ملخص
هذه الأرقام، سواء رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5 آلاف درهم أو خلق مليون منصب شغل بمعدل 200 ألف منصب شغل كل عام، تعد من الناحية الاقتصادية غير مستحيلة، ولكنها هدف طموح جداً يحتاج إلى برنامج اقتصادي واضح ومؤشرات سنوية للقياس.
يأمل جواد (شاب عاطل عن العمل في عقده الثالث) في أن تسفر الانتخابات التشريعية المرتقبة في المغرب عن إفراز حكومة تستطيع تلبية مطالب الشباب المغاربة، لا سيما في ملف التشغيل، بينما ترى صفية (المريضة بالفشل الكلوي) أن الأجدى هو تطوير قطاع الصحة، فيما يرى آخرون أن التعليم هو بوابة التنمية في البلاد.
وتدفع هذه القطاعات الاجتماعية الحيوية الثلاثة، وهي التشغيل والصحة والتعليم، ملايين المغاربة إلى التوجه صوب صناديق الاقتراع الأربعاء الـ23 من سبتمبر (أيلول) الجاري، بهدف التصويت على من يرونهم يستطيعون تحقيق المطالب الشعبية نحو إرساء حياة كريمة للمواطنين.
مطالب اجتماعية
لا يخفي الشاب جواد أمنيته في أن تنفذ الحكومة على أرض الواقع الوعود التي قدمتها أحزاب سياسية كبرى كثيرة، منها أحزاب تحملت المسؤولية الحكومية مرات عدة، لا سيما إحداث مليون فرصة شغل في البلاد.
يقول جواد إنه يتمنى أن يحظى بفرصة عمل ضمن هذه "المليون وظيفة" التي تروجها بعض الأحزاب، مبرزاً أنه سئم من البطالة التي وقع في براثنها منذ أعوام، بعد حصوله على شهادة جامعية لم تنفعه بشيء.
من جهتها، تقول صفية (المصابة بالفشل الكلوي) إن أهم مطلب اجتماعي قد يدفعها إلى المشاركة في الانتخابات والتصويت على من تجدهم الأقدر على الوفاء بالوعود الانتخابية، هو مطلب تطوير قطاع الصحة الذي يعاني "بصمت"، على حد وصفها.
ويراهن آلاف المغاربة أيضاً على الحكومة التي ستنبثق من الانتخابات البرلمانية بأن تعمل على تجاوز الاختلالات المختلفة التي تعتري مسارات التعليم بالبلاد، من أجل إرساء تنمية اجتماعية واقتصادية قوية وسليمة.
يأتي قطاع الصحة في مقدمة الملفات التي تستأثر باهتمام الناخبين المغاربة، بالنظر إلى استمرار النقاش حول جودة الخدمات الصحية، وتفاوت الولوج إليها بين المدن والمناطق القروية، فضلاً عن الضغط الذي تواجهه مؤسسات صحية عدة ونقص الموارد البشرية والتجهيزات في كثير من المناطق.
ولا يقل التعليم حضوراً في وعي الناخبين بالمغرب، كونه قطاعاً يرتبط ليس فقط بمستقبل الأجيال، وإنما أيضاً بمسألة تكافؤ الفرص والحراك الاجتماعي، فاستمرار النقاش حول جودة التعليم والهدر المدرسي والاكتظاظ وظروف اشتغال الأطر التعليمية، يجعل إصلاح المدرسة العمومية من الملفات التي يصعب فصلها عن سؤال العدالة الاجتماعية.
أما التشغيل، فيشكل بدوره أحد أكثر الملفات حساسية لدى الناخبين، خصوصاً الشباب، في ظل صعوبة ولوج فئات واسعة إلى وظائف مستقرة ومناسبة لمؤهلاتها، ولا يتعلق الأمر فقط بمعدلات البطالة، وإنما أيضاً بطبيعة فرص العمل المتاحة ومستوى الأجور والاستقرار المهني ومدى قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة تستوعب الوافدين الجدد إلى سوق الشغل.
مليون منصب شغل... رقم متكرر
يحضر رقم بصورة متكررة في البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية، هو إحداث مليون فرصة عمل لفائدة الشباب المغاربة خلال الولاية الحكومية المرتقبة الممتدة على خمسة أعوام كاملة، وهو وعد جاء في أكثر من برنامج انتخابي لأكثر من حزب سياسي، وإن اختلفت الآليات والآجال المقترحة لتحقيقه.
وتعهد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة المنتهية ولايتها، خلق مليون منصب شغل، موزعة على عدد من القطاعات، من بينها 300 ألف منصب في السياحة والخدمات والثقافة والترفيه، و250 ألفاً في الرقمنة، و150 ألفاً في الفلاحة، إلى جانب الصناعة والورش الكبرى.
بدوره وضع حزب الأصالة والمعاصرة، المشارك في الائتلاف الحكومي الحالي، هدف خلق مليون منصب شغل خلال الولاية الممتدة بين 2027 و2031 نصب عينيه، ووعد به ملايين الناخبين المغاربة، وذلك بمعدل 200 ألف منصب سنوياً، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 5 آلاف درهم (500 دولار).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما حزب التقدم والاشتراكية (المعارض)، فوعد المغاربة بخلق مليون منصب شغل خلال خمسة أعوام، مدة الولاية الحكومية، مع خفض معدل البطالة إلى أقل من 10 في المئة، ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 15 في المئة.
وشكل حزب العدالة والتنمية، الموجود حالياً في صف المعارضة، استثناءً من هذا العرض المكثف للأرقام والوعود الانتخابية، حيث إنه تعمد عدم تقديم أرقام مستقبلية، مثل تحديد عدد مناصب الشغل، مبرراً ذلك بالرغبة في تجنب وعود يعدها "غير واقعية".
وبخصوص التعليم، تفاوتت مقاربات الأحزاب المغربية بين وعود استكمال الورش القائمة وتوسيع البنية التحتية، وتعميم "مدارس الريادة"، ومحاربة الهدر المدرسي وربط التكوين بحاجات سوق الشغل، وتوظيف آلاف المعلمين والأساتذة.
وفي قطاع الصحة، تكاد تتفق برامج الأحزاب على ضرورة تعزيز وتطوير المستشفيات العمومية، وتحسين استقبال المرضى والتعامل معهم وعدم تسويف المواعيد الطبية، وتوسيع العرض الصحي، وتوظيف آلاف الأطباء في جهات المملكة، ومحاربة هجرة الأطباء والكوادر الصحية إلى الخارج.
هدف رفع الحد الأدنى للأجور
يعلق المتخصص في الشأن الاقتصادي في جامعة مراكش ومدير مختبر البحث حول الممارسات الجديدة للتسيير فريد شوقي على الموضوع بقوله إن الوعود الانتخابية الرائجة التي تتمثل في رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5 آلاف درهم وخلق مليون منصب شغل، هي وعود طموحة جداً، لكنها ليست مستحيلة.
وشرح شوقي "رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، يعني زيادة تقريباً نحو 40 في المئة مقارنة بالمستوى الحالي للأجور في المغرب، ولكن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه هو: هل يستطيع الاقتصاد المغربي إنتاج قيمة مضافة أو خلق الثروة التي ستتحمل هذا المستوى من رفع الأجور؟".
واستطرد المتخصص في الشأن الاقتصادي بأن هناك كذلك مفارقة اقتصادية كبيرة بين رفع الأجور، وخلق عدد كبير من فرص الشغل في الوقت ذاته، خصوصاً لفائدة الشباب والأشخاص ذوي المهارات المحدودة"، مردفاً أنه يمكن الجمع بين هذين الهدفين، ولكن بشرط أساس يتعلق بمدى إمكان إنتاج ما يكفي من القيمة المضافة ومن خلق الثروة التي ستمول هذه الزيادة في الأجور وخلق مليون فرصة شغل.
ولفت شوقي إلى أن قراءة الأرقام وحدها لا تكفي لفهم كيفية وميكانيزمات رفع هذه الأجور، ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: أي نسبة من النمو الاقتصادي ستضمن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5 آلاف درهم من دون أن تتحمل المقاولات، خصوصاً الصغرى والمتوسطة، كلف هذا الرفع؟
وأكمل بأنه يجب أيضاً طرح سؤال حول الفرضيات التي بنت عليها الأحزاب هذه الأهداف الطموحة جداً، بالنظر إلى الحالة الاقتصادية للمغرب، وبالنظر كذلك إلى الإكراهات التي تواجه الوضعية الاقتصادية التي يعيشها المغاربة.
شروط مليون وظيفة
يكمل فريد شوقي تحليله بخصوص وعود أحزاب سياسية بخلق مليون فرصة عمل، حيث قال إنه بهذا المنطق يجب إحداث مليون منصب شغل صاف بمعدل 200 ألف منصب شغل كل عام.
"هنا تكمن الصعوبة"، يورد شوقي، "لأننا لا نتحدث عن عدد المناصب التي يمكن خلقها، وإنما عن مناصب شغل صافية بعدما يجري احتساب المناصب التي قد تفقد خلال الفترة المقبلة، نظراً إلى التحولات الاقتصادية، وتراجع بعض الأنشطة الاقتصادية".
وربط الأستاذ الجامعي تحقق هذا الهدف بتوفر ثلاثة شروط، الأول هو تحقيق نمو اقتصادي أكثر كثافة في خلق فرص الشغل، فليس كل نمو اقتصادي يخلق العدد نفسه من الوظائف، إذ إن بعض القطاعات، مثلاً، يمكن أن تحقق نمواً مرتفعاً مع خلق عدد محدود من فرص الشغل بسبب اعتمادها الكبير على رأس المال أو التكنولوجيا.
والشرط الثاني، وفق المحلل نفسه، يعد إكراهاً كبيراً سيواجه الحكومة المقبلة لأنه واجه الحكومات السابقة، وهو قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والتوظيف، خصوصاً المقاولات الصغرى والمتوسطة والصناعة والسياحة والخدمات والاقتصاد الرقمي إلى غير ذلك.
والشرط الثالث، يتابع شوقي، هو إعادة النظر في ملاءمة التكوين مع حاجات سوق الشغل، ولك لأن خلق مليون وظيفة لا يعني فقط خلق مناصب، وإنما كذلك إيجاد وتوفير الأشخاص الذين يمتلكون المهارات المطلوبة لهذه المناصب.
وخلص شوقي إلى أن هذه الأرقام، سواء رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5 آلاف درهم أو خلق مليون منصب شغل بمعدل 200 ألف منصب شغل كل عام، تعد من الناحية الاقتصادية غير مستحيلة، ولكنها هدف طموح جداً يحتاج إلى برنامج اقتصادي واضح ومؤشرات سنوية للقياس.