ملخص
مدارسها الكاتدرائية وجامعاتها وأكاديمياتها كانت عبر القرون فضاءات لصناعة المعرفة والبحث عن الحقيقة، وهذا التذكير لم يكن مجرد استحضار للماضي، بل يُبرز أيضاً أن التقاطع بين الإيمان والمعرفة شكّل أحد أعمدة الإشعاع الفرنسي، وأن كبار المفكرين الذين جمعوا بين الانتماء الكاثوليكي والتفوق العلمي، قدّموا نموذجاً لقدرة العلوم والفنون والفلسفة على خدمة الإنسان، حين تتجه نحو الجمال والخير والحقيقة.
بعد نحو عقدين من آخر زيارة رسمية لبابا إلى فرنسا، يعود الفاتيكان لقلب الجمهورية الفرنسية، في زيارة لا تقتصر محطاتها على الكنائس والأماكن الدينية، بل تمتد إلى قصر الإليزيه ومنظمة اليونسكو و فضاءات جماهيرية، من بينها ملعب فرنسا.
وبينما تحمل الزيارة طابعاً دينياً واضحاً، يوسع البابا لاوون الـ14 خطابه ليشمل قضايا تتجاوز المجال الكنسي، من العلمانية وحقوق الإنسان إلى الذكاء الاصطناعي ونهاية الحياة والسلام، وفي بلد تقوم هويته الجمهورية على مبدأ العلمانية، يطرح حضور البابا في هذه الفضاءات سؤالاً يتجاوز البروتوكول الديني: كيف تريد الكنيسة أن يكون موقعها داخل مجتمع لم يعد الدين فيه المرجعية الوحيدة للنقاش، حول القيم والأخلاق والمصلحة العامة؟
في خطابه أمام السلطات والمجتمع المدني في قصر الإليزيه، قدم لاوون الـ14 تصوره للعلاقة بين العلمانية والدين، مؤكداً أن العلمانية لا تعني إقصاء الدين من المجال العام، وأن الحوار والتعاون بين المؤسسات يمكن أن يخدم الصالح العام، وبذلك لم يقتصر الخطاب البابوي على مخاطبة الكاثوليك، بل توجه إلى المجتمع الفرنسي بمختلف مكوناته.
غير أن هذا الحضور المتجدد للكنيسة يأتي في سياق لا تزال فيه المؤسسة الكاثوليكية الفرنسية تواجه آثار أزمة الاعتداءات الجنسية، فقد كشف التقرير المستقل للجنة الصادر عام 2021 عن حجم واسع للاعتداءات الجنسية التي تعرض لها قاصرون في سياق الكنيسة، مقدراً عدد الضحايا بنحو 330 ألف شخص، خلال الفترة التي تناولها التقرير.
وفي هذا السياق، اكتسب لقاء لاوون الـ14 مع عدد من الناجين في لورد أهمية خاصة، فقد كان مقرراً أن يلتقي سبعة من ضحايا الاعتداءات الجنسية، في وقت لا تزال فيه جمعيات وناجون يطالبون بإجراءات أوسع تتعلق بالمساءلة والإصلاح وجبر الضرر، لكن زيارة البابا لا تتوقف عند محاولة معالجة إرث الأزمة، ففي باريس ثم في اليونسكو، جعل لاوون الـ 14 التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءاً من حديثه عن مستقبل الإنسان، محذراً من أن يتحول التطور التقني إلى مسار ينفصل عن المسؤولية والكرامة الإنسانية، وقد برز الذكاء الاصطناعي إضافة إلى قضايا السلام والتعددية، ضمن المحاور الأساس للزيارة.
وهنا تبرز زاوية أخرى في الزيارة: لماذا يضع بابا الذكاء الاصطناعي في قلب حديثه عن مستقبل الإنسان؟ وما الذي يكشفه انتقال الخطاب الكنسي من القضايا الدينية التقليدية إلى ملفات التكنولوجيا والأخلاق والبيئة الاجتماعية والاقتصادية؟
من باريس إلى لورد ومتز، تتقاطع في زيارة لاوون الـ14 ثلاثة مسارات: أزمة الثقة التي خلفتها الاعتداءات الجنسية، وإعادة طرح موقع الكنيسة والدين داخل المجتمع الفرنسي العلماني، والدخول في النقاش العالمي حول مستقبل الإنسان أمام التحولات التكنولوجية، وبذلك لا تبدو الزيارة مجرد محطة دينية أو بروتوكولية، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال أوسع حول طبيعة الحضور الذي يمكن أن تبنيه الكنيسة داخل فرنسا العلمانية، وحدود هذا الحضور في مجتمع تتعدد فيه المرجعيات والقيم، وتتحول فيه قضايا مثل الذكاء الاصطناعي والسلام إلى ساحات جديدة للنقاش حول الإنسان ومستقبله.
إعادة تموضع الكنيسة في المجتمع العلماني
توضح أستاذة علم الاجتماع في جامعة السوربون، شيرين بن عبدالله، أن زيارة البابا رسمية ولها بعد دبلوماسي، لكنها تحمل أيضاً بعداً رمزياً بالنظر إلى الأماكن التي وقع عليها الاختيار ضمن برنامج الزيارة، والتي لم تقتصر على المواقع ذات الدلالة الدينية، فإضافة إلى كاتدرائية نوتردام، زار البابا قصر الإليزيه، أحد أبرز رموز السلطة ومؤسسات الحكم في فرنسا، وكان للفضاء العام نصيب من الزيارة فتحوّل شارع الشانزليزيه إلى فضاء احتضن السردية الدينية والفاعلية المباشرة مع الجمهور.
ويعكس اختيار هذه الأماكن، بحسب شيرين بن عبدالله، توجهاً نحو فضاءات أكثر قرباً من الشباب ومختلف مكونات المجتمع الفرنسي، بما يتجاوز حصر الحضور البابوي في المواقع الدينية والمؤسسات الرسمية، ويفتح المجال أمام حضور الكنيسة في الفضاء العام، والتواصل المباشر مع المجتمع.
وترى بن عبدالله أن هذه الزيارة موجّهة إلى المجتمع الفرنسي بصفة عامة، ولا يخاطب بها الفرنسيون الكاثوليك فقط، فمن خلال الأماكن التي اختارها البابا والمحاور التي ركز عليها، تبدو الزيارة متجهة نحو إعادة تقديم الكنيسة باعتبارها فاعلاً داخل المجتمع، ولا سيما في مجال التضامن ودعم الفئات الأكثر هشاشة، والإسهام في تعزيز السلم الاجتماعي.
وعن سؤال ما إذا كانت الزيارة تشكل فرصة لإعادة بناء الثقة بين الكنيسة والمجتمع الفرنسي، تقول بن عبدالله إن هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من التعمق، وترى أن الزيارة يمكن أن تشكل بادرة اعتراف بالأزمة وفتح حوار فعلي، لكنها لا تكفي بمفردها لإعادة بناء الثقة في المؤسسة الدينية والكنيسة، في ظل حجم القطيعة وأزمة الثقة القائمة، بخاصة في فرنسا، بعد واقعة الاعتداءات الجنسية في الكنيسة، مشيرة إلى أنه وعلى رغم اعتراف البابا لاوون الـ14 في خطاباته الرسمية بأن الاعتداءات الجنسية على الأطفال، وما ارتبط بها من مسؤوليات داخل الكنيسة، شكّلت أحد أكبر التحديات التي واجهتها المؤسسة الكنسية خلال الأعوام الأخيرة، فإن هذا الاعتراف لا يكفي وحده للقول إن الأزمة قد جرى تجاوزها.
ويظهر ذلك أيضا من خلال برمجة لقاءات مباشرة مع مجموعات من الضحايا خلال هذه الزيارة، وهي خطوة تحمل وفق هذه القراءة دلالة مهمة، إذ تنقل الضحايا من كونهم جزءاً من مشكلة داخلية للمؤسسة إلى موقع الاعتراف بهم بوصفهم طرفاً يجب الاستماع إليه، ومحاورته داخل الفضاء العام، ليتيح هذا المسار الاعتراف بوجود الأزمة داخل المؤسسة وإخراجها إلى المجال العام، غير أن هذا الاعتراف الرمزي لا يمكن أن يحل محل الإصلاح المؤسسي، والحلول العملية القائمة على الشفافية، وتحمل المسؤولية، وتحقيق العدالة وجبر الضرر.
وتختم أستاذة علم الاجتماع قراءتها بالقول إن هذه الزيارة لا تمثل فقط محاولة لفتح صفحة جديدة بين المجتمع الفرنسي والكنيسة، ولا تنفصل عن مبدأ الفصل بين الدين والسلطة، وإنما تعكس أيضاً محاولة إعادة تموضع المؤسسة الدينية، واستعادة دورها في التأثير داخل المجتمع، وفي صياغة الخطاب المجتمعي، وترى أن هذا المسعى يأتي في مرحلة لم يعد بإمكان المؤسسة الدينية فيها أن تدعي احتكار الخوض في الشأن العام، وإنما تسعى إلى استعادة حضورها والتأثير في النقاشات التي تتصل بالقضايا الاجتماعية والإنسانية والفلسفية، من موقع فاعل داخل المجتمع، وفي إطار التوازن الذي تفرضه العلمانية الفرنسية.
من ترميم الثقة إلى إعادة طرح دور الدين
لا تبدو زيارة البابا لاوون الـ14 إلى فرنسا مجرد محطة دينية، فوفق قراءة المحلل السياسي في الشؤون الدولية، صلاح سليمان، أنها تحمل أبعاداً تتصل بعلاقة الكنيسة بالمجتمع الفرنسي وبوقع الدين في المجال العام.
ويرى سليمان أن الزيارة يمكن قراءتها بوصفها محاولة للمصالحة مع المجتمع الفرنسي، في ظل أزمة الثقة التي خلفتها فضائح الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة، والتي طاولت آلاف الضحايا، وفي هذا السياق فإن طلب البابا لقاء عدد من الضحايا يحمل، بحسب المحلل، دلالة تتجاوز الجانب البروتوكولي، إذ يمكن فهمه باعتباره اعترافاً بالأخطاء، ورغبة في إعادة بناء جسور الثقة مع من تضرروا من تلك الانتهاكات.
لكن الزيارة، في نظر صلاح سليمان، لا تقتصر على ملف المصالحة، فهو يرى أن البابا يسعى أيضاً إلى إعادة الدين إلى النقاش العام، في مجتمع فرنسي يقوم على مبدأ العلمانية وفصل الدولة عن الأديان، ومن هذه الزاوية يرى أن توجه البابا إلى مدينة ميتز يكتسب أهمية خاصة، إذ تتمتع منطقة الألزاس-موزيل بنظام قانوني محلي مختلف عن بقية فرنسا، في بعض جوانب العلاقة بين الدولة والأديان، بسبب تاريخ المنطقة عندما كانت خاضعة للإمبراطورية الألمانية عند إقرار قانون عام 1905.
ويرى سليمان أن اختيار ميتز قد يحمل إشارة إلى رغبة الكنيسة في الحفاظ على حضور ديني أكبر، داخل المجال العام، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة رغبة في العودة لنفوذ ديني مباشر على الدولة، ويضع هذه الرؤية في إطار أوسع يتعلق بموقف البابا من التحولات التكنولوجية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، فبالنسبة إليه لا تكمن المسألة فقط في التطور التكنولوجي، وإنما في الجهة التي تمتلك هذه التكنولوجيا وتتحكم في مواردها وآثارها، ويخشى أن يؤدي تركّز الذكاء الاصطناعي في أيدي مجموعة محدودة من أصحاب النفوذ والثروة إلى تعميق الفوارق الاجتماعية، بدلاً من استخدام هذه التقنيات للإسهام في معالجة أزمات الفقر والتهميش وعدم المساواة.
وبذلك تبدو زيارة البابا إلى فرنسا، وفق هذه القراءة، واقعة عند تقاطع ثلاثة ملفات: محاولة إعادة بناء الثقة بعد أزمة الاعتداءات الجنسية، وإعادة طرح دور الدين في مجتمع علماني، وطرح أسئلة أخلاقية واجتماعية حول مستقبل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومن يستفيد من ثمارها.
قراءة في خطاب لاوون الـ14
حرِص البابا على استعادة الدور التاريخي لفرنسا في تشكيل الفكر الإنساني، مشيراً إلى أن مدارسها الكاتدرائية وجامعاتها وأكاديمياتها كانت عبر القرون فضاءات لصناعة المعرفة والبحث عن الحقيقة، وهذا التذكير لم يكن مجرد استحضار للماضي، بل يبرز أيضاً أن التقاطع بين الإيمان والمعرفة، شكّل أحد أعمدة الإشعاع الفرنسي، وأن كبار المفكرين الذين جمعوا بين الانتماء الكاثوليكي والتفوق العلمي، قدّموا نموذجاً لقدرة العلوم والفنون والفلسفة على خدمة الإنسان حين تتجه نحو الجمال والخير والحقيقة، ومن خلال هذا المدخل الثقافي، بدا أن رسالة لاوون الـ14 تتجاوز الخطاب الديني التقليدي، لتطرح صيغة جديدة للحوار بين الكنيسة والمجتمع الفرنسي، صيغة تقوم على التعليم والقيم الإنسانية المشتركة، لا على استعادة نفوذ ديني في بلد تُعد العلمانية جزءاً من بنيته السياسية والاجتماعية، فقد عدّ البابا إعادة ترميم كاتدرائية نوتردام نموذجاً للعمل الجماعي والوحدة الوطنية التي يدعو إليها، حاثاً الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والدينيين على استلهام هذا الإنجاز المشترك، لإطلاق دينامية جديدة تقوم على الأمل والعمل.
ولم يتوقف الخطاب عند الحاضر، بل عاد للجذور المسيحية لفرنسا، من القديس إيريناي إلى معمودية كلوفيس، ليؤكد أن المسيحية شكلت جزءاً من الهوية الثقافية والفكرية للبلاد، وهنا يبرز البعد التحليلي للخطاب، فالكنيسة تقرأ هذا التذكير باعتباره استعادة لدورها التاريخي، بينما يمكن أن يراه المجتمع العلماني محاولة لتأكيد أن التراث المسيحي يمكن أن يبقى جزءاً من الذاكرة الوطنية، من دون أن يعني ذلك العودة لنموذج "فرنسا الدينية"، ومع ذلك لا يمكن القول إن البابا يسعى إلى إعادة فرنسا للمسيحية، بل يبدو أنه يحاول إعادة إدراج المسيحية ضمن سردية الهوية الثقافية الفرنسية، بوصفها مكوناً تاريخياً لا يتعارض مع العلمانية، بل يمكن أن يتعايش معها في إطار ثقافي وإنساني مشترك.
من جانب آخر، برز في خطاب البابا لاوون الـ14 تأكيده الدور الذي نهضت به فرنسا في ترسيخ الوعي العالمي، بكرامة الإنسان والحقوق والحريات الأساس، مشيراً إلى أن التأثير الفرنسي أسهم في تحقيق إنجازات حقيقية على المستوى العالمي، ومستشهداً بالفقيه القانوني الفرنسي الحائز جائزة نوبل للسلام، رينيه كاسان، الذي أدى دوراً بارزاً في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس عام 1948.
وفي حديثه عن احترام كرامة الإنسانـ والحقوق والحريات الأساسية المرتبطة بالطبيعة البشرية، عاد لاوون الـ14 إلى ما طرحه في رسالته البابوية، محذراً من الوجه المزدوج للتقدم التكنولوجي، وقال إن التطور على مدى قرون أسهم بصورة ملاحظة في تحسين ظروف حياة البشر، لكنه في الوقت نفسه كشف في كل مرحلة عن "الجانب الملتبس" للأدوات التي يمكن أن تتحول إلى مصدر للضرر، عندما لا توظف في خدمة الخير.
ويستحضر البابا في خطابه الكاتب الفرنسي الكاثوليكي جورج برنانوس، ليقدّم من خلاله قراءة نقدية لواقع الإنسان المعاصر، فبرنانوس، كما يؤكد البابا، أدرك باكراً خطر أن تتحول الطاعة العمياء وانعدام المسؤولية إلى سادة "جنة الآلات"، أي عالم تُهيمن عليه التقنية وتُهمش فيه الإرادة الإنسانية، وفي مقابل هذا الخطر يشير البابا إلى أن الحضارة الفرنسية عملت عبر قرون على تكوين رجال أحرار، يتحملون مسؤولية أفعالهم كاملة، ويدركون أن الحرية ليست مجرد حق بل ممارسة أخلاقية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن هذا المنطلق، يشرح البابا ضرورة إعادة وضع الشخص البشري في صميم كل تفكير، محذراً من فقدان إنسانيتنا وسط عالم تقني يفرض إيقاعه على الحياة اليومية، مشدداً على الحاجة الملحّة إلى تربية العقول على التمييز الأخلاقي، القادر على إدراك الخير الحقيقي الذي ينمي الإنسان وفق دعوته الأساس، في إطار احترام غير مشروط لحريته الداخلية وكرامته المقدسة.
واللافت في هذا المقطع أن البابا لا يستشهد برجل دين، بل بكاتب فرنسي من التراث الأدبي والفكري، ليبني من خلاله رؤية حول الحرية والمسؤولية في الحضارة الفرنسية، وهذا الاختيار ليس تفصيلاً، فهو يبرز دخول الكنيسة في النقاش من داخل الثقافة الفرنسية نفسها، مستندة إلى رموزها الفكرية لا إلى خطاب لاهوتي مغلق، وبذلك يقدم البابا مقاربة جديدة لمناقشة قضايا معاصرة، مثل الإنسان والتقنية والحرية، عبر أدوات ثقافية فرنسية، بما يتيح للخطاب مخاطبة المجتمع العلماني بلغة يفهمها ويتفاعل معها.
وأمام المسؤولين الفرنسيين، حرص البابا على التذكير بأن فرنسا بنت عبر قرون جزءاً من تميزها على قدرتها في تعزيز الإنسانية، واهتمامها بالتنوع ورغبتها في التضامن، وقد تحقق ذلك بفضل رجال ونساء ظلّوا أوفياء لإنسانيتهم وللقيم التي حملها الإنجيل، إذ لم تتوقف الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا عن العمل لمصلحة الأكثر حرماناً، لتكون كما قال "الوجه الحي لحنان الله ورحمته داخل المجتمع".
وبهذه المقاربة يقدم البابا رؤية تتجاوز الخطاب الديني التقليدي، ليطرح الكنيسة كفاعل اجتماعي وأخلاقي يسعى إلى الإسهام في النقاش العام حول التعددية، والكرامة الإنسانية، والعيش المشترك، وهي رسالة تتقاطع مع التحديات الراهنة في فرنسا، حيث يتطلّب الحفاظ على وحدة المجتمع الاعتراف بالاختلاف لا محاربته، وبناء جسور بين مكوناته بدلاً من تكريس القطيعة بينها.
وأعرب لاوون الـ14عن قلقه إزاء ما وصفه بالانحرافات التي يمكن أن تنتج عن توظيف العلم والتكنولوجيا في مشاريع تحرّكها اعتبارات الربح، مشيراً إلى قضايا مثيرة للجدل، مثل التلاعب الجيني والحمل بالنيابة والاتجار بالأعضاء، وما سماه "عرض الموت المخطط له"، وبذلك لا يكتفي خطاب لاوون الـ 14 باستحضار الإرث الفرنسي في مجال حقوق الإنسان، بل يربط هذا الإرث بأسئلة معاصرة شديدة الحساسية، تتعلق بحدود التقدم العلمي والتكنولوجي، وكيفية الحفاظ على كرامة الإنسان عندما يصبح العلم قادراً على التدخل بصورة متزايدة في بدايات الحياة ونهاياتها.
وانتقل البابا لاوون الـ14 في خطابه إلى قضية العلمانية، التي تشكل أحد المبادئ الأساس للجمهورية الفرنسية، مقدماً قراءة تقوم على إمكان التوفيق بين حياد الدولة تجاه الأديان، وبين حضور البعد الديني في خدمة المجتمع، مؤكداً أن الالتزام بخدمة الآخرين يمكن أن يكون تعبيراً عن العلمانية الصحيحة للمجتمع الدنيوي، وموضحاً أن مشاركة المسيحيين في الحياة العامة، عندما تستند إلى ضمير مستنير بالإيمان، لا تعني السعي إلى التبشير أو فرض المعتقد الديني على المجال العام.
وفي هذا السياق، طرح لاوون الـ14 مفهومه لـ "العلمانية العادلة" التي لا تقوم، وفق تصوره، على إقصاء الدين من المجال العام أو من التعليم، وإنما على إتاحة المجال أمام الدولة والمؤسسات الدينية للحوار والتعاون، كل في إطار دوره، من أجل خدمة الصالح العام، مشيداً في هذا الإطار بآليات الحوار القائمة بين الكرسي الرسولي والكنيسة الكاثوليكية في فرنسا والسلطات الفرنسية، ورأى أن العمل الذي تقوم به الكنيسة عبر مؤسساتها ومختلف أشكال حضورها الاجتماعي يمثل إسهاماً في خدمة المجتمع، واستند إلى مبدأ "التكامل السليم" بين المجالين السياسي والديني، وهو مبدأ أعاد المجمع الفاتيكاني الثاني تأكيده، مع التشديد على اختلاف أدوار الدولة والكنيسة، فلكل منهما مجال عمله، لكن كليهما يمكن أن يسهم، من موقعه، في خدمة الإنسان والمجتمع وتحقيق المصلحة العامة.
وفي حديثه عن الشرق الأوسط، لم يتجاهل البابا لاوون الـ14 الصراعات التي تشهدها المنطقة، متوقفاً عند "كل تلك الشعوب المتضررة من عواقب الصراعات، وجميع الذين يعانون ويلات الحرب"، مشدداً على أنه لا يمكن البقاء "غير مبالين أمام مثل هذه المعاناة"، لأنها، بحسب تعبيره، تنتهك كرامة الإنسان وتطرح صرخة من أجل العدالة. وقال البابا أمام الحضور، الذي ضم ممثلين سياسيين ودبلوماسيين وممثلين من المجتمع المدني، إن خطورة الأوضاع الراهنة يجب أن تستدعي الانتباه، وأن تدفع الجميع أينما كانوا إلى "توبة حقيقية من القلب، وتغيير في الموقف".
وفي مواجهة ما وصفه بتعقيدات عالم اليوم وترابطه المتزايد، دعا لاوون الـ14 إلى الاعتراف بتواضع "بحاجتنا إلى بعضنا بعضاً"، والعمل بشكل جماعي من أجل بناء ما سمّاه "حضارة الحب".
وتندرج هذه الدعوة ضمن رؤية البابا للسلام، باعتباره مسؤولية مشتركة، لا تقتصر على إنهاء النزاعات المسلحة، وإنما تشمل أيضاً معالجة الظروف التي تؤدي إلى العنف، وحماية كرامة الإنسان، وتعزيز التضامن والتعاون بين الشعوب، وترافق هذا النداء أيضاً مع دعوة واضحة إلى وضع حد لسباق التسلح، ولا سيما التسلح النووي.
واستشهد لاوون الـ14بسلفه البابا يوحنا الـ23، قائلاً إن "العدالة والحكمة وحس الإنسانية تتطلب وقف سباق التسلح"، إضافة إلى خفض متواز ومتزامن للأسلحة الموجودة في مختلف البلدان، وحظر السلاح النووي، وأخيراً نزع السلاح الذي يجري تنفيذه على النحو الواجب بالتراضي، وتصاحبه ضوابط فعالة".
مفارقة المشهد الكاثوليكي في فرنسا
تأتي زيارة البابا لاوون الـ 14 إلى فرنسا في مجتمع شهد تراجعاً كبيراً في الممارسة الكاثوليكية المنتظمة، ووفقاً لدراسة أجراها "معهد إيفوب" نشرت عام 2025، فإن خمسة في المئة فقط من إجمال السكان في فرنسا يذهبون إلى القداس كل يوم أحد أو أكثر، في مقابل ستة في المئة عام 2012، و35 في المئة عام 1961، فيما قال 50 في المئة إنهم لا يذهبون إلى القداس أبداً، وأفاد 24 في المئة بأنهم غير معمدين.
لكن تراجع الممارسة الدينية التقليدية لا يعني اختفاء مظاهر الاهتمام بالكاثوليكية، ففي عام 2026 من المقرر أن يتلقى 13 ألفاً و234 بالغاً سر المعمودية في الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية، بزيادة بلغت 28 في المئة مقارنة بعام 2025، وللمقارنة فلم يتجاوز عدد البالغين الذين تلقوا المعمودية 4124 شخصاً عام 2016، مما يعني أن العدد تضاعف ثلاث مرات خلال 10 أعوام، مضافاً إلى هؤلاء أكثر من 8100 مراهق، من المقرر أن يتلقوا المعمودية عام 2026، بزيادة تقارب 10 في المئة مقارنة بالعام السابق، وبذلك يتجاوز العدد الإجمالي للبالغين والمراهقين الذين يستعدون للمعمودية في فرنسا 21380 شخص خلال العام الحالي.
وتكشف هذه الأرقام مشهداً دينياً أكثر تعقيداً من مجرد تراجع الممارسة، ففي وقت أصبحت المشاركة المنتظمة في القداس محدودة للغاية مقارنة بالماضي، يظهر في المقابل تدفق جديد من البالغين والمراهقين الراغبين في الانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية، وفي هذه المفارقة تحديدا تأتي زيارة لاوون الـ14: بابا يصل إلى فرنسا العلمانية في وقت تراجعت فيه الممارسة الدينية التقليدية، لكن الكنيسة تسجل في الوقت نفسه مؤشرات جديدة على اهتمام فئات من الشباب والبالغين بها، وبين تراجع الحضور الكنسي وظهور أجيال جديدة تطلب المعمودية، تعيد الزيارة طرح سؤال موقع الكنيسة في المجتمع الفرنسي المعاصر، ودورها في النقاش حول القيم والإنسان ومستقبل المجتمع.