ملخص
ترافق إعلان الكفاح المسلح للجبهة الشعبية مع إطلاق أول مانفيستو يحدد بوضوح أهداف النضال التحرري، على المستويين النظري والميداني، وتضمن أن الهدف الأسمى لنضال التيغراويين هو إقامة "دولة تيغراي المستقلة" عن إثيوبيا، وذلك استئناساً بمبدأ حق "تقرير المصير" الذي كان رائجاً في تلك الفترة، باعتباره نقطة الانطلاق نحو الثورة الاشتراكية.
أثارت العودة القوية للحرب في تيغراي مجدداً، بعد إعلان تشكل تحالف عسكري بين سبع قوى معارضة للنظام الإثيوبي، أهمها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)، جملة من التساؤلات حول مطالب هذه الجبهة التي حكمت إثيوبيا لنحو ثلاثة عقود، ثم انسحبت تحت ضغط شعبي نحو المعارضة، قبل أن تنخرط في العمل المسلح ضد النظام الذي خلفها في سدة السلطة داخل إثيوبيا.
فمن هذه الجبهة، وما المحطات الرئيسة التي عرفها نضالها ضد الأنظمة الإثيوبية المتعاقبة؟
من الجامعة إلى الأدغال
تعود أصل الحكاية إلى بداية سبعينيات القرن الماضي، عندما قرر الطلاب التيغراويون في جامعة أديس أبابا (جامعة هيلي سلاسي سابقاً)، تأسيس أول تجمع للطلاب المتحدرين من إقليم تيغراي (شمال إثيوبيا) والمهتمين بقضايا شعبهم تحت مسمى "رابطة ناشطي قومية تيغراي"، وهي جمعية مثلت لاحقاً أول نواة لنضال التيغراويين ضد المجلس العسكري الذي استولى على السلطة في إثيوبيا عام 1974 منقلباً على الإمبراطور هيلي سلاسي.
وبحسب المراجع التاريخية، فإن عمل هذه النواة التي تأسست على يد ثمانية طلاب في الجامعة، ظل يجري بصورة سرية، لا سيما أن نظام منجستوا هيلي ماريام آنذاك كان يحظر قيام جمعيات أهلية أو أحزاب سياسية، ومن ثم فإن الاجتماعات التي تضم الطلاب الثمانية ظلت تُجرى داخل الحرم الجامعي في سرية تامة، لاستقطاب أعداد أكبر من الطلاب بعد التأكد تماماً من ميولهم السياسية وانتمائهم القومي، ولعل أبرز أعضاء مجموعة الثمانية كان وزير الخارجية الإثيوبي السابق سيوم ميسفين، والرئيس التنفيذي السابق لسد النهضة الإثيوبي أرجاوي برهي.
وبعد أشهر عدة من الإعداد والمداولات حول مطالب التيغراويين، قررت الرابطة أن شعب تيغراي مستعد لخوض كفاح مسلح للقضاء على الاضطهاد العرقي الذي يعانيه منذ قرون، وأنه في حاجة إلى قائد سياسي. ولذلك، اتخذت قيادة حزب الحركة الشعبية لتحرير تيغراي الترتيبات اللازمة لإطلاق الكفاح المسلح، وقسمت العمل بين أعضائها لثلاث مهام رئيسة، الأولى إيفاد عدد من الأعضاء إلى إريتريا للتواصل مع قيادات الثورة الإريترية بشقيها (جبهة التحرير الإريترية - والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا) باعتبارهما فصيلين ثوريين يحاربان منذ أكثر من عقد ونيف ضد نظام هيلي سلاسي ثم ضد خلفه منجستوا هيلي ماريام، وذلك بغرض توفير دعم مادي من عتاد وذخائر إلى جانب الدعم السياسي والتدريب العسكري.
وتوجه القسم الثاني إلى تيغراي لتوعية وتنظيم سكان المدن بضرورة النضال ضد النظام الإثيوبي، وبالتوازي مع ذلك انطلق 11 شاباً إلى صحراء ديدبيت في غرب تيغراي لإعلان انطلاق الكفاح المسلح تحت مسمى الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي TPLF، وكان من بينهم لجسي زيناوي (ملس زيناوي) الذي أصبح في ما بعد رئيساً لوزراء إثيوبيا لنحو عقدين من الزمن.
مانفيستو الجبهة
ترافق إعلان الكفاح المسلح للجبهة الشعبية مع إطلاق أول مانفيستو يحدد بوضوح أهداف النضال التحرري، على المستويين النظري والميداني، وتضمن أن الهدف الأسمى لنضال التيغراويين هو إقامة "دولة تيغراي المستقلة" عن إثيوبيا، وذلك استئناساً بمبدأ حق "تقرير المصير" الذي كان رائجاً في تلك الفترة باعتباره نقطة الانطلاق نحو الثورة الاشتراكية، في حين سرى صراع خفي بين منتسبي الجبهة حينها، بين من يرى أولوية الصراع الطبقي في مجتمع متعدد القوميات، وبين المطالبين بحق تقرير المصير للقوميات الإثيوبية، وهو صراع استدعى ضرورة مراجعة بنود المنافيستو.
ولم يستمر ذلك لأكثر من عام وفقاً لمؤسسي الحزب السابقين، إذ عُدلت تلك المادة المطالبة بالاستقلال في المؤتمر الأول للجبهة عام 1976، عندما رفضت غالبية الأعضاء مسألة إنشاء "دولة تيغراي المستقلة" واستُعوضت بالنضال لتحرير الشعوب المضطهدة، وعلى رغم ذلك ظلت السردية الرسمية لدى نظام منجستوا، أن شعب تيغراي يسعى إلى الاستقلال.
صراعات أيديولوجية
وعلى رغم أن الجبهة أبلت بلاء حسناً في ساحات القتال، وبخاصة بعد تلقي عناصرها تأهيلاً عسكرياً في إريتريا وعودتهم إلى تيغراي، فإنها تعرضت لانتكاسات على المستوى السياسي، ففي عام 1975 واجهت أول أزمة سياسية عُرفت بـ"الفوضى"، وتُعزى جذور تلك الأزمة إلى غياب الديمقراطية في آليات العمل الداخلية للجبهة، إذ ظلت الخلافات بين القادة تستفحل بصورة ملحوظة من دون أن تجد سبلاً ديمقراطية لحلها، إلى جانب تنامي التناقضات الأيديولوجية بين النخب الفاعلة في أعلى هرم القيادة.
وأدى تصاعد الخلافات البينية في عام 1977 إلى استقالة القائد السابق للجبهة أريغاوي برهي، في حين تمكن تيار رابطة تيغراي الماركسية اللينينية، بقيادة ملس زيناوي من تسييد المشهد القيادي وتغير طبيعة الجبهة الداخلية، عبر إرساء نظام مركزي ديمقراطي قوي. وعلى رغم تأثر هذا التيار بالثورتين الروسية والصينية، فإنه اتخذ من الكفاح الألباني مثالاً يحتذى في تجربته النضالية.
وشهدت تلك الفترة ما يُعرف بـ"التحالف الاستراتيجي" بين الجبهة ونظيرتها الإريترية "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا"، إذ خاضا معاً حرباً دامية في الأراضي الإريترية لتصفية وجود "جبهة التحرير الإريترية"، ونجحا في إخراجها من الساحة والذهاب بعيداً في التنسيق العسكري والسياسي المشترك لإسقاط نظام منجستوا هيلي ماريام.
انتصار مشترك
في الـ24 من مايو (أيار) 1991 تمكنت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا من السيطرة على العاصمة الإريترية أسمرة وتحرير كامل التراب الإريتري من الوجود الإثيوبي، في حين نجحت جبهة تيغراي من السيطرة على أديس أبابا في غضون ثلاثة أيام، مما أدى إلى فرار رئيس إثيوبيا منجستوا هيلي ماريام إلى زيمبابوي، وإعلان سقوط النظام.
مع وصول قيادة جبهة تيغراي إلى سدة الحكم في أديس ابابا ضمن ائتلاف فضفاض تتمتع فيه بنصيب الأسد، بدا أن الطابع الشيوعي للجبهة بدأ يتلاشى، وبخاصة أن ذلك ترافق مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين، إلا أن الطابع الداخلي لآليات عمل الجبهة ظل قائماً، فعلى رغم تبنيها سياسات اقتصادية تدعم "السوق الحرة" إلا أنها استرشدت بمفهوم "الديمقراطية الثورية"، ثم "الديمقراطية التنموية" في محاولة للموازنة بين تاريخها النضالي، وبين التيار العالمي الجارف الذي أعقب تفكك الجمهوريات السوفياتية.
إريتريا ومزاعم التفريط
في عام 1993 نظمت الأمم المتحدة استفتاء لتقرير مصير الشعب الإريتري، باعتبار المسألة الإريترية تعد من قضايا تصفية الاستعمار، وبخاصة أن ربطها مع إثيوبيا في اتحاد فيدرالي أتى ضمن ظرف استثنائي فرضته ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأن القرار الأممي الذي اتُّخذ في هذا الشأن قد أُلغي بإرادة منفردة وقسرية من الإمبراطور هيلي سلاسي في عام 1962، وعلى هذه الخلفية القانونية والسياسية نظمت الأمم المتحدة الاستفتاء الشعبي الذي كانت نتيجته 99.8 في المئة لمصلحة استقلال إريتريا.
مما دفع قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي كانت تحكم إثيوبيا للاعتراف باستقلال إريتريا، وهو الموقف الذي شكل "نقطة فارقة" في تاريخ إثيوبيا، إذ ظلت الجبهة تواجه انتقادات واتهامات مكررة من بعض القوى السياسية الإثيوبية التي تصف الاعتراف باعتباره "تفريطاً بالوحدة الترابية الإثيوبية" على رغم أن إريتريا لم تكن جزءاً من إثيوبيا طوال خمسة قرون مضت (منذ دخول البرتغاليين للساحل الإريتري عام 1521) وأن قرار إلحاق إريتريا بإثيوبيا، كان مخالفاً للقرار الأممي ولمبدأ تقرير المصير، وقد تم في عام 1962 وانتهى 1991، مما يعني أن الاعتراف بنتائج الاستفتاء الأممي لم يكن سوى تحصيل حاصل.
وظلت الجبهة تواجه الاتهامات المتكررة مع القوى المعارضة باعتبارها المفرط في السيادة الوطنية، والمتسبب بحرمان البلاد من منافذ بحرية سيادية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن الأعوام الأولى لاستقلال إريتريا شهدت علاقات متقدمة مع إثيوبيا، فإن الضغوط التي تعرضت لها الجبهة داخل إثيوبيا إلى جانب الخلافات المتنامية حول السياسات الاقتصادية بين البلدين، وبخاصة بعد إصدار إريتريا عملتها الخاصة في عام 1997 إضافة إلى الخلافات حول ترسيم الحدود، دفعت الطرفين إلى خوض حرب مدمرة جرت في الفترة من مايو 1998 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2000، إذ ادعى كل طرف ملكيته لمثلث بادمي الحدودي، وانتهت الحرب باتفاق الجزائر للسلام في الـ12 من ديسمبر 2000، وأُحيلت القضية برمتها إلى التحكيم الدولي، الذي أقر سيادة إريتريا على المثلث المتنازع عليه في عام 2004.
إرث الحرب
ما أن صمتت المدافع على الحدود الإريترية - الإثيوبية في عام 2000، دوت أصوات الأزمة الداخلية في جبهة تيغراي، على تركة الحرب وجدلية الخسائر والمكاسب المحققة وراء خوض حرب مدمرة، إذ رأي بعض قادتها أن الحرب لم تكن الخيار الأوحد، وحاججوا حول أسئلة تتعلق بجدوى تلك الحرب وتحمل تداعياتها الاقتصادية والسياسية، مما عرض الحزب الحاكم إلى أكبر انقسام سياسي في تاريخه، وبخاصة بعد تمكن جناح رئيس الوزراء ملس زيناوي من مقاليد الأمور، وإقصاء شخصيات قيادية وتاريخية مثل سيي أبرها وجبرو أسرات وغيرهما، وجرى اعتقال أعداد أخرى من الجناح المعارض لتوجه القيادة المسيطرة على دواليب الحزب والحكومة.
في حين استمر زيناوي وموالوه في تبني مشروع "الدولة التنموية" الذي يستلهم التجربة الصينية، فيما بدا مفهوم "السوق الحرة" يتلاشى بصورة سلسة ومرحلية، وحققت البلاد في تلك الفترة نهضة تنموية ملحوظة، لا سيما وأنها لم تقطع صلاتها مع الحكومات الغربية على المستويات السياسية والاستراتيجية، على رغم بعض الملاحظات التي ظلت القوى الغربية تطرحها حول الحريات.
النمو مقابل الاستبداد
مع حلول الألفية الثالثة بدت حكومات زيناوي تحقق قفزات اقتصادية نوعية لانتشال البلاد من الفقر وانعدام الخدمات الصحية والتعليمية، فشرعت في تشييد مشاريع البنية التحتية الكبرى، بما في ذلك سد النهضة الكبير وشبكة الطرق، إلا أن ذلك كان يحدث في ظل نظام سياسي استبدادي يفرض مزيداً من القيود على الحريات الفردية والجماعية، إلى جانب عدم سماحه للتداول السلمي للسلطة، إذ كثيراً ما تدخلت السلطة التنفيذية لتزوير الانتخابات أو إلغاء بعض نتائجها، كما حدث في عام 2005، فضلاً عن استحواذ الجبهة على القرارات الجوهرية داخل الائتلاف الحاكم (الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي)، بل إن النخب السياسية الإثيوبية المعارضة أضحت ترى أن الجبهة ككل سقطت في قبضة حكم الفرد (ملس زيناوي)، وبخاصة بعد تبنيها لما يعرف بمشروع "الحكومة التنموية".
ويرى باحثون من بينهم البروفيسور أليكس ديوال المتخصص في الشأن التيغراوي أن آثار هذا التحكم غذى الخلافات السياسية، مما أدى إلى انقسامات بدأت تتنامى بصورة ملحوظة داخل التنظيم، في حين ظلت المنظمات الدولية لحقوق الإنسان تشير إلى أن نظام الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يهيمن على مقدرات البلاد ويمارس انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، وبخاصة تجاه الصحافيين والمواطنين من الأقاليم الأخرى، فعلى رغم أن الدستور ينص على تبني نظام فيدرالي متعدد القوميات، بما في ذلك ضمان حق الجماعات العرقية في تقرير المصير والمساواة، فإن الجبهة ظلت تُحكم السيطرة الكاملة على أجهزة الأمن والاستخبارات والجيش والمؤسسات الاقتصادية والمالية في البلاد.
ومن جهة أخرى، واجه نظام الجبهة انتقادات حادة من قبل من يرون أنه "يهدد وحدة إثيوبيا" بتبنيه للمادة 39 في الدستور الفيدرالي، التي تتيح للأقاليم والعرقيات حق الانفصال، معتبرين أنها مادة أُقحمت في بنود الدستور حتى تستفيد منها الجبهة في حال فقدانها للسلطة داخل أديس أبابا، إذ يمكن تفعيلها لتحقيق هدف المانفيستو الأول للجبهة والمتمثل في إعلان استقلال تيغراي.
رحيل الزعيم
يرى عدد ممن أرَّخوا لمسيرة الجبهة الشعبية أن الانتكاسة الكبرى التي تعرضت لها تمثلت في الرحيل المفاجئ لزعيمها رئيس الوزراء السابق ملس زيناوي في عام 2012، إثر تعرضه لوعكة صحية لم تمهله طويلاً، إذ بدت أزمة القيادة صارخة وبخاصة أن زيناوي ظل ممسكا بمعظم خيوط اللعبة بصورة منفردة من دون أن يتيح الفرص لأي شخصيات توافقية يمكن أن تخلفه في إدارة دفة الدولة والحزب، وكشف رحيله المفاجئ عن انقسامات عميقة في أوساط الورثة الطامحين بالسلطة، إذ سرت اختلافات بين الحرس القديم والجديد من التيغراويين المتحكمين في أجهزة السلطة والأمن والجيش، مما دفع إلى اختيار الانتقال الإداري السلس عوض الانتقال السياسي، إذ أُسند منصب رئاسة الوزراء لهيلي ماريام ديسالينج الذي كان يتقلد منصب نائب رئيس الوزراء، وهو من خارج الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، لكنه عضو في الائتلاف الحاكم ممثلاً عن شعوب الجنوب، واعتبر هذا الخيار توافقياً لجهة أن الجبهة ستظل متحكمة في مفاصل السلطة، إلى حين الاتفاق على عودة المنصب الأول لأحد منتسبيها.
التزحزح عن السلطة
ولاية ديسالينج الذي كان إدارياً أكثر منه سياسياً فاعلاً شهدت حراكاً شعبياً كبيرا،ً وبخاصة من قبل ناشطي قومية الأورومو الذين أسسوا ما سموه "ثورة القيرو"، مطالبين بإنهاء التهميش والإقصاء الذي تعانيه القومية الأكبر من حيث عدد السكان (يمثلون نحو 40 في المئة)، في حين أن نصيبها من السلطة والثروة لا يوازي تعدادها بصورة كافية.
وقد نجح هذا الحراك السلمي القوي في إجبار الجبهة على التزحزح والسماح بانتقال نسبي للسلطة، بشرط أن يجري ذلك داخل الأطر النظامية، أي السماح بتولي شخصية أورومية منصب رئاسة الوزراء مع بقاء الائتلاف الحاكم في موقعه، وعبر هذه الآلية تمكن آبي أحمد من تقلد رئاسة الوزراء ومن ثم رئاسة الائتلاف الحاكم في عام 2018.
إلا أن ما لم يكن في حسبان قادة الجبهة الشعبية هو الانقلاب الناعم الذي قاده العقيد السابق في الاستخبارات آبي أحمد من خلال تشكيله لتحالف عُرف بـ"أورو-مارا" وهو اختصار لتحالف النخب السياسية لعرقيتي الأورومو والأمهرا، اللذين يشكل شعبيهما معاً نحو 61 في المئة من التعداد السكاني العام داخل البلاد.
التنسيق الناعم... العودة إلى تيغراي
أفضى التحالف الأورومي الأمهري داخل أطر الائتلاف الحاكم إلى أول إقصاء ناعم لمعظم القرارات المقترحة من قبل قيادات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وبدأ النظام الذي بشَّر بإحداث تغير جذري ضمن السلطة في تقليم أظافر الأجهزة الأمنية، وبدأت عمليات التطهير الشامل لمنتسبي الجبهة من معظم المراتب القيادية في الجيش والأجهزة الاستخباراتية، إضافة إلى تحريك قضايا الفساد الإداري والمالي وملاحقة المسؤولين السابقين من عناصر الجبهة الشعبية، وترافق ذلك مع حملات إعلامية ودعائية مكثفة حظيت بتأييد شعبي كبير، مما دفع الجبهة إلى الانسحاب من الائتلاف الحاكم.
عادت الجبهة إلى تيغراي، وانتقل معظم قادة التنظيم إلى مدينة مقلي، وأُجريت مراجعات مهمة أفضت إلى التحول نحو معارضة النظام، وبخاصة في عدد من القضايا أهمها المتعلقة بخصخصة مؤسسات التنمية الكبرى، كذلك ركزت الجبهة على ضرورة الحفاظ على النظام الفيدرالي خصوصاً بعد التصريحات المكثفة التي أطلقها رئيس الوزراء عن أخطار استمرار النظام الفيدرالي القائم على الأسس الإثنية، ودعت أيضاً إلى ضرورة إيقاف الحملات الدعائية والتدابير الاحترازية التي تستهدف التيغراويين بصورة انتقائية من قبل مؤسسات الدولة الفيدرالية، في حين أعلن الائتلاف الحاكم في أديس أبابا برئاسة آبي أحمد حل الأحزاب الثلاث الحاكمة نفسها والتحول إلى حزب واحد، هو حزب الازدهار.
بين سرديتي الإبادة والسيادة
رفضت الجبهة قرار رئيس الوزراء تأجيل الانتخابات البرلمانية بذريعة جائحة كورونا، ومضت في اتجاه تنظيم انتخابات برلمانية منفردة في إقليم تيغراي، مما اعتبره المركز تجاوزاً للسلطات الفيدرالية ورفض الاعتراف بالنتائج، ومن ثم عدم الاعتراف بالتمثيل البرلماني وكذلك بالسلطة التنفيذية في تيغراي، مما استوجب أيضاً سحب الجبهة اعترافها بسلطة رئيس الوزراء، ومن ثم رفضت التعيينات والترقيات العسكرية التي أجرتها الحكومة المركزية لعدد من الضباط للعمل في تيغراي، واستُبعدوا من مطار مقلي وتعيين شخصيات بديلة.
انفجرت الأوضاع في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 عندما اتخذت الجبهة إجراءات ميدانية للسيطرة على معسكر الجيش الثاني في مقلي، مما اعتبرته حكومة أديس أبابا بمثابة تمرد، فأعلنت الحرب على الجبهة تحت شعار "حملة إنفاذ القانون" معتبرة أن حكومة تيغراي تجاوزت خطوط السيادة، فيما عدت قيادة الجبهة الحملة باعتبارها "حرب إبادة جماعية" تستهدف هوية التيغراويين وبقائهم.
وبعد عامين من حرب دامية، وقع الطرفان اتفاق سلام في نوفمبر 2022 في بريتوريا عاصمة جنوب أفريقيا، بوساطة الاتحاد الأفريقي.
إلا أن الجبهة كانت مهددة بانقسام سياسي وقيادي داخلي لا بعدو خارجي، إذ سيطرت مجموعة بقيادة ديبريتسيون غيبريمايكل على هيكل الحزب، بينما تولت المجموعة الأخرى بقيادة غيتاشيو ردا هيكل الحكومة (الإدارة الموقتة). وأدى هذا الانقسام إلى وضع الجبهة، التي استمرت لنصف قرن، على حافة الانهيار.
وعقد جناح ديبريتسيون مؤتمره الـ14 خلال أغسطس (آب) 2024، في حين انسحب أكثر من 17 عضواً من اللجنة المركزية بمن فيهم نائب رئيس الجبهة آنذاك ورئيس حكومة تيغراي الموقتة غيتاشيو ردا من المؤتمر، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى أديس أبابا مبرراً خروجه من تيغراي بتعرضه لتهديد جسدي، وقد عُيِّن وزيراً في حكومة آبي أحمد برتبة مستشار لشؤون دول شرق أفريقيا.
وعُيِّن الفريق تاديسي وريدي رئيساً لحكومة تيغراي لمدة عام واحد بالاتفاق بين الجبهة ورئيس الوزراء آبي أحمد، كما ينص على ذلك اتفاق بريتوريا. لكن بعد انتهاء فترة ولايته رفضت الجبهة قرار التمديد لوريدي من قبل رئيس الوزراء معتبرة القرار أحادياً ومخالفاً لمقررات اتفاق بريتوريا، ومن ثم أصدرت قرارها بإعادة حكومة ما قبل حرب 2020 - 2022 وتفعيل أعمال البرلمان الذي جمده اتفاق بريتوريا، لتعلن خروجها بصورة كاملة من التزامات الاتفاق، بحجة أنه لم يعد فاعلاً نتيجة الانتهاكات الجسيمة التي تنفذها الحكومة المركزية في شأنه، بما في ذلك تجميد بعض بنوده كعودة اللاجئين وتجميد الموازنة السنوية المخصصة للإقليم وعدم تمثيل تيغراي في المؤسسات السياسية كالبرلمان والحكومة، إلى جانب سحب لجنة الأحزاب اعترافها بالجبهة كحزب حاكم في تيغراي.
العودة للرصاص
وسط حال تجميد اتفاق بريتوريا وغياب تمثيل إقليم تيغراي في المؤسسات السياسية الإثيوبية، بما في ذلك البرلمان والحكومة، فضلاً عن تعليق الموازنة المقررة للإقليم، عدت الجبهة نظام أديس أبابا يعمل بصورة منهجية على عزلها ومحاصرتها، ومن ثم سعت إلى تفعيل تحالفاتها مع القوى المحلية والإقليمية المناوئة لحكومة إثيوبيا، ليس لفك العزلة فحسب بل أيضاً لإسقاط النظام.
وفي الـ21 من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلنت الجبهة تشكيل ما عُرف بـ"تحالف القوى الإثيوبية من أجل البقاء" رفقة ست قوى إثيوبية أخرى معارضة، وأوضح البيان الأول للتحالف أنه يهدف إلى الإطاحة بحكومة آبي أحمد وتشكيل حكومة انتقالية شاملة مع القوات المسلحة الإثيوبية الأخرى، وهو يخوض حالياً معركة شرسة ضد الحكومة الفيدرالية.