ملخص
الاستراتيجية الأكثر فاعلية للديمقراطيين خلال انتخابات التجديد النصفي، التي من شأنها أن تؤثر على توجهات أصوات الناخبين، لا تكمن في التعهد بعزل ترمب أو اتخاذ إجراءات عقابية أخرى بحقه في حال استعادوا السيطرة على الكونغرس في نوفمبر، بل في تقديم أنفسهم كعلاج لحالة الفوضى التي كثيراً ما يثيرها الرئيس الأميركي.
خلال خطابه أمام الأمم المتحدة الأسبوع الماضي بدا الرئيس الأميركي دونالد ترمب غير منشغل كثيراً بالتبعات السياسية المحتملة لقراراته منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل نحو عامين. وصرح أمام قادة العالم قائلاً: "الحزب الجمهوري هو من يخوض الانتخابات، وسأقدم لهم الدعم، لكنني لست مرشحاً". وأكد أن انتخابات التجديد النصفي لن يكون لها أي تأثير على نهجه تجاه الحرب في إيران، مشيراً إلى أن هذا الأمر "لا يشغل باله إطلاقاً".
ومنذ يناير (كانون الثاني) 2025، اتخذ الرئيس الأميركي سلسلة من القرارات المثيرة للجدل، بدءاً من حملته الداخلية الواسعة ضد المهاجرين غير الشرعيين، وما رافقها من توسع في عمليات التوقيف والترحيل القسري، وصولاً إلى مواقفه من قضايا الإجهاض وحقوق المثليين، وهي ملفات تحظى بحساسية لدى الناخب الأميركي.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد اتخذ مقاربة أكثر صدامية مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، ما أدى إلى توترات غير مسبوقة في العلاقات عبر الأطلسي، وكذلك مع كندا، الجار الشمالي للولايات المتحدة. وضغط على دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) لزيادة الإنفاق الدفاعي. كما استخدم الرئيس الرسوم الجمركية على نطاق واسع أداةً اقتصادية وسياسية. وفي الوقت ذاته، اتخذ مواقف متشددة تجاه حربي أوكرانيا وغزة، قبل أن تدخل الولايات المتحدة في حرب مباشرة مع إيران، لتصبح السياسة الخارجية مرة أخرى أحد الملفات التي ربما تجد صداها داخل السياسة الانتخابية الأميركية.
وبينما أبدى ترمب قلة اهتمام بانتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإن سياساته خلال العامين الماضيين ربما تكون حاضرة في خيارات الناخبين. فهل تتحول قضايا مثل الاقتصاد والهجرة والتدخلات العسكرية الخارجية إلى عوامل مؤثرة في التصويت، وهل يحمل الناخبون الحزب الجمهوري مسؤولية سياسات الإدارة الأميركية؟
قضايا خلافية
على الصعيد الداخلي شغلت مطاردات سلطة الجمارك والهجرة للمهاجرين الرأي العام الأميركي خلال العامين الماضيين، وسط مشاهد غير إنسانية في بعض حالات القبض على المخالفين وارتكاب كثير من حالات التوقيف العشوائي والترحيل خارج الولايات المتحدة. لكن ظلت القضية خلافية وتعكس انقساماً بين الأميركيين، فبحسب استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث أجرى في يناير (كانون الثاني) الماضي، يرى 44 في المئة أنه من المقبول أن يكثف مسؤولو الهجرة وجودهم في الأحياء التي يقطنها عدد كبير من المهاجرين، في حين يرى 54 في المئة أن ذلك غير مقبول.
وحتى في الولايات ذات الغالبية الجمهورية مثل تكساس وفلوريدا، شهدت الدوائر الانتخابية التي تضم كثافة سكانية عالية من أصول لاتينية تراجعاً في الدعم للحزب الجمهوري، وذلك وفقاً لاستطلاع حديث أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع معهد "سيينا". ويشمل ذلك الدائرة الـ27 في فلوريدا، حيث تسعى النائبة ماريا إلفيرا سالازار إلى الفوز بولاية ثالثة لتمثيل أجزاء من مدينة ميامي.
وفي الأسبوع الماضي، أطلقت سالازار إعلاناً ينتقد صراحة أجندة ترمب المتعلقة بالهجرة، معتبرة أن جهود إنفاذ القوانين التي يتبناها "تجاوزت الحدود". وقالت سالازار، التي تُصنف دائرتها في تقرير "كوك" السياسي على أنها دائرة تميل لصالح الجمهوريين، مخاطبة ترمب: "توخ الحذر مما يخبرك به مستشاروك بشأن سياسة الهجرة؛ فالناخبون من أصول لاتينية، هم أنفسهم من ساعدوك في الوصول إلى البيت الأبيض، يشعرون اليوم بالخذلان".
وفي حين، حظيت سياسة ترمب على صعيد مشاركة المتحولين جنسياً في الألعاب الرياضية ضمن فرق النساء، بتأييد واسع داخل الولايات المتحدة، فإن موقفه من قضية خلافية تمس النساء مثل الإجهاض حظي بانقسام. وأظهر استطلاع لمركز "بيو" أجري في الربع الأول من العام الجاري، أن 60 في المئة من البالغين في الولايات المتحدة يؤيدون الحق القانوني في الإجهاض في كل أو معظم الحالات.
سياسات صدامية
وبقي الرئيس الأميركي أكثر صخباً على الصعيد الخارجي، ففور عودته إلى البيت الأبيض استخدم سلاح الرسوم الجمركية الذي حاول إشهاره خلال إدارته الأولى، ولم يكتفِ بالهجوم اللفظي على حلفائه عبر الأطلسي وكندا، بل سعى إلى ضم أراضي دول حليفة إلى الولايات المتحدة عندما تحدث علانية عن السيطرة على جزيرة غرينلاند وحتى عن ضم كندا لتكون الولاية الـ51 للولايات المتحدة الأميركية، في تصريحات عدائية أثارت غضباً شديداً بين حلفاء واشنطن. ولم يراعِ الأعراف الدبلوماسية عندما واصل إحراج ضيوفه من قادة العالم خلال اللقاءات العلانية، حتى بات الذهاب إلى البيت الأبيض مهمة شاقة لقادة العالم.
وفي حين صاغ البعض تلك السياسات في إطار الانعزالية التي بدت في خطاب ترمب خلال ولايته الأولى، غير أن المراقبين في أوروبا نظروا إلى تلك السياسة الخارجية المتشددة من منظور السياسات المحلية. فيقول معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، إن ترمب استخدم سياسات واشنطن تجاه الدول الأخرى كأداة لتحقيق أهداف داخلية واقتصادية وأمنية، مع استخدام القوة العسكرية والتعريفات الجمركية والصفقات التجارية والاتفاقات السياسية كأدوات مترابطة، فعلى سبيل المثال استخدم التعريفات الجمركية كأداة تفاوضية وجيوسياسية وليس فقط لحماية الصناعة الأميركية كما تم الترويج لها.
لكن في إطار هذا التوظيف، نفذت واشنطن عمليات عسكرية خارجية على نقيض ما كانت تعد به استراتيجية الأمن القومي والدفاع الأميركية التي نصت على تقليص التدخلات العسكرية الخارجية للولايات المتحدة، وإن كانت في معظمها تقوم على عمليات قصيرة وقوية بدلاً من نشر قوات برية لفترات طويلة. ومع ذلك، فإنه في إطار العمليات المرتبطة بحرب إيران، هناك نحو 50 ألف عسكري أميركي منتشرون في الشرق الأوسط.
الاقتصاد المحرك الأساس
على صعيد الانتخابات، يظل الاقتصاد هو القضية المحورية التي يحتكم إليها صوت الناخب الأميركي، وهو ما تأثر به بشدة جراء قرار ترمب خوض حرب ضد النظام الإيراني مستمرة منذ فبراير (شباط) الماضي، وتحولت هذه الحرب إلى واحدة من أكبر نقاط الضعف التي تواجه الحزب الجمهوري؛ إذ أدى الصراع المفتوح إلى صدمة في قطاع الطاقة، تسببت في ارتفاع حاد في أسعار البنزين ودفعت أسعار الديزل إلى مستويات قياسية. وفي المقابل، أبدى الناخبون استياءهم من الرئيس وأعضاء حزبه المرشحين للمناصب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويظهر أحدث استطلاع للرأي أجرته "رويترز وإيبسوس"، تراجع شعبية ترمب إلى أدنى مستوياتها، مدفوعاً بتراجع الدعم داخل الحزب الجمهوري وتدهور النظرة إلى الوضع الاقتصادي، مما يشكل مؤشر تحذير للجمهوريين مع تبقي ستة أسابيع على موعد انتخابات التجديد النصفي.
ووفق الاستطلاعات المتتالية فإن الأميركيين يعدون تكلفة المعيشة مصدر قلقهم الأول، ويشير كثيرون إلى أن حرب إيران قد زادت من الأعباء المالية الملقاة على عاتقهم. ويقر بعض المرشحين الجمهوريين الذين يخوضون سباقات انتخابية متقاربة النتائج، بهذه العلاقة، إذ أبدى عديد من المرشحين الجمهوريين مخاوفهم بشأن تأثير الحرب على أسعار الطاقة.
ودعت النائبة آشلي هينسون التي تسعى إلى الفوز بمقعد مجلس الشيوخ الشاغر في ولاية أيوا، إدارة ترمب إلى تعليق صادرات الديزل في محاولة لخفض الأسعار، معتبرة أن سكان أيوا "لا ينبغي أن يتحملوا تكلفة الحرب في إيران عند محطات الوقود أو صناديق الدفع". ودعا النائب الجمهوري السابق مايك روجرز، الذي يخوض سباق الترشح لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، إلى تعليق موقت لصادرات الديزل، قائلاً "يجب أن تنتهي الحرب في إيران لخفض التكاليف".
ومن جانبه، قال النائب توم تيفاني، المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية ويسكونسن الثلاثاء، "أعتقد ببساطة أنه ينبغي لنا الانسحاب من إيران، وأن الوقت قد حان للمضي قدماً".
وفي مقطع فيديو صُوِّر داخل أحد متاجر البقالة، حرص المرشح لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان مايك روجرز، أيضاً على الربط بين ارتفاع الأسعار وهذا الصراع. وقال: "تواجه عائلات ميشيغان صعوبات في تحمل تكاليف المعيشة اليومية؛ فأسعار السلع الغذائية مرتفعة للغاية، وعلينا خفض الأسعار. يجب أن تنتهي الحرب مع إيران، وأن تنتهي بسرعة؛ فحين يحدث ذلك، ستنخفض تكاليف الطاقة بشكل حاد".
وفي تعليقات إذاعية، قال رون بونجيان وهو خبير استراتيجي في الحزب الجمهوري: "لطالما وقف الجمهوريون إلى جانب الرئيس في السراء والضراء، لكن أولئك الذين يواجهون متاعب حقيقية في صناديق الاقتراع بحاجة إلى إظهار استقلاليتهم وتمييز أنفسهم عنه". وأشار إلى أن قرار مخالفتهم لترمب في هذه المرحلة المتأخرة من الدورة الانتخابية يبرز مدى أهمية وحساسية الرهانات بالنسبة للجمهوريين.
الإرث الذي سيتركه ترمب
ويشير المراقبون في واشنطن إلى أن ترمب أبدى تمسكاً بأجندته للسياسة الخارجية القائمة على نهج حازم وقوي، واضعاً تدخلاته في قارات متعددة في صلب ولايته الثانية، وفي قلب الإرث الذي سيتركه وراءه بعد مغادرة البيت الأبيض. ويبدو أن الرئيس، الذي عاد إلى البيت الأبيض مستنداً في جزء منه إلى وعده بعدم بدء أي حروب جديدة، قد بدأ يمهد الطريق لصراع آخر خلال كلمته أمام الأمم المتحدة؛ إذ توقع ترمب سقوط الحكومة الشيوعية في كوبا، مضيفاً أن إدارته "تسعى إلى إحداث تغيير جذري في الوضع بكوبا".
وفي حين أسفرت السياسة الخارجية لترمب عن صفقات اقتصادية مهمة للولايات المتحدة ربما تميز إرثه، مثل اتفاق الاستثمار في المعادن الحرجة مع أوكرانيا ومثيله مع فنزويلا في قطاع النفط والغاز واتفاقية الأمن والمعادن مع غرينلاند، لكنه في الوقت ذاته تسببت في توتر غير مسبوق مع حلفاء بلاده.
وأخيراً، أثارت تصريحات منسوبة لترمب الجدل بعدما قال ديفيد بيردو السفير الأميركي لدى الصين لبرنامج "فوكس نيوز صنداي" إن الرئيس كان قد سأل نظيره الصيني شي جينبينغ، أثناء زيارته الأخيرة، عما إذا كان يرغب في شراء بعض الأسلحة الأميركية، وهو تصريح أثار الدهشة نظراً لمكانة بكين باعتبارها المنافس الأخطر للولايات المتحدة. وهو التصريح الذي نفاه ترمب لاحقاً.
ومهما كانت حقيقة الأمر، يرى الديمقراطيون أن مثل هذه الأحداث من شأنها أن تثير استياء شريحة واسعة من الأميركيين، بغض النظر عن توجهاتهم الأيديولوجية. وفي تعليقات صحافية، قال القيادي الديمقراطي ديك هاربوتليان، إن الاستراتيجية الأكثر فاعلية للديمقراطيين خلال الانتخابات الجارية، التي من شأنها أن تؤثر على توجهات أصوات الناخبين، لا تكمن في التعهد بعزل ترمب أو اتخاذ إجراءات عقابية أخرى بحقه في حال استعادوا السيطرة على الكونغرس في نوفمبر، بل في تقديم أنفسهم كعلاج لحالة الفوضى التي كثيراً ما يثيرها ترمب.