ملخص
انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي هذه المرة ليست كأي انتخابات، لأنها تنعقد هذه المرة في ظل أجواء غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي، واتباع قواعد المنافسة طرقاً يصفها البعض بـ"الملتوية"، وتراجع نسبة التأييد للرئيس ترمب لمستويات غير مسبوقة في فترتيه الرئاسيتين، وعودة آمال الديمقراطيين في ترجيح الكفة لصالحهم، إضافة إلى طول أمد حرب إيران وآثارها الاقتصادية على الأسعار ومستوى المعيشة وآثارها المستقبلية التي لم تتضح بعد.
تقول النظرية والبحوث إن السوشيال ميديا أدّت خلال الانتخابات الأميركية في العقدين الماضيين دوراً فعالاً بوصفها قناة للتواصل المباشر وغير المباشر بين الناخب الأميركي من جهة، والمؤسسات والكيانات والمرشحين من جهة أخرى، وكذلك بين الناخبين وبعضهم بعضاً. كما تظل ساحة بالغة التأثير في تشكيل وتوجيه آليات عمل الحملات الانتخابية، وإدارة عملية تلقي الناخبين المعلومات وتناولها وتشاركها.
وتشير النظريات وتعضدها استطلاعات رأي سابقة وحالية إلى تأثر الأميركيين الأصغر سناً (بين 18 و29 سنة) بالسوشيال ميديا بشكل كبير، واعتمادهم عليها للحصول على الأخبار والتحليلات الخاصة بالمشاركة السياسية والانتخابات، ومن ثم فهي تسهم في تشكيل أو على الأقل، التأثير في توجهاتهم واختياراتهم في الانتخابات.
تراجع تأثير الإعلام التقليدي لصالح السوشيال ميديا في القدرة على التأثير في الناخبين، واستغلال المرشحين وداعميهم من أصحاب المصالح لإمكانات العالم الرقمي من أجل التحكم بشكل غير مباشر في ما ستسفر عنه الخيارات في صناديق الانتخاب، والدق على أوتار رقمية وغير رقمية بحسب الفئة العمرية والطبقة الاجتماعية والقدرات الاقتصادية والانتماءات الأيديولوجية، أمور باتت معروفة في الانتخابات الأميركية، كغيرها من الانتخابات التي تجري في أرجاء العالم.
لكن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي هذه المرة ليست كأي انتخابات، لا للأسباب المعتادة من حيث كونها مؤشراً مهماً يحدد ميزان القوة في الكونغرس بغرفتيه بعد عامين من حكم أي رئيس أميركي، وحسمها لمن يملك الأغلبية في التشريع، وهو ما يؤثر بشكل مباشر في قدرة الإدارة على المضي قدماً في سياساتها وسن قوانينها، إنما لأنها تنعقد هذه المرة في ظل أجواء غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي، واتباع قواعد المنافسة طرقاً يصفها البعض بـ"الملتوية"، وتراجع نسبة التأييد للرئيس ترمب لمستويات غير مسبوقة في فترتيه الرئاسيتين، وعودة آمال الديمقراطيين في ترجيح الكفة لصالحهم، إضافة إلى طول أمد حرب إيران وآثارها الاقتصادية على الأسعار ومستوى المعيشة وآثارها المستقبلية التي لم تتضح بعد.
البيئة المعلوماتية أرض معركة
كشف استطلاع أجرته "مؤسسة بيو" لمعرفة وقياس آراء الأميركيين حول انتخابات عام 2024، ومعرفة المصادر التي يلجأ إليها الأميركيون لمعرفة أخبار الانتخابات، قال ثلث البالغين (نحو 36 في المئة) إن التلفزيون هو الوسيلة الأكثر شيوعاً للحصول على الأخبار السياسية وأخبار الانتخابات. وقال 20 في المئة إنهم يعتمدون بشكل أساسي على المواقع والتطبيقات الإخبارية، في حين يعتمد 21 في المئة على السوشيال ميديا. وقال ثلاثة في المئة إنهم يعتمدون على محركات البحث مثل "غوغل"، وخمسة في المئة على الإذاعة، وخمسة في المئة على البودكاست، وثلاثة في المئة فقط قالوا إنهم يعتمدون على الصحف والمجلات الورقية.
قضي أمر الصحف والمجلات الورقية، الذي ظل حتى وقت قريب مثار شد وجذب، وخلاف واتفاق في بحوث الرأي العام وقياسات الرأي والتأثير في أوقات الانتخابات.
ما كشف عنه الاستطلاع من ترتيب المصادر التي يعتمد عليها الأميركيون في الانتخابات قبل عامين ربما تغير كثيراً، ومعه يتغير التأثير أيضاً كثيراً. في القلب من المنافسة الشرسة للسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ عبر انتخابات التجديد النصفي، بيئة معلوماتية وإخبارية وتحليلية وصلت إلى درجة غير مسبوقة من التفتت والتصارع في ما بينها، وكذلك بينها وبين مؤسسات سياسية أدخلت نفسها طرفاً يصارع قطاعاً من الجماهير وجانباً من الإعلام التقليدي من صحف ومواقع وقنوات تلفزيونية.
البيئة الإخبارية والمعلوماتية والتحليلية التي تسبق أحد أخطر الانتخابات الأميركية في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل تحوّلت إلى أرض معركة غير مسبوقة، وذلك بفرض ترمب حظراً على ثلاث وسائل إعلام أميركية شهيرة هي شبكة "سي أن أن" وقناة "سي أن سي بي سي" وموقع "بوليتيكو"، وجرى سحب تصاريح دخول مراسليها البيت الأبيض، وذلك بسبب تغطياتها الإعلامية "غير العادلة" بحسب وصف الرئيس.
اللافت والكاشف أن وزارة العدل الأميركية أعلنت أنه يحق للرئيس منع وسائل الإعلام هذه من دخول مناطق داخل البيت الأبيض. وجاء في مذكرة قدمتها الوزارة إلى جلسة طارئة للمحكمة، إذ تطالب المؤسسات الثلاث بإعادة حقها في دخول البيت الأبيض فوراً إنه "على أقل تقدير، يمكن للحكومة التحكم في دخول الصحافيين إلى المناطق الرئاسية المقيدة، مثل المكتب البيضاوي، حتى لو كان ذلك لأسباب تتعلق بالتمييز على أساس وجهة النظر"، وأن "الرئيس خلص إلى أن المدعين قد تورطوا في عدد من الحالات التي شكّلت فيها تغطيتهم الصحافية تهديداً للأمن القومي، إذ تثير مثل هذه التغطية مخاوف مباشرة تتعلق بالأمن القومي".
الطريف أن القاضي الفيدرالي تيموثي كيلي قضى بعودة المؤسسات الثلاث إلى البيت الأبيض. ورغم أن الأسباب التي ذكرها كيلي تتعلق بعدم صحة الإجراءات القانونية التي اتخذها البيت الأبيض، وعدم اتباعه القاعدة العامة وهي إخطار الأفراد بالقرار، وإعطائهم الفرصة للاستماع إليهم، مع توافر فرصة الطعن، وهو ما لم يحدث إلا في وقت لاحق، إلا أن موقف البيت الأبيض من ثلاث من أبرز المؤسسات الإعلامية التقليدية، وتأييد وزارة العدل له، مع رفض المحكمة الفيدرالية القرار، إلا أن هذه الأجواء المحتقنة، التي كان يفترض أن توجه لانتخابات التجديد النصفي تلقي بظلالها على الناخبين والمرشحين من أبواب خلفية.
ربما لا يكون تأثير هذه الأجواء الفريدة في هذا التوقيت المحوري على انتخابات التجديد النصفي مباشراً، لكنه حتماً سيُلقي بظلال ما. المؤسسات الثلاث، والمعنية بشكل كبير بالتغطية الإخبارية والتحليلية مع مقالات الرأي ومواقف الخبراء حول الانتخابات المقبلة، ستكسب أرضية ربما خسرتها من قبل لصالح السوشيال ميديا. مثل هذه الصدامات "رفيعة المستوى" من شأنها أن تجذب انتباه الناخبين وتثير اهتمامهم، بمن في ذلك من يقفون على ضفة الرئيس ترمب والحزب الجمهوري.
طغيان الأخبار والتقارير المتعلقة بالخلافات الإعلامية على المحتوى المتعلق بالانتخابات من قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية قد يلعب دوراً في توجيه الناخبين، لا سيما في الدوائر الانتخابية المتأرجحة، وحيث لم يحسم الناخبون أمرهم بشكل قطعي مسبقاً.
يشار أيضاً إلى أن الاستياء من قرار حظر المؤسسات الثلاث لم يقتصر على الديمقراطيين أو العاملين في الإعلام فقط، بل شمل أيضاً قطاعاً من مؤيدي ترمب، الذين قد يشاركونه موقفه المعارض لما يعده "إعلاماً متحيزاً ضده"، لكنهم رأوا قرار الحظر غير موفق.
هل ستلعب قناة الرئيس دوراً مؤثراً في الانتخابات؟
وبينما تستعد المراكز البحثية وقياسات الرأي العام لتحليل البيانات، وتمضي قدماً في استشراف تأثير السوشيال ميديا على توجهات الناخبين واختياراتهم، والمقارنة بين دور هذه التطبيقات والمنصات المتنامي والمتضخم في التأثير على التوجهات ودور الإعلام التقليدي، والمخاطر التي يحملها من أخبار كاذبة وآراء مضللة ومزج الحقائق بالخيال مع الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي، وبين دور الإعلام التقليدي الآخذ في التقلص، إذ بالبيت الأبيض يطلق "تلفزيون ترمب" أو "ترمب تي في" على "يوتيوب".
هل ستلعب قناة الرئيس، أو قناة البيت الأبيض الجديدة التي تحمل اسم الرئيس دوراً مؤثراً في انتخابات التجديد النصفي؟ على الأرجح، نعم. البيت الأبيض قال في بيان الإطلاق إن "كل اللحظات المهمة لم تصل إلى شاشات التلفزيون، والآن يمكنك مشاهدتها كلها في مكان واحد". لكن على الأرجح أيضاً أن المحتوى سيطغى عليه الاستقطاب الحاد، لا سيما في ما يتعلق بأخبار وتغطيات وتحليلات انتخابات التجديد النصفي. وستعمل على الأرجح لحشد الناخبين، وتقوية أواصر وثقة قاعدة الرئيس ترمب الانتخابية، وذلك من "مصدر واحد" هو "ترمب تي في".
على أثير "ترمب تي في"، سيتلقى الجمهور، لا سيما الناخبون، ما تريد إدارة الرئيس ترمب له أن يتلقاه. وعلى أثير السوشيال ميديا، سيتلقى الجمهور ما تريد المنصات والتطبيقات أن تلقيه له عبر خوارزمياتها من جهة، وما يريد صانعو المحتوى والمؤثرون وغيرهم من كيانات وأفراد ومجموعات ذات حضور على الأثير، وقدرة على التأثير، وتبقى النوايا في علم الغيب وصاحبها ومن يمولهم ويدعمهم.
تأثير السوشيال ميديا في انتخابات التجديد النصفي كبير ومثير ومتغير. المرشحون وطواقمهم أصبحوا أكثر دراية بقدرة السوشيال ميديا على التغيير والتأثير. ومع الدراية تأتي القدرة الأكثر نضجاً في كيفية استخدام هذه المنصات والتطبيقات بالشكل الأمثل لتعظيم التفاعل مع الناخبين، وتبييض صورة المرشح، وهو ما ينعكس تغييراً وتطويراً وتحديثاً في استراتيجيات الحملات الانتخابية على الأثير.
جهود عدة تُبذل من قِبل مراكز ومؤسسات لزيادة وعي مستخدمي السوشيال ميديا في أميركا، لا سيما في الفترات التي تسبق الانتخابات، إذ إن نصائح تقنية تتعلق بأثر ضبط الإعدادات والتحكم فيما تعرضه المنصات من محتوى للحد من ظهور مادة لا تطابق توجهاتهم أو اختياراتهم، اللجوء إلى الملاذات الآمنة، لتجنب تطبيقات بعينها في فترات الشد والجذب المرتبطة بالحملات الانتخابية، مع الاعتماد على مصادر بعينها في المحتوى، وجميعها تبني قاعدة معرفية غير حقيقية، إذ تعتمد على مصادر أو محتوى يناسبان توجهات الناخب المستخدم، وليست بالضرورة عاكسة للواقع.
الواقع المجتزأ أو المفصل بحسب مقاسات المستخدم لا يصنع قرارات انتخابية صائبة، ولذلك فإن جانباً من جهود التوعية والتثقيف يوجه لإقناع مستخدمي الإنترنت في أميركا بتكثيف عمليات التيقن من الأخبار، والبحث عن المعلومة من أكثر من مصدر، وعدم المشاركة إلا بعد التيقن من صحة ما يجري تشاركه.
بحسب "ستاتيستا"، يبلغ عدد مستخدمي السوشيال ميديا في أميركا نحو 312 مليون شخص، أي نحو 93 في المئة من الأميركيين. وبحسب مؤسسة "بيو"، يقول نحو 72 في المئة من الأميركيين إنهم يحصلون على جزء معتبر من الأخبار والمعلومات من السوشيال ميديا بدرجات تتفاوت بين "باستمرار" و"أحياناً". ويأتي كل من "فيسبوك" و"يوتيوب" على رأس قائمة تطبيقات السوشيال ميديا، إذ إن 38 في المئة من الأميركيين يقولون إنهم يحصلون على الأخبار بشكل منتظم من "فيسبوك"، و35 في المئة يقولون إنهم يحصلون على الأخبار بانتظام من "يوتيوب". وتتبعهما كل من "إنستغرام" وتيك توك" ثم "إكس" تليها "رديت" ثم "نسكت دور" وواتس آب"، تعقبها "ثريدز" و"رامبل"، ثم "بلو سكاي" و"تروث سوشيال" (بنسبة اثنين في المئة لكل منهما).
أنت تسأل والذكاء الاصطناعي يجيب
تشير ورقة كتبتها المحللة السياسية إيزابيل لينزر ومدير مشروع الانتخابات والديمقراطية تيم هاربر (2026) على موقع "مركز الديمقراطية والتكنولوجيا" إلى أن أي الانتخابات أصبحت نقطة تحول حساسة لنشر المعلومات المضللة والمغلوطة، وهدفاً دائماً للأكاذيب والتضليل، بدءاً بتوقيت ومكان وشروط التصويت، مروراً بمعلومات خاطئة عن المرشحين والأحزاب، وانتهاء بتغيير وتعديل رغبات الناخب عبر تغذيته بمحتوى توجيهي.
وتلفت الورقة وعنوانها "العد التنازلي لانتخابات التجديد النصفي: سياسات منصات السوشيال ميديا وبيئة المعلومات" إلى أن تداخل السوشيال ميديا في المشهد السياسي زاد بشكل واضح مع تزايد أهمية صناع المحتوى كأصوات سياسية ومصادر للأخبار، مشيرة إلى أن "هؤلاء المؤثرين السياسيين، الذين يستقي خمس البالغين في أميركا الأخبار منهم بانتظام، أصبحوا يلعبون دوراً محورياً بصفتهم ناقلين للمعلومات للجمهور، وممثلين عن الحملات الانتخابية، ومنظمين للجهود والسياسات والحملات قبل انتخابات التجديد النصفي".
وتضيف الورقة أن التأثير الأكبر في مسار الخطاب السياسي، لا سيما السابق للانتخابات، من نصيب السوشيال ميديا، مشيرة إلى انتهاء الأيام التي كانت فيها وسائل الإعلام التقليدية هي المحتكر الوحيد لصياغة السردية الإعلامية، وصار في إمكان الأفراد والجماعات والقائمين على الحملات السياسية التواصل المباشر مع الجمهور، متجاوزين بذلك حراس البوابة التقليديين، ومساهمين في خلق منظومة معلوماتية أكثر لا مركزية.
اعتماد الناخبين الأميركيين بدرجات متفاوتة على السوشيال ميديا مصدراً رئيسياً أو شبه رئيسي للأخبار، مع توقع بحدوث تغيير ولو طفيف ولو من باب الإثارة وحب الاستطلاع حيث عودة إلى قنوات التلفزيون "المحظورة" من قبل ترمب، وكذلك "ترمب تي في"، لا ينظر كثيراً في مكون تحقيق الربح المادي من قبل صناع المحتوى السياسي، لا سيما في مواسم الانتخابات، ومنهم من يلجأ أو يطلب منه اللجوء إلى المعلومات المضللة، لتنشيط المحتوى وزيادة التفاعل عليه، ونشر التوجه على نطاق واسع.
من جهة أخرى، تشهد الأجواء المؤدية إلى انتخابات التجديد النصفي هذه المرة جهوداً ملحوظة من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى لهدف معلن هو مساعدة الناخبين للحصول على فهم المعلومات المتعلقة بانتخابات التجديد النصفي. "مايكروسوفت" و"غوغل" و"ميتا" وغيرها بدأت في بث محتوى لدعم الناخبين وضمان مصداقية الانتخابات.
"مايكروسوفت" مثلاً تشير إلى أن بعض الناخبين يلجأ عمداً إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لطرح أسئلة حول المرشحين، وإجراءات الانتخابات، والقضايا التي تهم المجتمع ويتم التصويت بناء عليها. آخرون يبحثون عبر محركات البحث العادية، ليجدوا أن نتائج مولدة عبر الذكاء الاصطناعي تظهر على رأس القائمة، وهذا يعني وفي كلتا الحالتين أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة أو بوابة رئيسة يستخدمها الناخبون للحصول على معلومات الانتخابات.
وهنا تشير "مايكروسوفت" إلى أن هذا التحول، صوب اعتماد الذكاء الاصطناعي أداة من أدوات الانتخابات، يحدث بسرعة، لا سيما أن 30 في المئة من الأميركيين في سن العمل يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل دائم، وذلك بحسب مؤشر انتشار الذكاء الاصطناعي الذي أجرته "مايكروسوفت" في الربع الأول من عام 2026.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتحذر "مايكروسوفت" من أنه رغم أن الذكاء الاصطناعي يساعد على فهم الموضوعات المعقدة، والمقارنة السهلة بين المعلومات، واستكشاف جوانب كانت غامضة، فإن معلومات الانتخابات قد يتشكل تحدياً أمام أدوات الذكاء الاصطناعي، نظراً إلى أنها ذات طابع محلي للغاية، وتتغير بسرعة، وقد تكون غير مكتملة أو محل نزاع أو مجردة من سياقها الأساسي.
الحل لا يكمن في منع أو صرف الناخبين بعيداً من استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات عن انتخابات التجديد النصفي، لكن الأجدر هو مساعدتهم على استخدامه بحكمة، لا سيما حين تؤثر المعلومات في تجربتهم الانتخابية.
انتخابات التجديد النصفي تسلط الضوء على انتهاء مرحلتي المفاضلة بين الصحف والمجلات من جهة، والمواقع ومحطات التلفزيون من جهة أخرى، ثم محاولات ترجيح كفة التلفزيون والمواقع في مقابل السوشيال ميديا، وبدء مرحلة الذكاء الاصطناعي باعتباره القادم الجديد المؤثر المهيمن في المشهد السياسي، والانتخابات ونتائجها في القلب منه.
بدءاً بروبوتات المحادثة، مروراً بعمليات البحث على الإنترنت، وانتهاء بطلب صريح مقدم عبر أداة من أدوات الذكاء الاصطناعي لاختيار المرشح الأمثل في الانتخابات سواء بناء على معطيات يتم تغذية الأداة بها، أو حتى من دون، يعلن الذكاء الاصطناعي أنه رسخ أقدامه في الانتخابات المقبلة، حتى لو لم يدرك مستخدموه ذلك.
وبحسب مقال منشور في "ذو هيل" تحت عنوان "الناخبون يتجهون إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات حول السياسة، فهل هو أهل لهذه المهمة؟" (سبتمبر 2026)، فإنه رغم التشكيك في أثر الذكاء الاصطناعي وتأثيره على المجتمع، فإن الأميركيين يستخدمون برمجيات الدردشة الآلية أكثر من أي وقت مضى. وبحسب نتائج دراسة أجريت بتكليف من شرطة "أوركسترا" (التي وصفها المقال بـ"ذات التوجهات اليسارية")، فقد ارتفعت نسبة استخدام البالغين الأميركيين لهذه البرمجيات من الثلث في عام 2024 إلى نحو 50 في المئة في عام 2026. وبين مليارات الأسئلة التي تتلقاها هذه البرمجيات، بلغ عدد الأسئلة المتعلقة بالسياسة نحو 650 ألف سؤال. ويتصدر كل من "تشات جي بي تي" و"غوغل أي آي" قائمة المصادر الأكثر قياماً بمهمة توفير الإجابات.
وكشف تحليل للمؤشر الاقتصادي لـ"أنثروبيك" (شركة الذكاء الاصطناعي الأميركية العملاقة) الذي رصد موضوعات المحادثات الفعلية مع نماذج الذكاء الاصطناعي في شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) الماضيين أن استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض سياسية لا يزال متواضعاً، لكنه ذو دلالة، إذ حل في المرتبة الـ66 من بين 189 موضوعاً. وشهدت الأسابيع التي سبقت الانتخابات التمهيدية في مايو قفزة بنحو 20 في المئة في حصة المحادثات ذات الطابع السياسي، وهو ما يعني توقعات بارتفاعات كبيرة مع اقتراب موعد الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يصفها خبراء بـ"الموجة الأكبر في تاريخ الانتخابات الأميركية في العصر الرقمي".
الحديث عن الانتخابات المحورية، والصراع بين الإعلام التقليدي من جهة والرقمي والسوشيال ميديا من جهة أخرى، الذي حسم بضربة شبه قاضية أسهم فيها الذكاء الاصطناعي، ثم ما لبث أن استعاد "التقليدي" جانباً من سطوته بفعل قرار الحظر الذي صدر من البيت الأبيض، وإطلاق "ترمب تي في"، والبحث في آثار الاعتماد على السوشيال ميديا مصدراً أساسياً، إن لم يكن الأساسي لاستقاء المعلومات السياسية، والبحث عن ترجيحات انتخابية، تتناسى أحياناً جيل زد.
أين يقف جيل زد؟
في عام 2024، بلغ عدد المؤهلين للتصويت من بين جيل زد أكثر من 40 مليون شخص، لكن لم يدل سوى 21 مليوناً منهم بأصواتهم. العدد هذا العام يصل إلى نحو 50 مليون ناخب، والتجاذب حول هذه الكتلة التصويتية الشابة والغامضة يجري على قدم وساق، لكن من دون صخب، ربما يكون مقصوداً.
تقارير صحافية ونتائج استطلاعات بحثية تشير إلى نقيضين. الأول يؤكد أن جيل زد قادم بقوة ككتلة تصويتية قادرة على إحداث الفرق، وذلك عبر نبذ الحزب الديمقراطي وسياسات الرئيس ترمب. والثاني يجزم بأن جيل زد قادم بقوة ككتلة تصويتية قادرة على تجديد الثقة في الحزب الديمقراطي وسياسات الرئيس ترمب لإكمال المهمة.
في السياق نفسه، يحذر خبراء مما تعانيه استطلاعات الرأي الأميركية في السنوات الأخيرة تشكيكاً في المصداقية، ونتائج استشرافية يتحقق عكسها في ما بعد. أستاذ الإعلام في الجامعة الأميركية بواشنطن جوزيف كامبل كتب في "ذو كونفرسيشين" تحت عنوان "أجواء غير مبهجة لمجري استطلاعات الرأي قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية" (سبتمبر 2026) إن القائمين على استطلاعات الرأي العام يستقبلون انتخابات التجديد النصفي لهذا العام وهم مثقلون بعبء إخفاقات بارزة شهدتها استطلاعات سابقة، فضلاً عن مواجهتهم تحديات يفرضها منافسون جريئون عازمون على إعادة تشكيل مشهد التوقعات السياسية. ويضاف إلى ذلك عدم وجود مؤشرات أو ضمانات تشير إلى أن المشكلات التي تعاني منها استطلاعات الرأي وما يصاحبها من تشكيك شعبي مستمر في مصداقيتها على مدار نحو 10 سنوات، ستشهد انفراجة قريبة.
فمن مخالفة ترمب لتوقعات استطلاعات الرأي وهزيمة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في 2016، إلى المبالغة في تقدير هامش فوز المرشح الديموقراطي جو بايدن على ترمب في 2020، إلى تقليل استطلاعات الرأي من حجم شعبية ترمب في عام 2024، إلى استطلاعات الرأي الخيالية التي تسللت نتائجها إلى العلن، ومنها ما جرى استخدامه من قبل مرشحين في ولايات على اعتبار أنها استطلاعات حقيقية، قبل أن يثبت أنها مفبركة من الألف إلى الياء، تجد استطلاعات الرأي نفسها في التجهيز لانتخابات التجديد النصفي في موقف لا تحسد عليه.
لا بد من الإشارة إلى الوضع الصعب الذي تجد استطلاعات الرأي نفسها فيه، سواء تلك الموثوقة، التي يمكن اعتبار نتائجها مؤشراً حقيقياً، أو التي تشوبها شوائب عدم الدقة أو التسييس أو التوجيه، أو حتى المختلقة.
يشير تقرير منشور في "ذو هيل" تحت عنوان "جيل زد ينجم على دعم ترمب ولديه دافع قوي لانتخابات التجديد النصفي" (أغسطس 2026) إلى استطلاع رأي أجرته مؤسسة "نافيغيتور" وأظهر أن 31 في المئة من الفئة العمرية المنتمية لجيل زد الذين صوّتوا لترمب في عام 2024 نادمون على ذلك. وجاء أبناء جيل الألفية في المرتبة الثانية في قائمة الندم بنسبة 28 في المئة، في حين أعرب 20 في المئة من جيل إكس، و10 في المئة من جيل "طفرة المواليد" (بومرز) عن ندمهم لاختيار ترمب، مع الإشارة إلى أن أصوات جيل زد كانت قوة مؤثرة أسهمت في فوز ترمب في هذه الانتخابات.
وتناول الاستطلاع كذلك مستوى تأييد ترمب، إذ سجّل أدنى نسبة تأييد لترمب بين جيل زد، حيث عبر 33 في المئة منهم عن تأييد قوى أو جزئي له.
تقارير واستطلاعات عدة تتحدث عن انخفاض كبير في نسبة تأييد الرئيس ترمب والحزب الجمهوري بين جيل زد. معركة كسب أصوات جيل زد، أو فلنقل الحفاظ على الأصوات التي سبق الفوز بها، تدور على أشدها. وجزء منها يدور على أثير السوشيال ميديا، "الموطن الطبيعي" لهم. الجمهوريون عملوا على تشييد شبكة قوية من المؤثرين والمؤثرات على منصات السوشيال ميديا، يتحدثون بلغة الشباب، ويدقون على أوتار الموضوعات الأكثر تأثيراً فيهم، والأكثر قدرة على تسيير توجهاتهم الانتخابية. والديمقراطيون يبذلون جهداً للحاق بهم على الأثير نفسه.
وبعيداً من معضلة كلاسيكية وهي أن 50 مليون شاب وشابة يحق لهم التصويت في هذه الانتخابات، لكن نحو نصفهم إما غير مسجلين في القوائم الانتخابية أو لا يشاركون بفاعلية في الحياة السياسية، فإن صراعاً مكتوماً يدور على ملايين الشباب، لا سيما الذكور، الذين أعطوا الرئيس ترمب أصواتهم في انتخابات عام 2024. الجمهوريون يحاولون الحفاظ عليهم، والديمقراطيون يحاولون جذبهم، أو كما يقول البعض، إعادتهم إلى أحضان الحزب الديمقراطي، وهو ما يوحي بأن تغييراً حدث في انتخابات الرئاسة 2024، ويراد تصحيحه في انتخابات التجديد النصفي 2026.
هؤلاء لعبوا على الإحباط والغضب من أداء الحزب الديمقراطي في 2024، وأولئك يراهنون على الإحباط والغضب من أداء الحزب الجمهوري في 2026.
تقترب انتخابات التجديد النصفي المهمة والمحددة لمصير كل من الحزب الجمهوري الحاكم والديمقراطي المشتاق للحكم، والأجواء أبعد ما تكون عن المثالية. الساحة الإعلامية مفتتة، والإعلام التقليدي متنازع عليه، والرئيس والبيت الأبيض طرف في النزاع، والسوشيال ميديا فيها من الصالح والطالح ما يكفي ويزيد، والذكاء الاصطناعي يفرض نفسه أداة معرفية لمن لا أداة له، وصناع المحتوى يضخون ما لا يمكن التحقق من نواياه، حتى لو جرى التحقق من مصداقيته وحقيقته، والإحباط يحوم في الأجواء، وحرب إيران تأبى أن تنتهي، والآثار الاقتصادية ماضية قدماً في التفاقم، والتشكيك في أداء المؤسسات وصل إلى مستوى غير مسبوق. آليات التأثير تتغير، وأدوات التوجيه تتطور، والمعلومات التي يحصل عليها "س" و"ص" بناء على سؤال واحد تأتي مصممة على أساس رغبات وتوجهات وآمال وإحباطات كل منهما. حتى استطلاعات الرأي، التي اعتبرها العالم على مدار عقود، مؤشراً إلى التوقعات ومرآة للمجريات، لم يعد في الإمكان الاعتماد عليها لاستشراف النتائج. ورغم ما سبق، يبقى المجتمع الأميركي قادراً على الإدهاش، وجيل زد مرشحاً للقيام بدور مؤثر وإحداث تغيير ملموس في واقعه وواقع الآخرين، وهو ما سيثبته أو ينفيه مشهد انتخابات التجديد النصفي.