ملخص
حذر تقرير صادر عن عالم النفس الأسترالي نيك هاسلام من ظاهرة "التوسع المفاهيمي" (Concept Creep)، التي تعنى بتمدد استخدام المصطلحات النفسية والطبية الصارمة، مثل الصدمة، والتنمر، والسلوك السام، لتشمل مواقف واحتكاكات يومية اعتيادية. وأوضح التقرير أن هذا التوسع يسير عبر مسارين: أفقي يشمل مجالات جديدة كبيئات العمل والمنصات الرقمية، ورأسي يخفض المعايير الإكلينيكية لتصنيف الانزعاج العابر كصدمة نفسية. وأكدت الأبحاث أن تضخيم المفردات عبر وسائل التواصل الاجتماعي يضعف الاستجابة للحالات الشديدة الفعلية، ويرسخ هوية الضحية العاجزة، داعية إلى اعتماد لغة أكثر دقة تتناسب مع درجات التجارب المختلفة من دون تضخيم أو تهوين.
جملة عابرة، أو خلاف بسيط، أو تعليق غير موفق، كان يفترض عادة أن يشعرك بانزعاج ضئيل يزول بعد دقائق، لكن يبدو وكأن شيئاً ما قد تغير في الطريقة التي نصف بها هذه التجارب. ولو فتحت تطبيق "تيك توك"، على سبيل المثال، لاقتنعت مباشرة أن ما حدث معك ليس مجرد موقف يومي عادي، بل هو إما نوع من الإساءة العاطفية أو التلاعب النفسي، أو ربما ستقتنع أن تلك التجربة ستترك في ذاكرتك صدمة تبقى معك إلى الأبد، فبدلاً من أن يكون الموقف مزعجاً قد يصبح مؤذياً، وعوضاً عن أن يكون الخلاف اختلافاً في وجهات النظر قد يتحول إلى إساءة، وقد يوصف موقف عابر بـ"التنمر"، أو تجربة مؤلمة بـ"الصدمة"، أو شعور موقت بأنه "أزمة".
فكيف تحولت التفاصيل اليومية البسيطة، التي كثيراً ما تعامل معها البشر بوصفها جزءاً من ضجيج الحياة الطبيعي، إلى أزمات نفسية واجتماعية كبرى؟ ولماذا أصبحت العقول المعاصرة تصاب بالإرهاق الوجودي أمام أقل قدر من الاحتكاك اليومي؟ وماذا يحدث عندما تتسع الكلمة بصورة أسرع من قدرتنا على التمييز بين درجات التجربة التي تصفها؟
ربما لم تمتلئ حياتنا فجأة بالمشكلات بقدر ما اتسع القاموس الذي نستخدمه لتصنيفها، وتراجعت قدرتنا على التمييز بين المحنة العابرة والأزمة الحقيقية. هذا التوسع في استخدام المفردات النفسية لم يحدث بمحض الصدفة، ولم يكن نتيجة تساهل لغوي عابر، بل هو ظاهرة درسها علماء النفس بدقة، ووثقوا جوانبها وآثارها، وأطلقوا عليها اسم "التوسع المفاهيمي" (Concept Creep).
التوسع المفاهيمي
صاغ عالم النفس الأسترالي نيك هاسلام (Nick Haslam) هذا المفهوم في ورقة بحثية نشرت عام 2016، إذ وصف توسع بعض المفاهيم المرتبطة بالضرر والأذى لتشمل نطاقاً أكبر من الظواهر، حين لاحظ أن عدداً من المصطلحات النفسية السلبية، كالإساءة والتنمر والصدمة والإدمان والتحيز واضطرابات الصحة النفسية، قد اتسعت دلالاتها بصورة منهجية وقابلة للرصد.
المصطلحات التي صممت بالأساس لوصف حالات مرضية أو استثنائية حادة أصبحت تستخدم اليوم لوصف مواقف يومية اعتيادية، فالتأخر عن الموعد أصبح "عدم احترام وتجاوزاً للحدود"، والنقد في العمل أصبح "سلوكاً ساماً"، واختلاف الآراء أو الخلاف العابر أصبح "تهديداً للسلام النفسي".
وهنا تبدأ القضية، فالكلمات لا تصف الواقع فحسب، بل تساعدنا على تصنيفه. وعندما يتغير التصنيف، قد تتغير معه الطريقة التي نفهم بها الحدث ونقدر حجمه ونستجيب له. هذا التمدد في معاني الكلمات لم يضف عمقاً للتحليل، بل على العكس، حول الكلمات إلى أداة لرفع الحساسية المفرطة، إذ يميل العقل تلقائياً إلى معالجة الموقف بنفس درجة الجدية التي تفرضها اللفظة المستعملة.
حين تصف انزعاجاً بسيطاً بأنه "صدمة"، يستجيب جهازك العصبي وكأنك واجهت خطراً حقيقياً.
مساران والنتيجة واحدة
المفارقة أن هذا التوسع لا يحدث في اتجاه واحد، بل يسلك مسارين متمايزين تماماً: أفقي وعمودي، يفسران معاً كيف تحولت تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة إلى ما يشبه سلسلة متصلة من الأزمات.
المسار الأول (الأفقي): يتسع فيه المفهوم ليشمل أنواعاً جديدة كلياً من التجارب لم تكن مندرجة تحته من قبل، فالتنمر، على سبيل المثال، كان في الأصل يقتصر على ساحة المدرسة، ثم امتد ليشمل مكان العمل والفضاء الرقمي وحتى العلاقات الأسرية، وقد رافق هذا الاتساع نمو هائل في حجم الاهتمام البحثي بالظاهرة، إذ تضاعفت الأبحاث المتعلقة بالتنمر قرابة 100 مرة بين عامي 1990 و2010، وهو مؤشر كمي دقيق على سرعة الانتشار الدلالي للمفهوم وحجم الاهتمام المؤسسي به.
المسار الثاني (الرأسي/العمودي): وهو الأكثر صلة بموضوعنا، ويصف الظاهرة التي تبدأ فيها المصطلحات النفسية والطبية الصارمة بالتمدد رأسياً لتشمل حالات أقل شدة مما كان يشار إليه ويشترط في تعريفه الأصلي. وتأتي "الصدمة" هنا كمثال نموذجي على هذا المسار، فبعدما كانت مقتصرة في الطب النفسي على أحداث استثنائية كالحروب والكوارث والاعتداءات الجسيمة، باتت تستخدم اليوم لوصف مضايقات يومية عابرة، إلى درجة أن بعض المعالجين النفسيين اضطروا إلى التمييز صراحة بين "صدمة الحديث اليومي" و"الصدمة بمعناها الإكلينيكي الدقيق".
وحين يتسع مفهوم ما كالصدمة باتجاه الأسفل، تخفض فعلياً عتبة الدخول إلى المفهوم، بحيث تصبح تجارب بسيطة جداً مؤهلة لحمل الاسم ذاته، وبذلك تفرغ الكلمة من معناها الحقيقي وتخفض القدرة على التمييز تدريجاً. فحين تصف الشيء الجلل والشيء البسيط بالمصطلح ذاته، يذوب الفارق بينهما في وعي من يستخدم الكلمة ومن يسمعها على حد سواء.
فقدان البوصلة الداخلية
هذا الذوبان الدلالي ليس مجرد تفصيل أكاديمي، بل يحمل في الواقع أثراً نفسياً ملموساً وموثقاً في أبحاث عدة، فحين تستخدم كلمة "الصدمة" لوصف كل احتكاك يومي يفقد الفرد المعيار الداخلي الذي كان يميز به بين موقف عابر وأزمة حقيقية، فيعيش تفاصيل حياته الصغيرة، كوصول رسالة نصية جافة، أو ملاحظة عابرة من أحدهم، أو تأخر السيارة، بوصفها أحداثاً وجودية تستحق القلق ذاته الذي تستحقه أزمة فعلية.
ولعل أولى النتائج توثيقاً في هذا السياق هي التهوين من خطورة الحالات الشديدة الفعلية، فقد بينت دراسات عرضت فيها حالات "هامشية" مصنفة على أنها تنمر أو تحرش أو صدمة على مجموعة من المشاركين، أن إدراك المشاركين لخطورة هذه الحالات وإلحاحها تراجع بصورة ملحوظة، أي إن توسيع المفهوم ليشمل الحالات الخفيفة يضعف في المقابل الجدية التي ينظر بها إلى الحالات الأشد وطأة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما ثانية النتائج فتفسر ارتباط هذا التوسع بإنتاج ما يشبه هوية الضحية العاجزة، فمن يفسر تجربته الشخصية بوصفها "صدمة"، بدلاً من أن يراها تحدياً عابراً أو أزمة قابلة للتجاوز، يميل إلى الشعور بأمل أقل حيال الوصول إلى حل، وبقدرة أضعف على الفعل والمبادرة، فيستقر تدريجاً في موقع الضحية بدلاً من موقع الفاعل في حياته الخاصة.
أما الثالثة، وهي الأخطر ربما، فتتمثل في تطبيع الإحساس بأزمة دائمة لا تنتهي، وقد عبر عن هذا أحد المعالجين النفسيين بقوله إن عالمنا بات، على ما يبدو، في حال صدمة مستمرة، وإن العيش في ظل قلق غير منضبط صار أقرب إلى المعيار اليومي منه إلى الاستثناء.
حين يصبح كل شيء أزمة، لا يعود هناك ما يمكن وصفه بغياب الأزمة، ويفقد المرء إمكان الراحة النفسية التي كانت توفرها له الفواصل الزمنية بين محنة وأخرى.
من يملك حق تسمية الألم؟
إلى جانب هذا التفسير النفسي البحت، ثمة نقد مواز يقارب الموضوع من زاوية مختلفة تماماً، ويستحق التوقف عنده ولو بإيجاز، فبعض الباحثين في الدراسات الثقافية يرون في خطاب الصدمة المعاصر امتداداً لبنية فكرية أقدم، تمنح المتخصص (الذي غالباً ما يكون غربياً) سلطة تسمية معاناة الآخرين وتصنيفها، بصرف النظر عن السياق الثقافي الذي نشأت فيه هذه المعاناة. وبين هذا النقد وتشخيص "هاسلام" النفسي مسافة نظرية واضحة، لكن كليهما يلتقي عند سؤال واحد: من يملك سلطة تحديد ما يستحق اسم "الأزمة" وما لا يستحقه؟
وفي عصر المنصات الرقمية لا تتوقف القصة عند اللغة، فالتفاعل والانتشار وإشارات الجمهور يمكن أن تضيف طبقة أخرى من التضخيم، والأبحاث الحديثة المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى أن التعبير عن الغضب يمكن أن يتعزز بالتغذية الراجعة الاجتماعية. وفي مراجعة منشورة في (Annual Review of Psychology)، خلص باحثون إلى أن وسائل التواصل يمكن أن تعمل كمسرع لديناميات موجودة أصلاً، فتزيد من انتشار الغضب والسعي إلى المكانة والصراع بين الجماعات، مع إمكان تضخيم أشكال بناءة من السلوك الأخلاقي أيضاً.
قاموس أدق
إذاً، قد لا يكون الحل في إعادة الكلمات إلى الماضي ولا في السخرية من اللغة النفسية والاجتماعية الجديدة، وإنما في استعادة التدرج، فهناك فرق بين الضرر والإساءة، وبين الإساءة والتنمر، وبين التجربة المؤلمة والصدمة، وبين المشكلة والأزمة، وهكذا. هذه الفروق ليست ترفاً لغوياً، فالأكيد أن اللغة التي تملك درجات أكثر تستطيع أن تصف الواقع بدقة أكبر، والمطلوب ليس قاموساً أصغر، بل قاموساً أكثر دقة.
نحتاج إلى أن نقول: هذا مزعج، وهذا مؤذ، وهذا إساءة، وهذا تنمر، وهذه أزمة، لا لأن بعض الكلمات أكثر قوة من غيرها، بل لأن أحداث ومواقف الواقع تحكمها درجات. وحين تختفي هذه الدرجات يصبح كل شيء كبيراً بالقدر نفسه، وعندما يصبح كل شيء أزمة تفقد الأزمة ذاتها شيئاً من معناها وحيثياتها وطريقة التعامل معها.
لذلك قد تكون المهمة الأكثر إلحاحاً اليوم لا أن نصغر مشاعر الناس، ولا أن نكبر مشكلاتهم، وإنما أن نعيد إلى اللغة وظيفتها الأهم: مساعدتنا على رؤية حجم الأشياء كما هي.
وفي الوقت ذاته، يجب ألا يتحول الدفاع عن الدقة إلى طريقة لإنكار تجارب الناس، فقد أسهم توسيع بعض المفاهيم في الاعتراف بصور من الأذى لم تكن مرئية أو مأخوذة بجدية في السابق، لذا لا يجدر بنا أن نتهم كل شكوى بالمبالغة، ولا كل استخدام جديد للكلمات بالخطأ، ولا أن نتوهم أن المجتمع كان أفضل حين كانت معاناة كثيرة بلا أسماء.
بدأت المشكلة عندما فقدنا القدرة على التمييز بين الأذى الحقيقي والانزعاج العابر، وأصبح الإنسان معزولاً في قفص من الحساسية المفرطة.
ولتجاوز هذا المأزق، نحتاج إلى إعادة ضبط إدراكي من خلال إعادة الاعتبار للمصطلحات البسيطة مثل: سوء الفهم، والانزعاج، والاختلاف في الرأي، بدلاً من استدعاء المعجم الطبي في كل موقف. ويتطلب الأمر الوعي بدور المنصات الرقمية السلبي في تضخيم القلق لزيادة وقت بقائنا على الشاشات.
وفي النهاية، علينا تقبل فكرة أن الحياة اليومية، بتفاصيلها المزعجة أحياناً، ليست خطأ يجب إصلاحه، بل هي تجسيد حي لجوهر التجربة الإنسانية.