ملخص
مع مرور عقود من محاولات إصلاح الأمم المتحدة أصبح السؤال ملحاً في شأن مدى إمكان تحقيقه، بخاصة مع نشوب حروب ذات طابع إقليمي مثل ما يجري في أوكرانيا وإيران، لم يكن للمنظمة الدولية أي دور ملموس في إخمادها.
حين اجتمع قادة العالم في الـ22 من سبتمبر (أيلول) 2024 لاعتماد "ميثاق المستقبل" في ختام قمة سُميت بالاسم ذاته، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الوثيقة بأنها محاولة لـ"انتشال النظام الدولي من حافة الهاوية"، وتضمن الميثاق، بحسب وصف المنظمة ذاتها، "أهم التزام بإصلاح مجلس الأمن منذ الستينيات".
وبعد ستة أشهر فقط، تحديداً في مارس (آذار) الماضي، أطلق غوتيريش مبادرة أخرى سماها "UN80"، بمناسبة مرور 80 عاماً على تأسيس المنظمة، تهدف إلى جعل عملها أكثر كفاءة وأقل كلفة. لكن محاولات الإصلاح ليست جديدة على الأمم المتحدة، فمنذ عقود، يتكرر المشهد نفسه من القمم والمبادرات والوثائق الطموحة، دون أن يتغير شيء جوهري في الجهاز الأكثر تأثيراً داخل المنظمة، وهو مجلس الأمن.
وعلى رغم تعدد المحاولات فإن إصلاح الأمم المتحدة يعد عنواناً للفشل المتكرر، وفق عديد من الدراسات الأكاديمية التي تتبعت مسار النقاش منذ ستة عقود، إذ إن التعديل الجوهري الوحيد الذي أُدخل فعلياً على تركيبة مجلس الأمن منذ تأسيسه عام 1945 يعود إلى عام 1963، حين وافقت الجمعية العامة، مستفيدة من تضاعف عدد أعضاء المنظمة عقب موجة الاستقلال الأفريقية والآسيوية، على إضافة أربعة مقاعد غير دائمة، ليصبح إجمال مقاعد المجلس 15 بدلاً من 11، ودخل التعديل حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) 1966.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منذ ذلك التاريخ، اقتصرت كل التغييرات على تبديل الاسم داخل المقعد الدائم نفسه، كما حدث حين انتقل مقعد الصين من الحكومة المتمركزة في تايوان إلى بكين عام 1971، أو حين ورثت روسيا الاتحادية مقعد الاتحاد السوفياتي بعد تفككه عام 1991.
اقتراحات للإصلاح
أبرز هذه المحاولات جاءت عام 1997، حين طرح رئيس الجمعية العامة آنذاك، الماليزي رازالي إسماعيل، خطة من ثلاث مراحل لتوسيع مجلس الأمن من 15 إلى 24 عضواً، عبر إضافة خمسة أعضاء دائمين جدد، بينهم دولتان "صناعيتان" كانت الإشارة الضمنية فيهما إلى ألمانيا واليابان، اللتين رحبتا بحماس بالخطة.
غير أن هذا الطرح اصطدم بموقف تبنته عام 1995 مجموعة "متحدون من أجل التوافق" أو ما يطلق عليه "نادي القهوة" بقيادة إيطاليا بالاشتراك مع مصر وباكستان والمكسيك، وانضمت دول أخرى لاحقاً، وهو رفض منح مقاعد دائمة جديدة في مجلس الأمن في مقابل التوسع بالأعضاء غير الدائمين وتمديد مدة عضويتهم وإتاحة إعادة انتخابهم.
بعد 8 سنوات من محاولة رازالي، وفي أجواء متأثرة بتراجع صورة الأمم المتحدة عقب الغزو الأميركي العراق، طرح الأمين العام آنذاك كوفي عنان تقريره الشهير "في مزيد من الحرية" في مارس (آذار) 2005، المبني على توصيات فريق رفيع المستوى شكّله لدراسة التهديدات والتحديات العالمية، ودعا فيه إلى توسيع المجلس إلى 24 عضواً عبر نموذجين بديلين.
أراد عنان أن تُعتمد الحزمة كاملة قبل قمة الألفية + 5 في سبتمبر من العام نفسه، إلا أن الولايات المتحدة فاجأت الجميع بمطالبتها بمئات التعديلات التفصيلية على النص قبل ثلاثة أسابيع فقط من انعقاد القمة، مما فتح الباب أمام دول أخرى لاقتراح تعديلاتها الخاصة، حتى تفكك التوافق المنشود بالكامل، وخرج النص النهائي مجرد عبارات عامة فضفاضة، بحسب تقرير لمركز "جلوبال بوليسي فورام" المختص بمتابعة ملفات الأمم المتحدة والسلم الدولي.
منذ عام 2008، انتقل ملف الإصلاح إلى مسار جديد يحمل اسم "المفاوضات الحكومية الدولية"، وهي جولات دورية داخل الجمعية العامة لم تسفر حتى الآن عن أي نتيجة ملموسة، ووصفتها مجموعة "L.69"، وهي تجمّع لدول نامية من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بأنها "غير فعّالة وهدّامة"، فيما حذر رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 2023، دينيس فرانسيس، من أن استمرار غياب الإصلاح الهيكلي سيقوّض شرعية المجلس ومصداقية المنظمة ككل.
لماذا تتعثر كل محاولات الإصلاح؟
لكن، لماذا تتعثر كل هذه المحاولات؟ السبب الأبرز هو ميثاق الأمم المتحدة، إذ تشترط المادة 108 أن يحظى أي تعديل بموافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة، ثم تصديق ثلثي الدول الأعضاء وفق إجراءاتها الدستورية الوطنية، على أن يشمل هذا التصديق الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن جميعها من دون استثناء، هو ما يعني هذا أن كل دولة من الدول الخمس تملك حق نقض مطلق ليس فقط على قرارات المجلس، بل على أي تعديل يمسّ امتيازاتها هي نفسها.
لذلك، خلصت دراسة أجراها الباحث بجامعة لاجوس النيجيرية، أديليكي أدونويكي، إلى أن إصلاح مجلس الأمن، الذي طال انتظاره، من غير المرجح أن يتحقق في القريب العاجل، بسبب غياب الإرادة السياسية لدى الدول الخمس الدائمة العضوية، وحالة الجمود في الجمعية العامة، وتضارب المقترحات المتعلقة بإصلاح جوهري للمجلس.
وتتباين الدول الدائمة العضوية في التعاطي مع محاولات توسيع مجلس الأمن، إذ تدعم بريطانيا وفرنسا محاولات التوسّع ومنح مقاعد لأفريقيا، وعدّلت الولايات المتحدة في 2022 موقفها للموافقة على منح مقعدين دائمين للدول الأفريقية، لكنها تعارض منح حق النقض لأعضاء دائمين جدد، فيما تُبدي الصين وروسيا انفتاحاً على توسيع "معتدل" للمجلس من خلال ضم دول نامية، لكنهما تعرقلان السيناريوهات التي تشمل ألمانيا واليابان، وفق دراسة مشتركة للباحثة بالجامعة الوطنية في كييف، أولينا كوفتون، والباحث كريلو هافلاكوف.
جانب آخر من اللوم لا يقع على عاتق الدول الدائمة العضوية، إذ تنقسم الدول الأخرى المطالبة بالإصلاح، فمنذ عام 2004، تقود "المجموعة الرباعية" المكوّنة من ألمانيا واليابان والهند والبرازيل، حملة للحصول على مقاعد دائمة جديدة، وطرحت في آخر مواقفها المعلنة أمام "المفاوضات الحكومية الدولية" توسيع المجلس من 15 إلى ما بين 25 و26 عضواً، مع اقتراح تأجيل استخدام حق النقض بالنسبة للأعضاء الجدد لمدة 15 عاماً في الأقل، في محاولة لتخفيف معارضة الدول الخمس. لكن هذا المقترح يصطدم بموقف معاكس تماماً تتبناه مجموعة "نادي القهوة"، التي ترفض أي توسيع لفئة الأعضاء الدائمين من الأساس، وتكتفي بالمطالبة بزيادة المقاعد غير الدائمة فقط.
وبين هذين الموقفين، يقف الاتحاد الأفريقي على أرضية ثالثة، عبّر عنها في ما يُعرف بـ"توافق إزولويني" الصادر عام 2005، الذي يطالب بـ11 مقعداً إضافياً، بينها مقعدان دائمان وخمسة غير دائمة تتناوب عليها الدول الأفريقية، لكنه يشترط أن تحصل المقاعد الجديدة على كامل الامتيازات، بما فيها حق النقض، وهو الشرط الذي يحول هذا التوافق إلى عقبة رئيسة أمام أي تسوية، لأنه يمنع القبول بالحل الوسط الذي كانت مجموعات إصلاحية أخرى مستعدة لتبنيه، أي منح مقاعد دائمة جديدة من دون حق النقض.
على الصعيد العربي، أكد السفير طارق البناي، الممثل الدائم للكويت لدى الأمم المتحدة ورئيس "المفاوضات الحكومية الدولية بشأن مسألة التمثيل العادل وزيادة عضوية مجلس الأمن" العام الماضي، أنه إذا جرى تعديل مجلس الأمن وتوسعته "لا يمكن القبول بنتيجة" لا تضمن حصول دولة عربية على مقعد دائم.
وبعيداً من ملف توسيع العضوية، برز منذ عام 2015 مسار يهدف إلى تقنين استخدام حق الفيتو، إذ أطلقت فرنسا بدعم من المكسيك في ذلك العام مبادرة تدعو الدول الخمس إلى الامتناع طوعاً عن استخدام الفيتو في حالات الفظائع الجماعية، ووقّع عليها أكثر من 100 دولة، إضافة إلى إطلاق "مدونة سلوك" طالبت جميع أعضاء المجلس بالتصويت لصالح مشاريع القرارات الرامية لوقف الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب، وحظيت بتأييد أكثر من 120 دولة، لكن الصين وروسيا والولايات المتحدة رفضت التوقيع على أي من المبادرتين. وفي عام 2022، تبنت الجمعية العامة قراراً يُلزم بعقد جلسة نقاش في الجمعية العامة تلقائياً كلما استُخدم الفيتو في المجلس.
ويؤكد المشهد الحالي في مجلس الأمن إلحاح مطالب تقنين الفيتو، حيث شهد عام 2024 وحده سبعة مشاريع قرارات أُجهضت بالفيتو، وهو أعلى رقم منذ عام 1986، وهو ما يرجع إلى التباين بين الدول الدائمة العضوية في شأن التعامل مع الحرب في غزة.
هل لا يزال الإصلاح ممكناً؟
مع مرور عقود من محاولات إصلاح الأمم المتحدة أصبح السؤال ملحاً في شأن مدى إمكان تحقيقه، بخاصة مع نشوب حروب ذات طابع إقليمي مثل ما يجري في أوكرانيا وإيران، لم يكن للمنظمة الدولية أي دور ملموس في إخمادها.
يقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، إن الأمم المتحدة ومجلس الأمن بحاجة ماسة إلى تعديلات جذرية لتتواءم مع تغير خريطة القوى العالمية، مشيراً إلى أن تزايد عدد الدول الأعضاء من 56 إلى 193 دولة يجعل هيمنة 5 دول دائمة العضوية وضعاً غير عادل.
يضيف حسن لـ"اندبندنت عربية"، أن الأزمة الكبرى تكمن في ازدواجية المعايير ومنح الدول الكبرى التي قد تكون أطرافاً في نزاعات دولية، مثل أميركا وروسيا، حق "الفيتو" لتعطيل القرارات ضدها، لتصبح "خصماً وحكماً في آنٍ واحد". وأشار إلى غياب التمثيل العائم لقارتي أفريقيا وأميركا اللاتينية عن العضوية الدائمة.
وحول المشاريع البديلة للأمم المتحدة، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق إنه لم يتبلور حتى الآن أي كيان يمكن أن يحل محل الأمم المتحدة، بخاصة أن الوكالات التابعة لها تقدم مشاريع ناجحة في كثير من الأحيان، مشيراً إلى دعوة الصين في وقت سابق إلى كيان يجمع دول الجنوب العالمي لكن لم يصل إلى إطار التنفيذ.
واستبعد حدوث تغييرات حقيقية في ظل الإدارة الأميركية الحالية، معتبراً أن الخيار الأمثل هو ضغط دول "الجنوب العالمي" على الدول الكبرى لدفعها نحو قبول الإصلاحات، مضيفاً أن الدورة الأخيرة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة شهدت تنامي الأصوات المنادية بإصلاح المنظمة.
وخلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الشهر الجاري، جدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الدعوة إلى إصلاح مؤسساتها، واضعاً إصلاح مجلس الأمن في مقدمة القضايا التي تحتاج إلى مراجعة لمواكبة التحولات التي شهدها العالم منذ تأسيس الأمم المتحدة.
وفي خطابه الأخير كأمين عام بافتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة، تصدر ملف إصلاح مجلس الأمن حديث غوتيريش، مشيراً إلى الفجوة بين الواقع الدولي وتركيبة المجلس التي تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأضاف أن غياب التمثيل الدائم لإفريقيا يمثل إحدى أبرز صور الفجوة بين بنية المؤسسات الدولية والواقع العالمي الراهن.
يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة موري ستايت الأميركية إحسان الخطيب، إن الحديث عن إصلاح الأمم المتحدة مستمر منذ عقود، مشيراً إلى أن المنظمة تظل تعبيراً عن إرادة الدول الأعضاء، والدول الكبرى قادرة على أفعالها بحق "الفيتو" أو بدونه، كما حدث في حرب العراق سابقاً. لافتاً، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن المطالبات بإصلاح مجلس الأمن عبر إضافة مقاعد دائمة جديدة قد تفاقم الأزمة بدلاً من حلها، متسائلاً: "إذا كانت مشكلة الفيتو قائمة في 5 دول، فهل سيكون الوضع أفضل مع 7 أو 8 دول؟".
وفي المقابل، شدد الخطيب على ضرورة عدم إغفال الإنجازات الكبرى التي تقدمها المنظمة الدولية عبر وكالاتها المتخصصة مثل منظمة الصحة العالمية وبرامج أخرى تعمل بكفاءة عالية، لافتاً إلى أن التركيز غالباً ما يُوضع على الجوانب السلبية وتجاهل النجاحات، ومؤكداً أن الأمم المتحدة في النهاية هي "نتاج واقع البشرية ومشكلاتها، وتظل هي الأفضل الممكن".
كذلك، أكد أستاذ العلوم السياسية الأردني، حسن شنيكات، أن مطالبات إصلاح الأمم المتحدة ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى حقبة الحرب الباردة وظهور دول العالم الثالث التي طالبت بنظام دولي واقتصادي جديد، وتجددت تلك المطالبات بقوة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي خلال عهد الأمين العام الأسبق بطرس غالي، دون أن تنعكس على الهيكل الأساس لمجلس الأمن الباقي على حاله (5 أعضاء دائمين و10 أعضاء غير دائمين).
يقول شنيكات لـ"اندبندنت عربية"، إن مطالبات دول كبرى وصاعدة مثل الهند، والبرازيل، وتركيا بحيازة مقاعد دائمة لم تلقَ استجابة حتى الآن، لأن النظام الدولي لا يزال يحتفظ بشكل توزيع القوى الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية.
وفيما يتعلق بالمشاريع البديلة، أشار إلى أن فكرة "مجلس السلام" التي طرحها دونالد ترمب بدت في بدايتها وكأنها بديل عن الأمم المتحدة، لكنها عادت لتجتمع تحت مظلة المنظمة الدولية، مما يثبت أن الأمم المتحدة تظل حتى الآن "حجر الزاوية" في التنظيم الدولي. مضيفاً أن أي مقترحات للتغيير تصطدم بحقيقة أن الأمم المتحدة في النهاية هي "نتاج لإرادة أعضائها وموازين القوى في العلاقات الدولية".