Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الغرناطي بالبيردي يكتب الفقد في "أثر يقود إليكِ"

اختير بين ابرز الشعراء الإسبان الجدد وأسس تيار "شعر اللايقين"

الشاعر الغرناطي فرناندو باليردي (مؤسسة الشعراء)

ملخص

صدرت ترجمة عربية  لديوان "أثرٌ يقود إليكِ" للشاعر الغرناطي فرناندو بالبيردي (دار ديوان) أنجزتها الأكاديمية المصرية سارة حامد حواس. وكانت ترجمة إنجليزية للديوان صدرت سابقا من توقيع ألن جوزيفس ولورا جولييت. وفي تقديم الترجمة العربية أشارت حواس إلى أن بالبيردي "مرتبط بالأمكنة ارتباطاً روحياً لدرجة أنها أصبحت جزءاً من تكوينه النفسي والثقافي والاجتماعي".

في ديوان "أثرٌ يقود إليكِ"، يواصل الشاعر الإسباني فرناندو بالبيردي تناول مأساة تعرض والدته لنزف دماغي لا شفاء منه، لكنه يقرنها، بفقدان الحب "ليخلق تياراً قوياً من الفقد يتجلى بوصفه ثيمة مهيمنة منذ العنوان"، و"يمزج في الوقت نفسه بين الهم الاجتماعي وأعمق ينابيع وجودنا"، بحسب المقدمة.

شاعر الأمكنة

وتضيف حواس أن بالبيردي يربط الكثير من ثيمات قصائده، سواء كانت عن الفقد أو الحب أو البحث عن الذات أو الإحساس بالحنين، بالأمكنة، "كأنه يترك جزءاً من روحه في كل مكان يرتاده، ويحوله إلى قصيدة، ربما لتظل تُذكره به". لذلك فإن بالبيردي شاعر يكتب قصائده من الذاكرة، ولأن له ذكريات كثيرة في أماكن متفرقة حول العالم، نجد أنه عندما يتحدث عن ثيمة معينة، فإنه يختار المكان المناسب لها، أو بالأحرى المكان الذي أثار عنده ذلك الشعور الذي يريد أن يكتبه" (ص 9).

أما مقدمة الطبعة الإنجليزية للديوان، والتي كتبها كل من ألن جوزيفس ولورا جولييت، فورد فيها أن فرناندو بالبيردي اختير عام 2014 أفضل الشعراء في اللغة الإسبانية، ممن ولدوا بعد عام 1970، بحسب استبيان شمل 197 من المتخصصين من 103 جامعات حول العالم.

ويقود بالبيردي جيلاً من الشعراء تضمه جماعة "شعر اللايقين"، "التي تمتاز بأنها بلا حدود وطنية أو جغرافية، بل عابرة للأطلسي عن قصد، وتعمل بنشاط على كسر الحدود والقوميات"، أما القيد الوحيد الذي تلزم نفسها به فهو اللغة الإسبانية بتنوعاتها الواسعة، وهي تضم شعراء من إسبانيا والمكسيك والسلفادور ونيكاراغوا وكولومبيا وبوليفيا وتشيلي والأرجنتين. ويشير جزيفيس وجولييت إلى سابقة تاريخية تتمثل في الشاعر النيكاراغوي روبين داريو وجماعته الحداثية Modernista)) التي جمعت بين شعراء من أميركا اللاتينية وإسبانيا عند مطلع القرن الـ 20، غير أن "شعر اللايقين"، تختلف اختلافاً جوهرياً، "فشعراؤها على تواصل دائم عبر الإنترنت، ويسافرون على نطاق واسع، ويتعاونون في مهرجانات شعرية دولية، مشكلين وحدة متماسكة كان تحقيقها مستحيلاً مادياً في زمن روبين داريو (1867 - 1916)، ومن ثم فهي مجموعة متنوعة ومتنامية لا تكاد تجد لها نظيراً في السابق".

"شعر اللايقين"

تضمنت المقدمة مقتطفات من حوار أجراه جوزيفس وجولييت، تحدث فيه بالبيردي عن ألمونييكار، حيث كان يقضي الصيف في بيت جديه لوالدته في طفولته، يقول "شعري ممتلئ بهذا المكان الذي كان في الأصل مدينة فينيقية على البحر المتوسط اسمها 'سكسي' واستوطنت قبل نحو 3 آلاف عام". بعد انفصال والديه وهو في الـ 12 من عمره، زاد تردده على بيت جديه منجذباً إلى مكتبة ضخمة تخص جدته التي كانت مولعة بالقراءة، وأول شاعر جذبه هو بابلو نيرودا (1904 - 1973) ثم فريدريكو لوركا الغرناطي مثله، ويصف غرناطة بأنها "جميلة ومرعبة، إذ لا تزال تضم أسوأ برجوازية في أوروبا".

بدأ بالبيردي كتابة الشعر خلال سنوات مراهقته، ونشر مجموعته الأولى "ريح مواتية" عام 2002، وفي العام التالي أسّس مع الشاعر دانيال رودريجيت المهرجان الدولي للشعر في غرناطة، وفي عام 2004 نشر مجموعته الثانية "أسباب للفرار من مدينة باردة"، ثم كتب مجموعته الثالثة "عيون البجع"، مستلهماً قصة إصابة والدته بنزف دماغي غير قابل للشفاء، وفاز عنها بـ "جائزة إميليو ألاركوس"، وفي تلك الفترة بدأ بالتعاون مع عدد من الشعراء من إسبانيا والمكسيك والسلفادور وكولومبيا، في تشكيل جماعة "شعر اللايقين"، وفي عام 2014 رُشح لجائزة "غرامي" عن عمل مشترك مع عازف الجيتار والمغني خوان بينييا، جمع بين موسيقى الفلامنكو وشعره، وفي العام نفسه نشر بالبيردي ديوان "أثر يقود إليك"، الذي ترجم إلى الانجلزية تحت عنوان (THE INSISTENCE OF HARM) واختاره معهد "كتّاب أميركا اللاتينية" في جامعة نيويورك "كتاب العام".

ويواصل هذا العمل تناول مأساة والدته، لكنه يمزجها هذه المرة بفقدان الحب، "ليخلق تياراً قوياً من الفقد يتجلى بوصفه ثيمة مهيمنة منذ العنوان" (ص 20)، فيرى بالبيردي أن الشعر "فعل إيجابي يواجه اللا يقين بقصيدة تلقي بعض الضوء على الواقع".

معجزة الشعر

وفي السياق ذاته يقول "إذا كانت القصيدة لا تُفهم، فالغالب أن الشاعر لم يحسن أداء مهمته"، ثم يلمح إلى جماعات شعرية منافسة مثل "النوفيثيموس"، و"شعراء الصمت"، منتقداً ما يتعمدونه من غموض، ويستشهد بقصيدة لأنخل غونثالث (1925 - 2008) الذي تعد ذكراه وشعره مصدر الإلهام لجماعته، "اغرورقت عين القارئ بالدموع / وهمس صوت محب في أذنه: "لماذا تبكي وكل ما في ذلك الكتاب كذب؟/ فأجاب: أعرف، لكن ما أشعر به هو الحقيقة".

يرى بالبيردي أن تلك القصيدة "تلخص على نحو استثنائي ما نفهمه بوصفه معجزة الشعر: قدرته على نقل الشعور بفضل اللغة والموارد المتنوعة التي يتيحها هذا الجنس الأدبي"، فبغير نقل العواطف وملء الفراغ، والتأمل في العالم، والتحول إلى ألف صوت، تصبح القصيدة جوفاء، بلا حياة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا، يقول مترجماه إلى الإنجليزية،  فإن الشعر كما يفهمه بالبيردي وزملاؤه في جماعة "اللايقين"، قد يكون خير وسيلة لمواجهة لا يقيننا"، ويرى المترجمان كذلك أن بالبيردي يمزج "بذكاء وحكمة" في هذا الديوان "بين الهم الاجتماعي وأعمق ينابيع وجودنا".

أما سارة حواس فترى أن من يقرأ شعر بالبيردي سيدرك أنه شخص مرّ بتجارب عميقة ومؤثرة، أسهمت مع موهبته التي اشتغل عليها منذ مراهقته، في جعله شاعراً مميزاً بين أقرانه"، ولاحظت كذلك أن شعر بالبيردي يتسم بقدر كبير من المشهدية، "لكنها ليست المشهدية الوصفية العادية، لأنه لا يركز على وصف المكان، بل على وصف نفسه وجزء من ذكرياته، وبعض المواقف التي حدثت له في ذلك المكان، بطريقة غير مباشرة تفتح الباب أمام تأويلات عدة".

وعلى رغم أنه يملك زمام لغته بحرفية عالية، تقول حواس، فإن بالبيردي ينوع في استخدام المفردات بصورة انسيابية، وهو بارع في استخدام صوره الجمالية المتنوعة، فتجده يستعين بالمكان والطبيعة، من بحر وشجر وطيور وشمس وقمر، في استعاراته وتشبيهاته التي يركبها بصورة مبتكرة".          

يشار هنا إلى أن قصائد بالبيردي تُرجمت إلى لغات عدة، ونال جوائز مرموقة، منها جائزة "فيديريكو غارسيا لوركا"، وجائزة "خوان رامون خيمينيث"، وسبق له العمل لـ 10 أعوام مراسلاً لصحيفة "إل باييس" من البلقان والشرق الأوسط، وهو حاصل على الدكتوراه في فقه اللغة الإسبانية من جامعة غرناطة، ويعمل حالياً أستاذاً في جامعة فيرجينيا في الولايات المتحدة الأميركية.  

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة