ملخص
كلما طال بقاء السلاح خارج الدولة، بقيت أزمات الداخل قابلة للامتداد إلى الخارج، وكلما استعادت الدولة مؤسساتها، أصبح الأمن الإقليمي أكثر قابلية للبناء على أساس مستدام.
أعتقد أن ساحة الصراع في اليمن لم تعد مجرد خطوط تماس تتقدم هنا وتتراجع هناك، ولا مجرد خريطة عسكرية تتبدل مواقعها وفق نتائج معركة أو هجوم، خلف هذه الخريطة المشتعلة بلد أنهكه سنوات حرب لا تريد أن تنتهي، وأسر تنتظر عودة الحياة إلى طبيعتها، وأطفال ولدوا في زمن لم يعرفوا فيه الدولة إلا بوصفها فكرة بعيدة، وجيل كامل باتت الحرب جزءاً من ذاكرته اليومية.
وجاءت الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر (أيلول) 1962 هذا العام في لحظة شديدة الحساسية ومعقدة، تتزامن فيها المواجهات العسكرية في عدد من الجبهات والمحاور مع محاولة إعادة تعريف المعركة باعتبارها صراعاً على الدولة ومؤسساتها ومستقبل اليمن، وقد أظهرت التطورات الميدانية الأخيرة في تعز ولحج وكهبوب والساحل الغربي أن الحرب دخلت طوراً أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع الجغرافيا والأمن الإقليمي وأمن الملاحة.
من هذه الزاوية يمكن قراءة خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بمناسبة الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر باعتباره محاولة لوضع المعركة في إطار يتجاوز الحسابات الآنية للجبهات، فقد استعاد العليمي في خطابه المعنى الجمهوري لهذه الثورة، وربطه بفكرة المواطنة المتساوية وسيادة القانون وحق اليمنيين جميعاً في الدولة، قبل أن ينتقل إلى الواقع الراهن، مؤكداً أن هدف القيادة يتمثل في استعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل التراب الوطني وصولاً إلى صنعاء.
اللافت في الخطاب أنه لم يقدم التقدم أو التراجع الميداني باعتباره معياراً نهائياً، بل تحدث عن وضوح الهدف وصلابة الإرادة والقدرة على تحويل الأزمات إلى عناصر قوة، فضلاً عن ذلك، حمل الخطاب بعداً إنسانياً واضحاً حين خاطب السكان في المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيات الحوثية بوصفهم جزءاً من الدولة لا خصماً لها، وأكد أن استعادة الدولة لا تعني الانتقام أو إقصاء اليمنيين.
هذا البعد الإنساني يكتسب أهمية خاصة لأن أي حديث عن استعادة الدولة يفقد معناه إذا اختُزل في استعادة الجغرافيا وحدها، الدولة، في معناها الأعمق، ليست مباني حكومية أو نقاطاً عسكرية أو علماً يرفع فوق مؤسسة، وإنما هي الإطار الذي يحمي الإنسان من تغول القوة، ويمنحه حقه في التعليم والعمل والأمن والقانون.
ولذلك كان من المهم أن يربط خطاب رشاد العليمي بين المعركة العسكرية وبين حماية المدنيين، والانضباط، وصون الممتلكات، ومنع الثأر والانتقام، وأن يجعل القوات التي تقاتل من أجل الدولة مطالبة بأن تكون نموذجاً للدولة التي يُراد استعادتها، هنا تحديداً سيصبح الانتصار أكثر من تغيير في خطوط السيطرة، سيصبح انتقالاً من منطق السلاح المنفلت إلى منطق المؤسسة، ومن سلطة القوة إلى قوة القانون.
وفي نيويورك، جاء خطاب عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالله العليمي ليضع القضية اليمنية في سياق دولي أوسع، من دون أن يتخلى عن مركزيتها الوطنية. فقد شدد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على أن اليمنيين لا يطلبون من العالم أن يخوض معركتهم نيابة عنهم، وإنما يريدون شراكة دولية تدعم مؤسسات الدولة وتوقف تدفق السلاح والتكنولوجيا إلى الميليشيات الحوثية وتعزز قدرة الحكومة اقتصادياً وأمنياً.
أما في الجانب الإنساني، فكانت العبارة الأكثر دلالة هي ربط 12 عاماً من الحرب بعمر طفل يمني ولد في ظلها، في إشارة إلى أن استمرار الأزمة لا يعني تمديد أزمة سياسية فحسب، بل تمديد طفولة مسروقة وأجيالاً تتشكل في بيئة الخوف والفقر والنزوح.
واللافت أن الخطابين، رغم اختلاف موقعهما ووظيفتهما، يلتقيان عند نقطة أساسية: السلام لا يُفترض أن يكون بديلاً عن الدولة، كما أن استعادة الدولة لا ينبغي أن تعني إلغاء فكرة السلام، خطاب رشاد العليمي تحدث عن فتح باب العودة الآمنة إلى صف الجمهورية لمن يترك القتال والعمل لصالح الميليشيات الحوثية، بينما أكد عبدالله العليمي أن الشعب اليمني يتوق إلى السلام، لكن السلام المستدام يحتاج إلى أفعال لا أقوال، وإلى دولة تمتلك احتكار القوة القانونية.
وهذا التقاطع يمنح الرسالة السياسية معنى أكثر اتساقاً: المعركة ليست مع مجتمع أو منطقة أو مذهب، وإنما مع واقع مسلح خارج مؤسسات الدولة، فيما يظل الباب مفتوحاً أمام اليمنيين للعودة إلى المجال الوطني الجامع.
لكن الخطابين، مهما بلغت قوة رسالتهما السياسية، لا يستطيعان وحدهما تغيير ميزان القوة على الأرض، فالميدان اليمني خلال الأيام الأخيرة يقدم صورة أكثر تعقيداً، هناك مواجهات مشتعلة في تعز ولحج، ومحاولات للسيطرة على مواقع استراتيجية في كهبوب، وتطورات مرتبطة بالساحل الغربي وباب المندب، فيما تتغير خطوط التماس بسرعة تجعل أي قراءة ثابتة للمشهد عرضة للتبدل. وهذا يعني أن الحديث عن استعادة المبادرة يحتاج إلى ترجمة عسكرية ومؤسسية متماسكة: قيادة عملياتية أكثر تنسيقاً، قدرة مستدامة على حماية المواقع، إدارة أفضل للموارد، وإسناد سياسي واقتصادي للقوات الموجودة في الميدان، فالخطاب يحدد الاتجاه، لكن الميدان هو الذي يختبر القدرة على السير فيه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من هنا تبدو مراجعة المرحلة الأخيرة ضرورة لا تتعارض مع هدف استعادة الدولة، بل تخدمه، فالتراجعات أو الاختلالات أو سوء التقدير، لا ينبغي تحويلها إلى مادة للتجاذب الداخلي، ولا إلى أسباب لإنكار الواقع وتداعياته.
الدولة التي تريد استعادة مؤسساتها تحتاج أولاً إلى مؤسسات قادرة على التعلم من أخطائها، والمراجعة الجادة تعني معرفة أين اختلت التقديرات، وكيف حدثت الفجوات بين المكونات، ولماذا لم تتحول بعض الإمكانات المتاحة إلى نتائج مستدامة، وكيف يمكن منع تكرار الأخطاء.
لاحظوا معي من فضلكم أن النقاش حول الأداء المؤسسي ليس خروجاً عن المعركة الوطنية، بل جزء من شروط نجاحها، خصوصاً أن دراسات سابقة حول أداء الحكومة اليمنية أشارت إلى مشكلات في التنسيق والهشاشة المؤسسية والانقسام بين مكوناتها، لكن وضعها الآن أفضل مما كان عليه الأمر قبل سنوات.
أما البعد الاقتصادي والخدمي فإنه لا يقل أهمية عن البعد العسكري، فالإنسان الذي يُطلب منه الصمود يحتاج إلى أن يرى الدولة في حياته اليومية، لا في خطاب سياسي فقط، الراتب، المدرسة، المستشفى، الطريق، الأمن، القضاء، وفرصة العمل، كلها أجزاء من معركة استعادة الدولة بالمعنى الحقيقي، ولا بد من ربط استعادة الدولة بمستقبل اقتصادي وتنموي وبناء مؤسسات قادرة على حماية المجتمع.
ولذلك فإن نجاح المشروع الوطني في تقديري لا يتوقف على استعادة المدن والمواقع، بل على قدرة الدولة، بالتوازي مع ذلك، على استعادة الثقة، فالمواطن لا يقيس الدولة بما تقوله عن نفسها فقط، وإنما بما تفعله حين يكون هو الطرف الأضعف والأكثر احتياجاً إلى حمايتها.
كما أن البعد الإقليمي والدولي الذي برز في خطاب عبدالله العليمي لا ينبغي أن يحجب جوهر المسألة اليمنية، فباب المندب والبحر الأحمر يجعلان الحرب اليمنية ذات آثار تتجاوز حدود البلاد، لكن أمن الممرات البحرية يظل مرتبطاً، في جوهره، بوجود دولة يمنية قادرة على "بسط سلطتها على أرضها وسواحلها"، وقد أكد عبدالله العليمي أن استعادة الدولة وأمن باب المندب قضية واحدة، داعياً إلى شراكة دولية لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تستثمر في مؤسسات الدولة وقدراتها الاقتصادية والأمنية، وهذه الفكرة تضع اليمن أمام معادلة واضحة: كلما طال بقاء السلاح خارج الدولة، بقيت أزمات الداخل قابلة للامتداد إلى الخارج، وكلما استعادت الدولة مؤسساتها، أصبح الأمن الإقليمي أكثر قابلية للبناء على أساس مستدام.
في نهاية المطاف، يمكنني القول إن قيمة خطابي 25 سبتمبر لا تكمن في كونهما أعلنا أهدافاً جديدة بقدر ما تكمن في أنهما أعادا دفع الأولويات إلى الواجهة، وهو أمر يجعلني أضع سؤال الدولة الأهم في مركز المشهد اليمني: أي يمن يمكن أن يخرج من هذه الحرب الدائرة الآن؟ أهو يمن تتعايش فيه الجغرافيا مع الانقسام المسلح؟ أم دولة جامعة تستعيد مؤسساتها وتضع القانون فوق القوة؟
الإجابة في تصوري لن تصنعها الكلمات وحدها، مهما كانت واضحة، وإنما سيصنعها تلاقي الإرادة السياسية مع الكفاءة العسكرية والإصلاح المؤسسي والقدرة على حماية الإنسان، وربما كان المعنى الأعمق لثورة 26 سبتمبر، بعد ستة عقود وأكثر من عقد على الانقلاب المسلح على الدولة الذي قامت به الميليشيات الحوثية، أن الدولة لا تُستعاد فقط حين تتغير الخريطة، بل حين يستعيد اليمني شعوره بأن القانون يحميه، وأن المؤسسات تمثله، وأن المستقبل لم يعد امتداداً للحرب التي لا تريد أن تنتهي، عندها فقط يصبح استعادة الدولة انتقالاً حقيقياً من زمن الانقلاب إلى زمن الدولة، ومن ذاكرة الخوف إلى إمكانية الحياة.