ملخص
تثير سلسلة انفجارات مستودعات الذخيرة في سوريا تساؤلات حول أسباب تكرارها، وسط تضارب الفرضيات بين سوء التخزين وعمليات تخريب أو استهداف خارجي. وسجل سبتمبر وحده خمسة انفجارات، فيما وثق "المرصد السوري" 17 حادثة منذ مطلع 2025، وسط مطالب بإبعاد مخازن الأسلحة عن المناطق السكنية.
قد تكون أصوات انفجارات الذخيرة الحية في بلاد عاشت حرباً قاسية لأكثر من 14 سنة حدثاً اعتيادياً، لكن ما يثير الاستغراب هو حقيقة هذه الانفجارات بعد نحو عامين من انتهاء الصراع المسلح الداخلي وسقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، بخاصة مع تشابه الحوادث وتكرارها.
ليلة العيس الساخنة
في السياق، هزت مدينة حلب شمال سوريا، فجر الإثنين الـ21 من سبتمبر (أيلول) الجاري، سلسلة انفجارات في مخزن أسلحة عسكرية في بلدة العيس بريف حلب الجنوبي تابع للجيش السوري، وتعاملت فرق الطوارئ والإسعاف والدفاع المدني مع الموقف بعد طول معاناة جراء كثافة الانفجارات، وقال مصدر ميداني إن الانفجارات المتلاحقة والكثيفة أدت إلى تطاير القذائف المنفجرة، وخلفت إصابات عدة في صفوف المدنيين، وعرضت للخطر كل من يوجد في محيط هذه الانفجارات.
وعاشت عاصمة الشمال، كما يطلق على حلب ساعات عصيبة مع توالي الانفجارات، وهرعت فرق الإنقاذ والقوى الأمنية والدفاع المدني لمكان الحادثة، وقطعت الفرق الأمنية الطريق العام الواصل من حلب إلى دمشق، وتطايرت الصواريخ بكل الاتجاهات حيث سقط بعضها على المنازل، كما أجلت فرق الطوارئ ثلاث عائلات من المنازل المحيطة، وناشدت محافظة حلب المدنيين "عدم الاقتراب من المكان لخطورته".
روايات متضاربة
وتضاربت روايات شهود العيان حول أسباب هذه الانفجارات، فمنهم من عزا السبب لقصف المخزن بطائرة مسيرة، وآخرون تحدثوا عن خلل ما أو حادثة طارئة أصابها. وقال ربيع مشهدان، وهو سكان المنطقة، أنه استيقظ هو وعائلته قرابة الواحدة بعد منتصف الليل (بالتوقيت المحلي) على أصوات انفجار ضخم "لقد تيقنت أنه صادر من جهة المعمل، حيث يجرى تخزين السلاح داخله ما ترك لدي شعور بأن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد، وما هي إلا لحظات حتى تعالت ألسنة اللهب، وتوالت الانفجارات".
وفي وقت تستمر التحقيقات الرسمية للكشف عن الملابسات قالت وزارة الدفاع السورية أنها ستعلن عما توصلت إليه التحقيقات حين الانتهاء منها، وأضاف بيان للوزارة "ستتخذ التدابير لمنع حدوث وقائع مماثلة، وكشف الحقائق وتحديد المسؤوليات يأتيان في مقدم أولوياتها"، مؤكداً "اتخاذ الإجراءات اللازمة، بناء على نتائج التحقيقات بما يحفظ سلامة الأفراد والمواقع ويمنع تكرارها".
حوادث غامضة
وسط هذه الأجواء، تتجه الأنظار اليوم إلى مستودعات خفية تنتشر بين أماكن سكنية لا سيما في الشمال السوري. وقال أحد القاطنين في مدينة بنش بريف إدلب "هذه المستودعات بعضها موجود بين البيوت ويقطنها مدنيون وليست مهجورة أو بعيدة منهم، ما يزيد من خطورة وقوع ضحايا جراء أي حريق أو انفجار مفاجئ"، وتحدث عن الانفجار الذي وقع في مدينته مطلع شهر سبتمبر الجاري في مستودع يعود لشخص معروف في المدينة (من دون الكشف عن هويته) "لقد انفجر أثناء عملية نقل الذخيرة، وصاحب المستودع لقي مصرعه مع عدد من العمال".
وتتزايد التكهنات حول الأسباب التي تقف وراء انفجار المستودعات، لا سيما مع غياب رواية رسمية توضح للرأي العام ما يحدث، وما السبب وراء تكرارها بالفترة الأخيرة.
ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان 17 انفجاراً في مستودعات ذخيرة منذ مطلع العام الماضي 2025، مما يشير إلى تزايد هذه الحوادث.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ترجيحات ودور لـ"داعش"؟
وتدور ترجيحات حول وقوف أعمال تخريبية وراء هذه الانفجارات، ويبرز سيناريو أولي توجه بأصابع الاتهام إلى تنظيم "داعش" أو من المتعاونين معه، ومن السيناريوهات أيضاً الحديث عن أسباب انتقامية وتصفية شخصيات معينة، أو أن من يقف وراءها قد يكون تابعاً لجماعة فلول النظام المخلوع أو أية فصائل إرهابية أخرى.
في هذا الوقت، استبعد الخبير العسكري والضابط السابق بالجيش السوري عزام شيخ أمين فرضية الانتقام من جماعات من فلول النظام المخلوع، لا سيما أن هذه التفجيرات تحدث في أماكن ليس لهم نفوذ فيها، مضيفاً أن "خيار ضرب هذه الأمكنة بعمليات دقيقة من إسرائيل وارد جداً عبر طائرات مسيرة وإخفاء الأمر ربما يعود لأسباب سياسية غير معلنة، أو سيتم إعلانها في حينها"، وتابع شيخ أمين "باعتقادي، في حال كان الجيش الإسرائيلي وراء هذه الأعمال، فالسبب يعود لإضعاف الجيش السوري، ولعل الجيش الإسرائيلي يريد أن يضرب هذه المخازن بهدوء كي لا يزيد التوتر بينه وبين الجانب التركي، بخاصة أن أنقرة تعتبر الشمال السوري ضمن مناطق نفوذها".
مستودعات الموت
صحيح أن انفجار بلدة العيس لم يكن الأول من نوعه لكنه الأضخم، ويعد الخامس على التوالي خلال شهر سبتمبر الجاري، وكان الانفجار الأول في مدينة بنش بريف إدلب مطلع الشهر الجاري أثناء نقل الذخيرة من أحد المستودعات حيث لقي خمسة أشخاص حتفهم وأصيب ثمانية آخرون، وأعقبه انفجار في مدينة سرمدا، بريف إدلب أيضاً، أدى إلى مصرع 14 عنصراً في وزارة الدفاع وإصابة 10 آخرين، تلاه انفجار في مدينة الضمير بريف دمشق، في الـ12 من الشهر ذاته، أفادت معلومات بأنه وقع في مستودع، من مخلفات الحرب، وكان معداً للتفجير، كما حدث انفجار في الـ18 من سبتمبر في مستودع للذخيرة بقرية عياش بريف دير الزور أسفر عن مصرع 11 جندياً وإصابة ما لا يقل عن 10 آخرين.
في سياق التخمينات وراء أسباب هذه الانفجارات أيضاً، تحدث بعض الفرضيات عن كونها ناتجة من ظروف تخزين غير صحيحة أو لا تتوفر فيها الشروط اللازمة، أو حتى شروط النقل والتحميل، لا سيما ما جرى أثناء تفجير مستودع بنش الذي حدث خلال نقل الذخيرة.
وشدد خبراء عسكريون على ضرورة عدم وجود ذخائر وأسلحة قرب مبان سكنية، وتوافر ظروف ملائمة من حيث الحرارة والتهوية، وإجراء فحص دوري لها لتوفير أقبر قدر من السلامة.