقف استدامة أية قوانين فيدرالية على مدى قدرتها على الاستجابة للواقع الاجتماعي القائم على العرف القبلي، فالقوانين المدنية والعقابية الحديثة تتصادم في كثير من الأحيان مع آليات القضاء العشائري الذي يدير معظم القضايا الحيوية في الأقاليم، إضافة إلى ذلك يفرض ملف "العدالة الانتقالية" وقوانين رد الملاكات والسجل العقاري الموحد نفسه كركيزة لبناء الاستقرار، إذ إن حسم نزاعات الأراضي والممتلكات التي طرأت إبان أعوام الانقسام يعد شرطاً أساساً لترسيخ السلم الأهلي وجذب الاستثمارات إلى العاصمة والأقاليم على حد سواء.
يقترب الصومال بالفعل أكثر من أي وقت مضى من اللمسات الأخيرة لصورته الدستورية والمؤسسية، لكن حسم هذا الاقتراب يتوقف على كيفية إدارة الخلافات السياسية حول توزيع السلطة والتعديلات الدستورية، إذ تمكنت الدولة في الأعوام الأخيرة من تحقيق قفزات نوعية في بناء الركائز الأساس لنظام فيدرالي دائم، ونجح البرلمان الفيدرالي في مراجعة وإقرار الفصول الأولى من الدستور الانتقالي مما وضع أطراً واضحة للسياسات العامة ونظام الحكم الرئاسي - البرلماني والانتخابات، إضافة إلى الانتقال التدريجي من المحاصصة القبلية 0.5 إلى مبدأ رجل واحد، صوت واحد على المستوى المحلي والفيدرالي وهو شرط أساس لتأكيد شرعية السلطة والتوصل إلى صيغ توافقية لإدارة الإيرادات الوطنية "الموانئ، والثروات السمكية، والنفط" بين المركز والولايات مع وصول الصومال إلى نقطة الإنجاز ضمن مبادرة الهيبك واستعادة الأهلية للتعامل مع المؤسسات المالية الدولية إلى جانب الانضمام الرسمي لجامعة شرق أفريقيا، مما يعزز السيادة الاقتصادية للتكتل الفيدرالي.
قطع الصومال الشوط الأكبر ونصف الطريق نحو تشكيل الدولة الفيدرالية التعاونية ولم يعد ممكناً العودة إلى مربع اللادولة أو الميليشيات، غير أن الانتقال النهائي من حالة الفيدرالية الهشة إلى الفيدرالية المستقرة يحتاج إلى تجنب الانفراد بالقرارات الدستورية وتجاوز القطيعة مع بونتلاند أو أي طرف سياسي فاعل وتفعيل المحكمة الدستورية لحسم النزاعات التشريعية والتنفيذية بين المركز والأقاليم بنص القانون لا بالتوافق السياسي القابل للانكسار، وحسم المعركة العسكرية لتحرير المناطق المتبقية تحت سيطرة حركة الشباب لتمكين المؤسسات الخدمية الفيدرالية والولائية من العمل ميدانياً.