ملخص
اهتم مؤرخو الفكر العربي الحديث بدراسة توجهات النخب الثقافية الليبرالية في مصر، نظراً إلى تأثير مفكرين مثل طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل في الثقافة العربية عموماً. لكن قلة من الدارسين تناولت محاولات بعض هؤلاء المفكرين، رسم صورة ثقافية لمصر تختلف عن صورتها المرتبطة بالتراث العربي، تأكيداً لما سُمي "الخصوصية المصرية".
يتناول الأكاديمي المغربي عبدالسلام المغراوي هذه الإشكالية في كتابه "ليبرالية بلا ديمقراطية، القومية والمواطنة في مصر 1922 - 1936"، مركزاً على التحولات التي تجلت في اللغة والخطاب الثقافي.
شهدت مصر خلال النصف الأول من عصر النهضة الفترة تجربة ليبرالية بدأت بعد تصريح الـ28 من فبراير (شباط) 1922، الذي أقر استقلالها مع إبقاء بعض المسائل تحت السيطرة البريطانية. ويسأل الكاتب، لماذا لم تنجح هذه التجربة في ترسيخ ديمقراطية حقيقية، على رغم وجود دستور وبرلمان وأحزاب ونخب مثقفة مطلعة على الفكر الغربي؟
يرى المغراوي أن إحياء الشخصية الوطنية المصرية أصبح هاجساً لدى المفكرين الليبراليين، لكنه يتهم بعضهم بتبني خطاب ينطوي على تمييز ثقافي. فبحسب قراءته، نظر هؤلاء إلى أنفسهم من منظور أوروبي يستعلي على غير الأوروبيين. وانعكس ذلك على تصورهم للمواطنة الحديثة، إذ استبعدوا ممارسات اجتماعية محلية وانتقدوها بوصفها مظاهر تخلف ينبغي مقاومتها.
إدانة مُسبقة
يشير المغراوي إلى أن أطروحته حظيت باهتمام بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حين تجدد النقاش في شأن "الإمبريالية الليبرالية" وتقديم التدخل العسكري على أنه عمل إصلاحي يهدف إلى تحرير العراقيين من الاستبداد وإقامة حكم ديمقراطي.
يدرس الكتاب إنتاج النخب الليبرالية المصرية انطلاقاً من فرضية مفادها أن نزعتها الإصلاحية قربتها من تبرير المنطق الاستعماري، لأنها سعت إلى محاكاة النموذج الأوروبي أكثر مما سعت إلى مقاومته. ومن هنا يتحدث المغراوي عما يسميه "غفلة الليبرالية" وعجزها عن إدراك التناقض بين الاحتلال والتحرر.
وتنبع أهمية هذه الحجة من تشكيكها في ادعاء الليبرالية الحياد الثقافي. فاللغة، في نظر المؤلف، مجال يكشف عن الافتراضات الثقافية والتحيزات التي قد تختبئ وراء الخطاب السياسي. ومن هذه الزاوية، يتتبع الكتاب أساليب الهيمنة والمقاومة في اللغة، ويبين كيف تحمل الثقافة والعبارات اليومية معاني سياسية قد تغيب عن الدراسات التقليدية للسياسة.
يستعين المغراوي بأفكار فرانز فانون عن اللغة وعلاقتها بالهوية والتحرر، ويوظف بعض مفاهيم جاك لاكان لقراءة علاقة الأمة المستعمرة بثقافة المستعمر. ويسعى، في هذا السياق، إلى الربط بين بحث مصر عن هويتها بين أوروبا والشرق وبين رغبة الذات، في التحليل النفسي، في نيل الاعتراف وتحديد موقعها إزاء الآخر.
ويرى أن دعوات بعض الليبراليين المصريين إلى التقارب الثقافي مع أوروبا عبرت عن محاولة لتعويض شعور بالنقص أمام الأوروبيين، باستعارة رموز غربية واستعادة هوية أوروبية متخيلة اعتقد أصحابها أن مصر فقدتها بعد دخول الإسلام إليها.
ضد الهيمنة والاستشراق
يوظف المؤلف الثقافة لتفسير تعثر الليبرالية في مصر، في قراءة تقترب من نقد الاستشراق وربط الثقافة بالهيمنة الإمبريالية، كما فعل إدوارد سعيد.
ويرى المغراوي أن القوميين الليبراليين المصريين بين الحربين العالميتين حاولوا صياغة صورة للأمة والمواطنة تقرب مصر من أوروبا، وتحررها من التصورات السلبية التي كونها الأوروبيون عن الشرق. لكنهم، بحسب رأيه، انتهوا إلى قبول بعض تلك التصورات نفسها، مع اعتراضهم على إدراج مصر ضمن الشرق. ومن هنا جاء إبراز موقعها المتوسطي وماضيها الفرعوني لدى مفكرين مثل طه حسين وصبحي وحيدة وحسين فوزي.
ويثير هذا الطرح سؤالاً عن إمكان مساهمة النخب الواقعة تحت الاستعمار في إعادة إنتاج خطابه. ويشكك في الفكرة القائلة إن العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر تقوم دائماً على رؤيتين متعارضتين للعالم. ففي رأي المغراوي، وقع بعض الإصلاحيين المصريين في أسر لغة الآخر، مما أعاق بناء تصور للهوية الوطنية قادر على حشد الناس حوله.
ويعيد المؤلف طرح اتهامات سبق أن وجهها إسلاميون تقليديون إلى ليبراليين مصريين، من بينهم أحمد لطفي السيد وطه حسين ومحمد حسين هيكل والعقاد وتوفيق الحكيم وسلامة موسى. فهو يرى أنهم تبنوا تصورات أوروبية معادية للعرب، وانتقصوا من الثقافة العربية الإسلامية، فيما يسميه "أزمة الانفصال عن الذات". ويذهب إلى أنهم "كتبوا تاريخاً لمصر طمس فيه الماضي العربي الإسلامي، وأعادوا فيه تشكيل أصولهم العرقية لإثبات الأصل غير السامي للمصريين".
مراجعة مطلوبة
يرى المغراوي أن النقاشات حول الزي الوطني والشعر العربي والطقوس الشعبية وأنماط التدين تكشف عن الصراع على تعريف الهوية المصرية أكثر مما تكشفه بعض السجلات الرسمية للمفاوضات السياسية. فالسجالات الأدبية والاجتماعية، في رأيه، كانت أيضاً جزءاً من معركة سياسية في شأن صورة مصر وموقعها من الأوصاف الأوروبية للشرق.
ويذهب الكتاب إلى أن دعوات إحياء الأدب الفرعوني، وما صاحب بعضها من إغفال للشعر العربي، انطلقت من اعتقاد أن إبراز الهوية الفرعونية يقرب مصر من الغرب. ووفق هذه القراءة، تسللت القوالب الثقافية والعنصرية الأوروبية إلى لغة بعض المثقفين المصريين، وظهرت آثارها بوضوح في النقاش حول المواطنة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن المؤلف يحصر تناوله للهوية، إلى حد كبير، في الموقف من الغرب. ومن شأن هذا الحصر أن يدفع القارئ إلى التساؤل عن شواهد لا تنسجم مع أحكامه، ومنها إنتاج طه حسين نفسه، فقد دعا إلى الإفادة من التراث الإغريقي والتحديث الأوروبي، لكنه دافع أيضاً عن الأدب العربي وتراثه، حتى استحق لقب "عميد الأدب العربي".
ولا يفسر هذا المنظور، كذلك، اهتمام عدد من الليبراليين بالتاريخ الإسلامي وشخصياته. فقد كتب طه حسين وهيكل والعقاد مؤلفات تعرف بـ"الإسلاميات"، تناولوا فيها التراث العقلي الإسلامي، أو طرحوا أسئلة نقدية عن وقائع ملتبسة في تاريخه.
غياب الديمقراطية
يشير المغراوي إلى تيارات مصرية اختزلت الاندماج في المواطنة في محاكاة الأوروبيين في جوانب الحياة الاجتماعية، بدلاً من التركيز على المشاركة السياسية والتمثيل والحقوق الفردية. ويرى أن هذه القضايا بقيت هامشية في خطابها، غير أن هذا الحكم يحتاج إلى مراجعة.
فقد دافع العقاد عن الدستور، وتعرض للمحاكمة بتهمة العيب في الذات الملكية. وأثار كتاب الشيخ علي عبدالرازق "الإسلام وأصول الحكم" جدلاً واسعاً حول السلطة السياسية وعلاقتها بالدين. وانشغلت كتابات أعضاء "جماعة النهضة القومية"، التي تأسست عام 1944 وضمت تلاميذ لأحمد لطفي السيد، بالحقوق السياسية والاجتماعية والإصلاح والمشاركة في صنع القرار.
وأصدر مريت غالي، أحد مؤسسي الجماعة، كتاب "سياسة الغد" عام 1938، تناول فيه تصوره للنظام السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي. ثم شارك إبراهيم بيومي مدكور في تأليف كتاب عن الإدارة الحكومية عام 1943، قدم السلطة بوصفها جهازاً لخدمة المجتمع ومراقبة تنفيذ الخطط، لا قوة قاهرة متسلطة.
ويتحدث المغراوي أيضاً عما يسميه انتقاص الليبراليين المصريين من قيمة الجذور العربية والإسلامية لمصر خلال الفترة التي يدرسها. ويرى أن بعضهم سعى إلى تأكيد السيادة الوطنية بعد قرون من حكم سلالات غير مصرية، لكنه ينتقد وصف الحكام المسلمين في مصر بـ"الأجانب"، وينتقد محاولات رسم صورة ذات طابع أوروبي لمصر تتجاهل جوانب من تاريخها. وتبقى المسافة بين هذه الأطروحة وكتابات الليبراليين أنفسهم موضعاً يستحق فحصاً أدق، يميز بين اختلاف مواقفهم بدلاً من جمعها في حكم واحد.