ملخص
الحر يحرق سكان المخيمات في غزة ومن لا يملك ثمن شراء مروحة أو دفع فاتورة الكهرباء والمولدات يلجأ إلى الكرتون والماء بحثاً عن نسمة هواء.
عندما تصبح الشمس عمودية فوق خيمتها، لا تملك ندى الكفارنة الكثير لتفعله من أجل رضيعتها التي لم تكمل شهرها الأول، ترفع قطعة من الكرتون وتحرك بها الهواء حول الصغيرة، محاولة تخفيف الحرارة داخل الخيمة التي لا تتجاوز مساحتها نحو خمسة أمتار مربعة.
بعدما نزحت الأسرة من بيتها في شمال قطاع غزة إلى أحد مخيمات الإيواء، لم تجد مروحة في المكان ولا كهرباء لتشغيلها، فيما تتسلل حرارة الصيف عبر الشوادر والمشمعات لتسخن المساحة الضيقة.
بالنسبة إلى ندى، محاولة تحريك الهواء بالكرتون في يوم صيفي حار، باتت جزءاً من روتين الرعاية اليومية لطفلة حديثة الولادة، وتقول "تعاني طفلتي نوبات بكاء متكررة وطفحاً جلدياً بسبب الحر وغياب التهوية، وأنا أحاول توفير الحد الأدنى من الراحة في مكان لا يشبه أبداً ما تخيلته قبل ولادتها".
ولم تكن ندى وحدها، ففي مخيم الشاطئ، وجدت دعاء نفسها تلجأ إلى الأسلوب ذاته لتبريد أطفالها، لا سيما طفلها المصاب بطيف التوحد الذي تتضاعف معاناته مع الرطوبة والحرارة.
تحرك دعاء قطعة كرتون أمام وجوه صغارها بحثاً عن بعض الهواء، تقول "فكرة توفير مروحة وتشغيلها أصبحت عبئاً لا نستطيع تحمله، لذا حولت قطعة الكرتون إلى مروحة يدوية، أرش الماء على أجسادهم وأخرج بهم إلى الشارع بحثاً عن نسمة هواء، وفي الليل أواصل تحريك قطعة الكرتون قرب رؤوسهم كي يتمكنوا من النوم".
ترسم هذه التفاصيل مشاهد عجز الغزيين عن تبريد أجسادهم، فمن يمتلك منهم مروحة يحتاج إلى كهرباء لتشغيلها، ومن لا يملك الكهرباء يبحث عن بطارية أو مولد، ومن لا يملك أياً من ذلك يعود إلى الكرتون والماء والشارع.
وهنا تتشكل ملامح أزمة "ساعة الهواء" في غزة، ولم يعد السؤال فقط كيف يواجه الأهالي الحرارة، بل كم يحتاجون من المال والأدوات للحصول على ساعة واحدة من هواء المروحة، وإذا استطاعت الأسرة توفيرها، فكم تدفع فعلياً لقاء أن تدور؟
قفزة الـ700%
المروحة، التي كانت في الحياة اليومية مجرد أداة منزلية بسيطة، صارت في غزة حلماً في حد ذاته وأمنية مكلفة، تقول راوية "سعر المروحة وصل إلى نحو 300 دولار، مقارنة بنحو 30 دولاراً قبل الحرب".
ويؤكد هذه القفزة الخيالية محمد أبو حصيرة وهو مالك متجر للأجهزة الكهربائية، قائلاً "أسعار المراوح ارتفعت بأكثر من 700 في المئة نتيجة شح الشحنات الواردة، هذه الأزمة دفعت الفنيين والسكان إلى الابتكار والترقيع، حيث بات إصلاح المراوح القديمة يعتمد أحياناً على جمع قطع غيار من عدة أجهزة متضررة لصناعة مروحة واحدة قابلة للاستخدام".
وفي سوق غزة، لا يوجد سعر واحد للمروحة، بل نطاق واسع يبدأ من أجهزة صغيرة ويصل إلى مراوح منزلية أكثر كلفة، تبدأ أسعار النماذج البدائية من نحو 100 دولار، وترتفع إلى 150 دولاراً لمروحة بقدرة 40 واط، بينما تتجاوز أسعار المراوح الأرضية أو الأكبر حجماً حاجز الـ300 دولار.
ولا تقف التعقيدات عند حدود الشراء فحسب، بل تمتد إلى كفاءة الطاقة، ففي السوق تظهر مراوح بقدرات متدرجة (بين 40 و80 و130 واط)، مما يعني أن قرار الشراء لا يتوقف عند السعر الأولي للمروحة، بل يرتبط أيضاً بما تستهلكه لاحقاً من طاقة شحيحة وثمينة.
هذه الأسعار سببها المعابر، يقول الباحث الاقتصادي محمد أبو علوان "إدخال المراوح يواجه رفضاً إسرائيلياً بداعي تصنيفها ضمن سلع الاستخدام المزدوج، لذلك تضخم سعرها إلى مستويات تعجز غالبية العائلات عن دفعها".
قبل أن تصل المروحة إلى الخيمة، تمر الأسرة بأسئلة عدة: هل توجد في السوق، كم سعرها، هل نستطيع شراءها، وهل نختار جهازاً أرخص في البداية أم جهازاً يستهلك طاقة أقل لتقليل فاتورة التشغيل اللاحقة؟
حاسبة "ساعة الهواء"
شراء المروحة لا ينهي حسبة مواجهة الحر في غزة، بل يبدأها، فالجهاز الذي يفترض أن يحرك الهواء داخل الخيمة يحتاج إلى مصدر كهرباء، والتيار المتاح عبر المولدات التجارية أصبح سلعة مرتفعة الكلفة.
يقول مدير العلاقات العامة في شركة توزيع الكهرباء محمد ثابت "تعطلت شبكة الكهرباء العامة في غزة منذ الأيام الأولى للحرب، حالياً يوفر أصحاب المولدات الكهربائية خدمة بيع الواط، لكن متوسط سعر الكيلو واط في الساعة وصل إلى نحو 10 دولارات، أقل من خمسة في المئة من السكان قادرون على شراء الكهرباء بهذا السعر".
ولفهم هذه الكلفة عملياً، يمكن استخدام مروحة جدار منزلية بقطر 40 سم وتعمل بمحرك بقدرة 60 واط كنموذج حسابي، تستهلك في ساعة تشغيل واحدة نحو 45 سنتاً.
قد يبدو الرقم صغيراً عند النظر إليه منفرداً، لكن الحساب يتغير عندما يتحول الهواء إلى حاجة تمتد طوال اليوم، فعند تشغيل المروحة لثماني ساعات يومياً طوال شهر، تصل كلفة الكهرباء وحدها إلى نحو 150 دولاراً.
لا يشمل هذا المبلغ ثمن المروحة نفسها ولا أي نفقات صيانة أو خسائر مرتبطة بمصدر الكهرباء، كما أنه حساب تقريبي، فالاستهلاك يتغير بحسب قدرة الجهاز وسرعة تشغيله.
اقتناء بلا قدرة
في الحقيقة، امتلاك مروحة لا يعني بالضرورة القدرة على تشغيلها، السيدة راوية التي تعيش مع أطفالها في خيمة في مخيم الشاطئ تواجه مشكلة مزدوجة، تشرح "سعر المروحة مرتفع، وعندما فكرت أنني سأدفع ثمنها لمرة واحدة، ظهرت لي مشكلة تكلفة الكهرباء التي توفرها المولدات التجارية".
وتضيف "لا أستطيع دفع 150 دولاراً كل شهر، لأنعم بنسمات الهواء وأخفف لهيب الصيف، ساعة الهواء تحتاج إلى ميزانية ضخمة لا تنتهي عند شراء المروحة والكهرباء".
بالنسبة إلى أسرة تعيش على دخل محدود أو بلا دخل ثابت، لا تنتهي حسبة ساعة الهواء عند ثمن المروحة، ولا تبدأ عند فاتورة الكهرباء، إذ تنتقل المشكلة إلى مرحلة أخرى: ماذا يفعل من يستطيع شراء مروحة لكنه لا يستطيع توفير الكهرباء التي تحتاجها؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مصروف الأسرة
الحاج ربحي يعيش في خيمة ويحتاج إلى الأوكسجين يقول "لا أستطيع التنفس في الصيف بسبب مشكلة صحية وارتفاع درجات الحرارة".
دفع الحاج ربحي نحو 250 دولاراً ثمن مروحة، واشترك في خط مولد تجاري ليشغلها، يقول "أحصل يومياً على ثماني ساعات من الكهرباء، أشغل المروحة نحو ثلاث ساعات يومياً على فترات متقطعة".
في وقت الظهيرة لاحظ الحاج ربحي آثار الحرارة من طفح جلدي وحبوب على جسده، وشعر بخنقة شديدة، وعندما حاول تشغيل المروحة وصلته رسالة فاتورة الكهرباء وكانت قيمتها 120 دولاراً.
تردد كثيراً قبل تشغيل المروحة، إذ بعدما فحص رصيده لم يكن كافياً لتسديد ثمن استهلاكه من الكهرباء التجارية، يضيف "أضطر لتقنين سحب الكهرباء وأوقف دوران المروحة، لكن ذلك ينعكس سلباً على صحتي".
يعوض الحاج ربحي تقنين الكهرباء، باستخدام قطعة كرتون يحركها أمام وجهه ليساعد رئتيه وأنفه على سحب الهواء والأكسجين، لكن يبقى جسده يتصبب عرقاً وتظهر عليه آثار الأمراض الجلدية.
يحاول الحاج ربحي أن يضع ساعة الهواء داخل سياق مصاريفه، يضيف "هناك أيضاً كلفة طعام وماء ودواء ومواصلات، وكل هذه الأمور تحتاج إلى نفقات ضخمة في غزة".
في الظروف العادية، ترتفع الحرارة فيشغل الإنسان المروحة، أما في غزة، فقد يحتاج أولاً إلى شراء المروحة، ثم البحث عن كهرباء لتشغيلها، ثم تحديد عدد الساعات التي يستطيع دفع ثمنها، أما من لا يملك هذه الخيارات، فقد يشتري النتيجة النهائية مباشرة، زجاجة ماء بارد وقطعة كرتون يخفف بهما حر الخيام ودرجات الحرارة العالية داخل الخيام.
يقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي "بعض السلع المصنفة ضمن قائمة الاستخدام المزدوج مثل المروحة والمولدات، دخلت إلى القطاع في حالات محددة وتحت رقابة مشددة، هذا كله من أجل تخفيف المعاناة الإنسانية في غزة".