ملخص
منذ ثمانية عقود، حملت السعودية قضايا العرب إلى أروقة الأمم المتحدة، من استقلال الجزائر والدفاع عن سوريا وفلسطين، مروراً بأزمات الكويت واليمن، وصولاً إلى تحديات اليوم، وتعاقب على منبرها دبلوماسيون جعلوا الحجة والشرعية الدولية سلاحاً للدفاع عن المواقف العربية.
كثيراً ما هيمن الأقوياء على البيت الذي أسس على مبدأ المساواة بين الدول من أول يوم، لكن الشعوب التي لاذت بالأمم المتحدة هرباً من الاحتلال والقهر وقانون الغاب، سرعان ما اكتشفت "سر الطبخة"، كما يقول السعوديون، فالمبادئ لا تدافع عن نفسها، والحق إذا لم يجد من يحسن عرضه، ويحشد له، ويناور من أجله، بقي حبراً أنيقاً في الميثاق.
من هنا فهمت الرياض، باكراً، ومعها دول صاعدة في آسيا وأفريقيا والعالم العربي، أن جيوش المحتلين وترساناتهم وثرواتهم خارج المبنى لا تواجه بالسلاح وحده، ولكن بالحجة والشرعية وبناء الكتل القادرة على تحويل المظلومية إلى موقف دولي.
ففي نيويورك لا تحتاج الصورة إلى كثير بلاغة لإبراز تناقضاتها. تحت سقف واحد تتراكم خطب السلام، بينما تصل الوفود كل سبتمبر (أيلول) إلى المبنى الأيقوني في نيويورك لإحياء "الأسبوع الرفيع" محملة بحروب لم تنجح المنظمة في إطفائها، ونزاعات تنتظر قرارات قد تصدر ولا تنفذ، وأخرى لا تبلغ حتى مرحلة القرار.
في ختام مشاركة السعودية في أسبوع هذا العام، اختار وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان آل سعود أن يلفت قبل الملفات السياسية، إلى الذين عملوا خلف المشهد، كتب أنه "فخور بما أظهره منسوبو الوزارة من تفانٍ وإخلاص وتميز"، وبإسهامهم في تمثيل بلدهم خلال أعمال الدورة.
في ختام مشاركة المملكة في الأسبوع رفيع المستوى لأعمال الجمعية العامة في نيويورك، فخور بما أظهره منسوبو الوزارة من تفانٍ وإخلاص وتميّز في أداء مهامهم خلال أعمال الدورة الحادية والثمانين، وإسهامهم بشكل ملموس في تمثيل وطننا الغالي بأفضل صورة pic.twitter.com/VzAafGWOvk
— فيصل بن فرحان (@FaisalbinFarhan) September 27, 2026
أما على المنبر، فإن قائمة الملفات التي استدعت منه شكر الفريق على الحشد لها، كانت أثقل وأشد وطأً، فحضر فيها أمن الخليج، وحرية الملاحة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وفلسطين، واليمن، وسوريا ولبنان والعراق والسودان، إلى جانب الطاقة والتجارة والتنمية. وقال وزير الخارجية إن "أمن منطقة الخليج العربي جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة والعالم"، رابطاً استقرار الممرات البحرية بأمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، ومجدداً موقف بلاده بأن السلام الفلسطيني - الإسرائيلي لا يتحقق إلا بحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
معركة السيادة والاستقلال
لم يكن ملف الدولتين تفصيلاً عابراً في أسبوع نيويورك الحالي، ففي الـ22 من سبتمبر شاركت السعودية مع فرنسا وكندا وبريطانيا في عقد اجتماع رفيع المستوى خصص لدعم الحل، في وقت حذر الأمين العام للأمم المتحدة من تآكل مقومات الدولة الفلسطينية على الأرض.
لم تبدأ القصة هنا، فخلف المندوب السعودي الحالي عبدالعزيز الواصل، الذي حمل أخيراً إلى مجلس الأمن مواقف بلاده من فلسطين واليمن، وكذلك رسائل سعودية تتهم إيران بتنفيذ هجمات على أراضي المملكة، يمتد خط دبلوماسي إلى الأعوام الأولى للأمم المتحدة.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، كان الواصل يؤكد أمام مجلس الأمن دعم الرياض وحدة اليمن والحلول السلمية، بينما سجلت وثائق أخرى باسمه مواقف المملكة من أزمة الخليج والملاحة والهجمات التي قالت الرياض إنها تعرضت لها.
وفي وثائق عدة حصلت عليها "اندبندنت عربية" بين أضابير الأرشيف السعودي المحفوظ لدى دارة الملك عبدالعزيز (الدارة)، تستوقف المنقب صورة قديمة، تظهر جانباً من تفاصيل النضال السعودي الممتد في المنبر الأممي بعزيمة لا تكل، للمنافحة عن قضايا العرب والمسلمين، فيما ظلت هموم الرياض الخاصة، هي الأقل حضوراً في الحروب الدبلوماسية التي خاضتها هنالك.
تظهر الوثائق حجم الأثر الذي تركته تلك المعارك، حتى وإن ظن بعض الناقمين على المنظمة الدولية أن الخطابة فيها لا يتجاوز صداها أروقة المبنى الذي قيلت فيه، إذ كان أحمد الشقيري، الفلسطيني الذي مثل السعودية في الأمم المتحدة وتولى شؤونها الأممية بين أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات، وقف مدافعاً عن سوريا في مواجهة ما وصف آنذاك بالضغوط والاتهامات الغربية. ووصل صدى خطابه إلى دمشق حتى إن الرئيس السوري شكري القوتلي بعث إلى الملك سعود بن عبدالعزيز رسالة شكر يقول فيها إن خطاب الشقيري كان "دليلاً جديداً يؤكد للعالم أجمع حقيقة التجاوب القومي الذي يربط بين البلدين الشقيقين"، ويشكر الملك على توجيهاته "للعمل على نصرة هذه القضية".
وأضاف "لم يكن خطاب السيد أحمد الشقيري مندوب جلالتكم في هيئة الأمم المتحدة غير دليل جديد يؤكد للعالم أجمع حقيقة التجاوب القومي الذي يربط بين البلدين الشقيقين، ويظهر مرة أخرى إيمان جلالتكم بعدالة القضية العربية واختياركم الوقت المناسب لإصدار توجيهاتكم السامية للعمل على نصرة هذه القضية"، مؤكداً أن "الشعب العربي في سورية الذي يقدر في جلالتكم عزمكم الأكيد على تأييده في صراعه ضد العدوان والطغيان ليؤكد لكم امتنانه لمواقفكم العربية الجليلة. أرجو المولى تعالى أن يحفظ جلالتكم وأن يوفقنا جميعاً لخدمة هذا الوطن العربي الكبير في ظل السيادة والحرية".
رد الملك سعود، بحسب النص الذي نشرته صحيفة "الشباب" السورية، بأن مناصرة سوريا ليست موقفاً عارضاً: "هذه خطتنا التي تعرفونها ويعرفها الجميع، ونحن جادون فيها إن شاء الله إلى النهاية، حتى يكتب الله النصر فيها للعرب أجمعين في حفظ سيادتهم واستقلالهم".
وفي مناسبة أخرى، لفت الرئيس السوري إلى "المواقف النبيلة التي يقفها سمو الأمير فيصل (الملك لاحقاً) ومندوب جلالتكم في الأمم المتحدة عملاً بتوجيهاتكم السامية إيحاء جلالتكم السديد لإفهام العالم أجمع وحدة الرأي العربي إزاء كل عدوان على أي بلد عربي، وفق تصريحاتكم وبياناتكم الموجهة، التي تترك أعظم الأثر في النفوس وأجمل الوقع في القلوب، أمد الله بحياتكم وتولاكم بعظيم رعايته".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وثائق استقلال الجزائر
تمنح المراسلات تلك الواقعة معنى يتجاوز بلاغة المنبر، فالخطاب الذي قيل في نيويورك عاد إلى المنطقة في صورة رسالة بين رئيسين، ثم تحول إلى توثيق علني لموقف سياسي سعودي، في لحظة كان فيها استقلال الدول العربية وسيادتها جزءاً من الصراع الدولي الأوسع، فلا يكاد ملف دولة عربية يتجاوز الظرف الحرج حتى يحيط الخطر بآخر، فتنطلق الرياض تنافح عنه بكل قوة، توظف في ذلك كل أدواتها الدبلوماسية والسياسية، وربما أحياناً العسكرية، لو من خلف الستار، كما هي الحال في الثورة الجزائرية.
ففي القضية الجزائرية كان مندوبها الشقيري يخوض سجالاً مباشراً مع فرنسا داخل اللجنة السياسية للأمم المتحدة. وتؤكد السجلات الرسمية للمنظمة مشاركته في مناقشات "مسألة الجزائر" عام 1961، واستعادته محطات الاحتلال الفرنسي والحرب من أجل الاستقلال وحق الجزائريين في تقرير مصيرهم.
لكن الصحافة العربية في ذلك الوقت تقدم صورة أكثر حيوية للمرافعة، تحت عنوان "مندوب السعودية يسخر من الخرافة الفرنسية، ويؤكد بأن الجزائر جزء من الأمة العربية". نقلت صحيفة "بردى" السورية عن الشقيري مطالبته الأمم المتحدة بأن تمارس "جميع الضغط اللازم لتحقيق الحرية لشعب الجزائر المكافح"، وأن الاستقلال يجب أن يكون "ناجزاً"، وصولاً إلى انضمام الجزائر إلى الأمم المتحدة كما سبقتها تونس والمغرب.
لم يكتف بتأييد الاستقلال، بل جادل وزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو في ترتيب الحل نفسه، ففي مقابل التصور الفرنسي الذي يبدأ بوقف إطلاق النار ثم الانتخابات، طرح مندوب السعودية مساراً يبدأ بالاعتراف باستقلال الجزائر وحكومة وطنية موقتة، ثم وقف النار فالتفاوض بين الجزائريين وفرنسا. أي إن المرافعة السعودية آنذاك لم تكن بيان تضامن فحسب، بل محاولة للتأثير في هندسة التسوية.
وكانت لحظة رؤية المندوب السعودي نظيره الجزائري على منبر الأمم المتحدة بعد الاستقلال، من أيام النصر الكبرى، الذي لا يزال المؤرخون يستذكرونها باهتمام وتأثر. وقد حضر جلسة الاعتراف حشد من الأمم التي رأت في انتصار ثورة الجزائر نصراً لكل الأمم المغلوبة، فضلاً عن الوفد الجزائري واسع التمثيل، إذ صعد أعضاء الوفد إلى مقاعدهم في قاعة الجمعية، يتقدمهم رئيس الوزراء أحمد بن بله؛ وزير الخارجية محمد خميستي؛ وزير المؤسسات توفيق المداوي؛ النائب محمد يزيد؛ النائب أحمد كايدي؛ والنائبة ت. مشيش، حسب وثائق الأمم المتحدة. وبذلك صارت الجزائر البلد 109 في المنظمة الدولية. وضجت على إثر ذلك قاعة المبنى بالتصفيق والهتاف والوقوف الطويل.
وفي هذا السياق يقول الباحث الجزائري رشيد ولد بوسيافة عن خلاصة الوثائق المرصودة من تلك المرحلة "إن الأثمان التي دفعتها السعودية في سبيل استقلال الجزائر، مهما قلنا عنها فنحن لا نوفيها حقها، فهي لم تقتصر على المستوى الثقافي الذي منعت جهوده طمس هوية الشعب الجزائري عبر توفير الملاذ الآمن لعلماء الجزائر في مجاورة الحرمين الشريفين والتلاقي في موسم الحج أمثال عبدالحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي وغيرهم، مما سمح بإنشاء النواة الأولى لمدارس تعليم العربية وحفظ الهوية العربية والإسلامية بواسطة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) التي أنشئت خصيصاً لهذا الهدف".
كل ذلك قبل اندلاع المقاومة، ثم تطور الدعم المادي لاحقاً وترجم في شحنات سلاح وعتاد، ونضال سياسي علني على نحو نادر، إذ كانت معظم الدول العربية تقوم بدورها سراً بسبب ظروفها، بينما كانت السعودية تستميت بكل ما أوتيت من قوة في الجهر بحق الجزائر في طرد المستعمر، بحسب توثيق بوسيافة.
تجاوز الأعراف الدبلوماسية
وأكد أن الوثائق التي طالعها برهنت على أن القيادة السعودية ألقت بكل ثقلها خلف الملف الجزائري، متجاوزة حتى الأعراف الدبلوماسية من أجل تحقيق اختراق في الأزمة التي كانت شغل العالم والعرب الشاغل، وذلك حين كلفت شخصية عربية غير سعودية بشغل منصب مندوب الرياض في الأمم المتحدة من أجل إبراز القضية الجزائرية بعمق خاص، بالتواطؤ مع الثوار الجزائريين.
ويقول "بعدما تمت الاستجابة لهذا الالتماس وأصبح المناضل العربي أحمد الشقيري رئيساً للوفد السعودي، ارتفع صوت هذا الخطيب المفوه في أروقة الأمم المتحدة وجلسات مجلس الأمن، فتفنن في فضح أساليب فرنسا الاستعمارية في التنكيل بالشعب الجزائري، وأسهب في ذكر جرائم فرنسا أمام العالم المتحضر وممثلوها حاضرون، وأحرج حلفاء فرنسا الذين سكتوا عن فظائعها في الجزائر".
وأظهرت الوثائق، بحسبه، أن رئيس الوفد السعودي المتحدث بلسان الثوار، "تجاوز في مرافعاته لمصلحة القضية الجزائرية، الأحداث الآنية التي كانت تشهدها الجزائر، إلى الدخول في نقاش سياسي فكري تاريخي، هدم من خلاله أساسات الاستعمار الذي كان يدعي أنه دخل أرضاً بلا شعب، وأن الجزائر صنيعة فرنسية لم تكن أمة قائمة بذاتها"، فأثبت بالبراهين أن الجزائر عكس ذلك، وأنها كانت سيدة المتوسط تبرم معها الدول المعاهدات، بما فيها أميركا وفرنسا نفسها قبل احتلالها.
فترة الشقيري على ما طبعها من استثناء بحكم مجيئها في عهد الصراع مع احتلال الأوطان العربية، لم يكن وحده في ذلك المسرح، إذ جاء خلفه على المنبر جميل البارودي، سيفاً سعودياً وعربياً، لا يهاب منازلة الأقوياء، ولا يأنف من ملاسنة الكبراء، في وقت كانت فيه الكلمات المنسابة على أثير "الراديو"، مثل شحنات الرصاص على الجبهات، في الإبقاء على القضايا العربية حية في وجدان العرب، فضلاً عن أمم أخرى من العالم المستعمر، الذي ظل يكيل له بلغته كل الهجاء المحرج، أمام الملأ العالمي.
يوثق الكاتب محمد بن عبدالله السيف أن البارودي انضم إلى الوفد السعودي الذي شارك في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، ثم طلب منه الأمير فيصل بن عبدالعزيز المساهمة في تنظيم المكتب السعودي في نيويورك الذي سيحتضن لاحقاً البعثة الدائمة. وهكذا بدأ ارتباط امتد أكثر من ثلاثة عقود بين دبلوماسي لبناني مسيحي وبين تمثيل دولة كانت تجعل فلسطين في صدارة خطابها الخارجي.
"مسيحي لبناني يرفع راية الإسلام"
وهذه المفارقة هي التي توقف عندها الكاتب سمير عطا الله في قراءته لسيرة البارودي، فالرجل، كما كتب، كان "لبنانياً مسيحياً"، لكن الملك فيصل رأى فيه ما يبحث عنه من "الشجاعة والصدق والبلاغة". ويلخص عطا الله الصورة بعبارة لافتة: "رفع هذا المسيحي اللبناني راية الإسلام"، فيما حمل البارودي فلسطين وسائر القضايا العربية إلى منبر الدولة التي يمثلها.
في مقابلة أجراها الصحافي رفيق خليل المعلوف معه عام 1971، وصفه بأنه أمضى 26 عاماً يدافع عن العرب في المنظمة. وفي واحدة من طرائفه، يروي السيف أن السفير البريطاني قاطع حديثه مرة لمصافحته، فقال له البارودي: "أنا أحبكم أنتم الإنجليز... أحبكم لأنكم أصبحتم ضعفاء"، ثم أضاف "أنا دائماً مع الضعفاء".
وعطا الله، الذي شاهد ذلك الزمن من قاعات الأمم المتحدة مراسلاً صحافياً فطناً، كتب أن المندوب الأميركي كان يتوتر والإسرائيلي "يحتقن" عندما يتجه البارودي إلى المنبر، لأنه يعرف أن خطاباً طويلاً في انتظاره، "فالرجل البسيط المظهر، ذو النظارتين الطبيتين البسيطتين، سيلقي خطاباً طويلاً ومريراً، لن يتوقف عند شيء، يدخل من باب تاريخي ويخرج من آخر. يحلل حدث الصباح، ويستنكر حدث المساء. ولا يجد مندوب إسرائيل ما يقوله سوى أن ’مندوب السعودية الدائم، رجل معادٍ للصهيونية‘".
وتنقل مصادر أخرى أن جورج بوش الأب، حين كان سفيراً لبلاده لدى الأمم المتحدة، كان من أهداف ارتجالات البارودي وتهكمه. ويورد ديفيد بوسكو في كتابه عن مجلس الأمن مشهداً دخل فيه بوش القاعة أثناء حديثه، فناداه البارودي طالباً منه الجلوس لأنه يريد أن يحدثه عن شركات النفط!
وبدلاً من أن تدفع شخصيته الحادة الرياض للضيق بخروج مندوبها عن الرصانة الدبلوماسية والملكية التي عرفت بها حتى اليوم، ظلت المملكة ببعد نظرها تطلق له العنان وتبقي عليه سيفاً مصلتاً، فطوال 30 عاماً "تغير مندوبون كثر على منصة الأمم المتحدة، وبقي البارودي في مكانه ومكانته، غالباً ما تجمهر حوله الضيوف يستمعون إلى خطبه الطويلة، أو يتفرج عليه المندوبون وهو يقارع مندوب إسرائيل مخاطباً إياه مرة بعد مرة "اخرس، اصمت"، وفق عطا الله.
لم تكن خطب البارودي من النوع الذي تحتمله قامات المتعالين الغربيين حينها بسهولة.
بعده جاء سمير الشهابي، وإن قطعت مهمته النيويوركية الأولى محطة باكستانية فرضها الغزو السوفياتي لأفغانستان، قبل أن يعود مندوباً دائماً عام 1983. ويوثق محمد السيف أن فلسطين وأفغانستان كانتا من الملفات المبكرة في تجربته، لكن الاختبار الأثقل وصل صيف 1990 عندما غزا صدام حسين الكويت.
في شهادة صحافية من ذلك الوقت نقلها السيف، كان الشهابي يحمل هاتفه اللاسلكي حيثما ذهب، ولا يتخلف عن جلسات مجلس الأمن، بعدما وجد نفسه في موقع لم يتوقعه: ممثل دولة عربية يعمل دبلوماسياً ضد غزو دولة عربية أخرى.
براعة الشهابي في تمرير المواقف
ويصف السفير السعودي عبدالرحمن الجديع الشهابي الذي عرفه عن قرب بـ"القدوة والمثال"، وهي عبارة تختصر الصورة التي بقيت عنه لدى جيل من الدبلوماسيين السعوديين الذين عرفوا طريقته في العمل.
وبعد عام من أزمة الكويت، وصل الشهابي إلى أعلى موقع أممي بلغه دبلوماسي سعودي في المنظمة حتى اليوم، إذ اختير رئيساً للدورة الـ46 للجمعية العامة عام 1991. والسجل الرسمي للأمم المتحدة يثبت توليه الرئاسة في تلك الدورة، كما تولى لاحقاً، بصفته رئيس الجمعية، إدارة جلسة تعيين بطرس غالي أميناً عاماً للمنظمة.
ويقدم السفير الجديع، في حديثه مع "اندبندنت عربية" جانباً أقل ظهوراً من تجربة سمير الشهابي في نيويورك، يتعلق بطريقة إدارة العمل داخل الوفد نفسه. ويقول إن الشهابي كان هادئ الأسلوب، بعيداً من التكلف، لكنه شديد العناية بالتفاصيل، يعقد لقاءات منتظمة مع الدبلوماسيين المشاركين في أعمال الجمعية العامة لمراجعة ما يجري داخل اللجان ومناقشة مشاريع القرارات المطروحة، ثم يزودهم بالتوجيهات اللازمة في شأن التصويت، وفق الموقف الذي تحدده وزارة الخارجية.
ويضيف الجديع أن الشهابي لم يكن يكتفي بطلب معرفة الموقف من مشروع القرار، بل كان يصر على فهمه والتعامل مع تفاصيله والتنسيق مع الدول القريبة في الموقف، وينصح بأن تكون مداخلات أعضاء الوفد "مدعمة بالحجة والبراهين"، حتى يصبح الدبلوماسي قادراً على التفاوض لا مجرد إبداء التأييد أو الاعتراض، فيقترح تعديلات بديلة، أو يطلب تعديل بعض الفقرات أو سحبها. ويصفه بأنه كان "كان متمكناً وبارعاً في الأساليب والآليات التي تحكم سلوك الدول، كأنما يقرأ خريطتها النفسية ويستبين ما تخفي وتظهر".
جاء ذلك الأسلوب، بحسب الجديع، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ المنظمة الدولية، فقد تولى الشهابي رئاسة الجمعية العامة في وقت كانت فيه بنية النظام الدولي نفسها تتبدل مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك الكتلة الاشتراكية واتساع عضوية الأمم المتحدة، تزامناً مع تصاعد ما عرف لاحقاً بالعولمة واتساع مساحة "الدبلوماسية متعددة الأطراف". وإلى ذلك كانت تداعيات غزو العراق للكويت لا تزال حاضرة بقوة في مجلس الأمن والجمعية العامة، بعدما تحولت الأزمة إلى اختبار كبير لفاعلية النظام الأممي وقدرته على التعامل مع اعتداء مسلح بين دولتين عربيتين.
ومع عبدالله المعلمي، الذي تسلم المندوبية في العقد الثاني من الألفية، تغيرت الحروب والأسماء، لكن تحديات ساحة العمل ومعاركه باقية وتتجدد. جاءت مرحلته في ذروة ما سمي "الربيع العربي"، والحرب السورية، وصعود الحوثيين في اليمن، والتوتر مع إيران، فيما بقيت فلسطين ملفاً ثابتاً في مجلس الأمن.
وفي حوار سابق مع "اندبندنت عربية"، شرح المعلمي جانباً نادراً من صناعة الرسالة السعودية داخل المنظمة، ففي جلسة لمجلس الأمن عن حماية المدنيين، استدعى وصايا الخليفة أبي بكر الصديق للجيوش. وعندما سألته عن جدوى مخاطبة دبلوماسيي العالم بنص تاريخي كهذا، أجاب بأن "خطاباً واحداً" لا يحقق الهدف، لكنه "جزء من العملية التي نعمل على إبرازها وإظهارها"، قبل أن يربطه بما تقوله اتفاقات جنيف والقانون الدولي عن حماية المدنيين.
وعلى رغم أن فترة الربيع العربي كانت غنية بالسجالات في الأمم المتحدة، فإن الملف السوري كان أكثرها إبرازاً لإمكانات المعلمي، أثناء مرافعاته ضد مندوب النظام في دمشق يومئذ بشار الجعفري. ومن أطرفها يوم لمز الأخير بأنه أخطأ في "بيت شعر"، وحين صرخ الجعفري في وجه المعلمي قائلاً: "لست أخاك" في مناسبة أخرى.
"صبا بردى" يبكي مندوباً أوروبياً
لكن ما يجعل المندوب السعودي المعلمي أكثر اختلافاً، هو عدم نقله "معارك المبنى الأممي" إلى خارج أسواره، فعندما سألته حينها عما أعقب سجاله الشهير مع المندوب السوري من توتر، أجاب "علاقتي مع الأخ الدكتور بشار الجعفري هي من طرفي في الأقل مبنية على الاحترام والتقدير لما يتمتع به الدكتور الجعفري من كفاءة مهنية وثقافة واسعة، ومن سوء الحظ أن تكون هذه القدرات لديه مسخرة لخدمة قضية خاسرة".
وعندما سألته، هل ترى الشعر والفصاحة مجدية في مجلس الأمن، أجاب بأن. شواهده الشعرية كانت ناجعة في إيصال مقصوده، حتى إن دبلوماسياً غربياً ذرف الدموع على دمشق متأثراً برثاء المعلمي إياها، يوم أورد تحت قبة المجلس رائعة أحمد شوقي "سلام من صبا بردى أرق... ودمع لا يكفكف يا دمشق"، ليكشف له الدبلوماسي الغربي عن أن الأبيات أثارت أشواقه يوم كان سفيراً لبلاده لدى سوريا.
وفي لقاء نظمه نادي الشرقية الأدبي بعنوان "منبر الأمم المتحدة... بين الأدب والسياسة" قال السفير السعودي حينها إنه وجد الأدب والشعر "أبلغ في كثير من الأحيان، وأقدر على إيصال الرسالة من الكلمات الجوفاء المنمقة التي لا تحمل مشاعر ولا أحاسيس ولا تخاطب الوجدان، مثلما أن ردود فعل السفراء الحاضرين، حتى من لا يتقن العربية، كانت تنبئ بأن مضمون الرسالة وروحها وصلا".
ولفت إلى أنه وإن كانت سجالاته مع مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة الجعفري هي التي أثارت الانتباه، إلا أن ردوده على السفير الإسرائيلي كانت أقسى وأكثر.
وقع العبارات يتجاوز عادة ما يظهر على الشاشة، ولذلك فإن الكلمة الأممية ليست دائماً غاية في ذاتها، بل قطعة داخل بناء أوسع من المرافعات واللقاءات والتحالفات وصياغة القرارات.
وكان اليمن أحد أوضح الأمثلة، ففي أبريل (نيسان) 2015 تبنى مجلس الأمن القرار 2216 بغالبية 14 صوتاً وامتناع روسيا، مطالباً الحوثيين ضمن بنوده بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية، ومؤكداً مسار الانتقال السياسي اليمني، وهو القرار الذي كان حتى اليوم عمود الشرعية لاستعادة الحكم في اليمن من قبضة ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران.
وبعد أعوام، كان المعلمي يقول في حوار آخر مع "اندبندنت عربية" إن الرياض مستعدة لوقف الحرب متى توافرت ترتيبات الانسحاب وتسليم السلاح وتنفيذ القرار، مستشهداً آنذاك باتفاق الحديدة باعتباره اختباراً لإمكان الانتقال إلى وقف أوسع للنار. وفي فلسطين، شرح لماذا كانت القضية تظهر حتى في خطابات تتناول إيران أو اليمن، قائلاً إن ذلك "متعمد" لتأكيد الموقف السعودي، قبل أن يلخص أهمية الميدان الأممي بجملة ربما تصلح لفهم جانب كبير من مهمته: "السلاح الأكبر لدى الأمة العربية والشعب الفلسطيني هو الشرعية".
وتؤكد محاضر الأمم المتحدة أن هذا النهج لم يكن سائداً في لغة المقابلات وحدها، ففي جلسات مجلس الأمن كان المعلمي يكرر الدعوة إلى دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإلى تسوية سياسية في سوريا، وتنفيذ الاتفاقات والقرارات الخاصة باليمن.
ثم جاء عبدالعزيز الواصل إلى نيويورك في زمن مختلف: حروب غزة، وتوتر الخليج، وأزمة الملاحة، وعودة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن، بالتوازي مع جهد سعودي وفرنسي ودولي أوسع لإبقاء حل الدولتين قائماً. وفي يونيو (حزيران) الماضي ظهر الواصل إلى جانب ممثلي فلسطين والمجموعتين العربية والإسلامية في تحرك مشترك في شأن الأراضي الفلسطينية، فيما حملت رسائله الرسمية خلال 2026 مواقف الرياض من اليمن والتصعيد الإقليمي.
حين وقف وزير الخارجية الأمير فيصل هذا الأسبوع مطالباً بالتمسك بميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ومشدداً على حرية الملاحة وحل الدولتين والاستقرار في اليمن، لم تكن اللغة منفصلة تماماً عن وثائق الأرشيف، يوم كان الشقيري يجادل فرنسا في استقلال الجزائر، ويشكر القوتلي الملك سعود على الدفاع عن سوريا، وحين يطيل البارودي الوقوف أمام مجلس الأمن حتى يضيق به خصومه، ويتحرك الشهابي بين أزمات أفغانستان والكويت وسقوط الاتحاد السوفياتي، وعندما يبحث المعلمي في نص عمره 14 قرناً عن حجة لجلسة حديثة لحماية المدنيين.
فلسفة "التوحيد" تضرب أطنابها
تغيرت الدول التي تصعد وتهبط، والتحالفات والخصومات، وحتى معنى القوة داخل النظام الدولي، لكن بعض الأوراق التي حملها المندوب السعودي إلى نيويورك قبل 70 عاماً لا تزال على الطاولة، والخيمة العربية الآتية من نجد لا تزال تضرب أطنابها راسخة في بيت الأمم.
وفلسطين، أكثر من أي ملف آخر، هي الشاهد على ذلك، بدأت في كلمات الشقيري والبارودي والشهابي، واحتلت جانباً واسعاً من مرحلة المعلمي، ثم عادت في الدورة الـ81 تحت الاسم الذي يطارده الدبلوماسيون اليوم: "حل الدولتين".
وهكذا بقي الرهان السعودي واحداً: ألا تترك القضايا العربية والإسلامية فريسة لموازين القوة وحدها، وأن يبقى لها وزن في ميزان الشرعية الدولية على رغم الأثمان السياسية لذلك، فقد تبدلت الخصومات والتحالفات، لكن صوت المنبر بقي مدوياً، حتى صار الخصم الفرنسي القديم في الجزائر شريكاً للرياض في رسم "مسار لا رجعة عنه" نحو الدولة الفلسطينية.
وهنا تكمن فضيلة الثبات على المبدأ، فتتغير الأزمنة والخصوم، ولا تتغير البوصلة، في إبقاء القضية العربية من أي وجهة كانت، حاضرة، ثقيلة، وعصية على المحو.
لكن ذلك لا يعني أن جميع ما هو منشود يمكن الوصول إليه عبر المنظمة، التي تتنازعها الأهواء. فعلى رغم أن دعوات إصلاحها تجددت أخيراً، إلا أنها حتى في يوم ولادتها كانت من قبيل "فن الممكن".
وتكشف الوثائق التي اطلعت عليها "اندبندنت عربية" أن الملك فيصل (وزير الخارجية حينئذ) يوم وقع على ميثاق التأسيس، الذي اعتبر إنجازاً كبيراً في وقته، نبه في كلمته أمام مؤتمر سان فرانسيسكو 1945، إلى أن ذلك "الميثاق الذي أنجز بعد عمل شاق ومناقشات طويلة ومداولات، لا يمثل الكمال الذي تتوق إليه الدول الصغرى، لكنه بلا شك أفضل ما يمكن أن تتفق عليه خمسون دولة"، فكيف بها الآن وقد أصبح مجموع الدول 193 دولة.
أما الغاية منه، فهو "خلق منظمة ذات فعالية قصوى للمحافظة على السلام والعدل في عالم المستقبل".
ولم يفت الفيصل ربط قيام المنظمة بتجربة الشعوب التي دفعت أثماناً كبيرة في الحروب والاحتلال، قائلاً إن كثيراً من الدول "عانت كثيراً في نضالها من أجل الحرية، وفي الدفاع عن الإنسانية، وفي التحرر من العبودية"، وإن العالم رأى "قوى الظلم والقهر تسيطر على أوروبا وتهدد الشرق الأوسط"، قبل أن تنهزم. ومن موقعه العربي قال: "نحن أبناء الشرق الأوسط، وخاصة الشعوب العربية، تملأ قلوبنا السعادة والفرح لانهزام قوى الظلم والشر".
وذلك أن السعودية التي توحدت أرجاؤها المترامية في مرحلة مبكرة من تاريخ العرب قبل نحو 100عام، ما لبثت أن غدت بذرة خير وأسوة، وصوتاً وصرحاً في المعنى والروح قبل أن يكتمل المبنى، "يلوذ به العرب"، فهذا تؤوي، وذاك ترفد، وأولئك تعيرهم قبساً من ضيائها، الكاشف لزيف ظلمات المحتلين وغزو المستعمرين.
ولم يطب لها خاطر حتى صار "التوحيد" الذي نعمت به فلسفة تنشرها حتى اليوم، وخيمة اتسعت ظلالها لسوريا والجزائر وباكستان والعراق ولبنان وأفغانستان والكويت والإمارات والبحرين وغيرها، وفوق ذلك فلسطين التي لم تمل الرياض من طول أمد قضيتها.
أما من هجرتهم الأزمات من أوطانهم، من فلسطينيين وسوريين وبورميين وإيغور، فأجارتهم يوم الضراء، وتقاسمت معهم أرضها وأرزاقها وطبها وتعليمها بين مدنها وأحيائها، لا في مخيمات معزولة على هامش الحياة.