ملخص
في العام 1993 تحديداً أواخر يونيو (حزيران)، كان العراق على موعد مع ضربة أميركية خاطفة، على أثر المؤامرة المزعومة لقتل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب، التي اتخذ بيل كلينتون قراراً بمهاجمة بغداد، فكيف استقبل العالم ما فعلته أميركا؟ وهل كان تصرفاً قانونياً أم لا؟ وهل كانت الضربة الأميركية قادرة على منع وقوع مزيد من الأعمال الإرهابية؟ وثائق بريطانية تجيب عن تلك التساؤلات وتكشف ما دار وقتها.
تكشف برقيات دبلوماسية بريطانية محفوظة ضمن الملف الأرشيفي ذي المرجع (T 437/979) المعنون بـ "سياسة إيران"، الذي أُتيح للاطلاع في الثامن من سبتمبر (أيلول) الجاري، جانباً من ردود الفعل الإقليمية والدولية على العمل العسكري الأميركي ضد العراق في أواخر يونيو (حزيران) 1993.
وأتت الضربة الأميركية حينذاك بعدما أعلن عن الكشف عن مؤامرة لاغتيال الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب أثناء زيارته إلى الكويت.
تأتي أهمية هذه الوثائق من أنها لا تقتصر على تسجيل المواقف الرسمية للحكومات، بل تمتد إلى رصد مواقف الأحزاب ووسائل الإعلام واتجاهات الرأي العام، وتكشف عن التباين بين ما كانت الحكومات تعبّر عنه في اتصالاتها الدبلوماسية الخاصة، وما كانت مستعدة لإعلانه على الملأ.
هولندا: تفهّم رسمي مع تحفظات قانونية وإنسانية
قالت الوثيقة البريطانية الواردة من لاهاي في الـ 29 من يونيو 1993، المعنونة "العمل العسكري الأميركي ضد العراق: ردود الفعل الهولندية"، إن وزير الخارجية الهولندي وصف الهجوم الأميركي على بغداد بأنه مفهوم، غير أن هذا التفهم لم يكن تأييداً غير مشروط للعملية.
وأشارت الوثيقة إلى أن وزير الخارجية الهولندي رأى أن مجلس الأمن الدولي هو الجهة التي ينبغي أن تقرر ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تصرفت وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، أي المادة المتعلقة بحق الدفاع عن النفس، وبذلك أظهرت أن الحكومة الهولندية أبقت مسألة الأساس القانوني للعملية مرتبطة بتقييم مجلس الأمن، بدلاً من إصدار حكم قانوني قاطع من جانبها.
وذكرت الوثيقة أن الحكومة الهولندية أعربت عن أسفها لمقتل مدنيين، وعن خشيتها من أن يؤدي الهجوم إلى رد انتقامي عراقي، وهكذا جمعت الحكومة الهولندية، كما صوّرتها البرقية، بين تفهم الدوافع الأميركية والقلق من النتائج الإنسانية والأمنية المترتبة على استخدام القوة.
وانتقلت الوثيقة بعد ذلك من موقف الحكومة إلى مواقف الأحزاب السياسية الهولندية، فقالت إن المتحدث باسم الشؤون الخارجية في حزب النداء الديمقراطي المسيحي (CDA) ذكر أن حزبه يتفهم الغضب الأميركي إزاء المؤامرة المزعومة لقتل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب، لكنه تساءل في الوقت نفسه عما إذا كان العمل العسكري الأميركي سيمنع بالفعل وقوع مزيد من الأعمال الإرهابية.
وأشارت الوثيقة إلى أن المتحدثين باسم حزب العمل الهولندي (PvdA) والحزب الليبرالي (VVD) رأيا أن العمل الأميركي ضد العراق يتناقض مع إحجام المجتمع الدولي عن التحرك بحزم في البوسنة، وتكشف هذه المقارنة أن بعض المنتقدين الهولنديين لم ينظروا إلى الضربة العراقية بمعزل عن أزمات تلك المرحلة، بل وضعوها ضمن نقاش أوسع حول مدى اتساق السياسة الدولية في استخدام القوة.
وأضافت الوثيقة أن المتحدث باسم حزب D66)) (الديمقراطيون 66)، وصف الهجوم بأنه رد فعل شديد إلى حد ما، ويظهر من ذلك أن الساحة الحزبية الهولندية لم تتبن موقفاً موحداً، حتى وإن أبدت الحكومة نفسها قدراً من التفهم للمبررات الأميركية.
أما الصحافة الهولندية فقالت الوثيقة إن رد فعلها كان مختلطاً، فقد رأت بعض الافتتاحيات أن الهجوم كان مبرراً بصورة كاملة، بينما تبنت صحف أخرى موقفاً أكثر انتقاداً، ورأت أن العملية ربما ارتبطت أيضاً باعتبارات سياسية داخلية أميركية، وذكرت الوثيقة أن بعض الصحف تساءلت عن شرعية الهجوم، بينما ذهبت أخرى إلى طرح سؤال سياسي أوسع: هل تريد الولايات المتحدة معالجة المشكلة العراقية بصورة منفردة، أم من خلال الأمم المتحدة؟
وهكذا، أشارت البرقية الهولندية إلى وجود ثلاثة مستويات متباينة من المواقف: حكومة رأت الهجوم مفهوماً مع ترك المسألة القانونية لمجلس الأمن، وأحزاب سياسية أثارت تساؤلات حول التناسب والاتساق الدولي، وصحافة انقسمت بين التأييد والتشكيك في الشرعية والدوافع.
لبنان: صمت حكومي وانتقادات صحافية وسياسية
أما البرقية البريطانية الواردة من بيروت في الـ 29 من يونيو 1993، المعنونة "العمل العسكري الأميركي ضد العراق: رد فعل الصحافة والجمهور اللبناني"، فقد بدأت بالإشارة إلى حقيقة لافتة، إذ أكدت الوثيقة أنه لم يصدر تعليق رسمي عن الحكومة اللبنانية.
وقالت الوثيقة إن الصحافة اللبنانية، في اليوم الأول التالي للهجوم، بدت متأثرة بالعملية بصورة واضحة، مشيرة إلى أن بعض الصحف اللبنانية الأكثر تشدداً، ومنها "الديار" و"السفير"، صوّرت الهجوم الأميركي باعتباره عملاً عدوانياً.
وذكرت الوثيقة أن صحيفة "السفير" واصلت في الـ 29 من يونيو الخط نفسه، ووصفت العملية بأنها رسالة عدوان أميركية موجهة إلى العالم.
لكن الوثيقة أكدت أن بقية الصحف اللبنانية تبنّت عموماً خطاً تحريرياً أكثر اعتدالاً، واعتمدت إلى حد كبير على تقارير وكالات الأنباء في تغطيتها للحدث، مضيفة أن افتتاحية أو افتتاحيتين عكستا إلى حد كبير موقف دول حركة عدم الانحياز في نيويورك، وانتقدتا ما رأتاه عدم تحرك مجلس الأمن.
وانتقلت البرقية بعد ذلك إلى ردود فعل الشخصيات السياسية اللبنانية، وأشارت الوثيقة إلى أن عدداً من الشخصيات خارج الحكومة أدلى بتعليقات، إلا أن نائباً واحداً فقط مؤيداً للعراق دعا إلى تنظيم تظاهرات.
وقالت الوثيقة إن أبرز المواقف المنتقدة جاء من رئيس الوزراء اللبناني السابق سليم الحص، الذي دان الهجوم الأميركي، وعدّه مثالاً على ما وصفه بغطرسة القوة وغياب العدالة في النظام الدولي، وذكرت الوثيقة أن الحص عقد مقارنة بين سرعة استخدام القوة ضد العراق، وبين ما عدّه غياب تحرك مماثل في شأن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة والبوسنة، لتعكس الوثيقة هنا مرة أخرى حضور فكرة "ازدواجية المعايير" في الخطاب السياسي الإقليمي تجاه الضربة.
وفي المقابل، أشارت الوثيقة إلى أنها لم ترصد سوى إشارة واحدة إلى بيان رئيس الوزراء اللبناني، صدرت عبر محطة إذاعية تابعة للكتائب، وأن البيان عُرض بصورة خبرية مجردة، وكذلك فعلت وسائل مرتبطة بالمعارضة في تناولها له.
انشغال "حزب الله" بإحياء مراسم عاشوراء
وخصصت الوثيقة اللبنانية جزءاً من البرقية لمواقف القوى الإسلامية، فذكرت أن بيانات "تجمّع العلماء المسلمين"، الموصوف في البرقية بأنه يضم علماء سنّة مؤيدين لـ "حزب الله"، وكذلك بيانات "حزب الله"، قارنت الرئيس الأميركي بيل كلينتون بسلفه جورج بوش الأب، وقالت الوثيقة إن هذه البيانات رأت أن الولايات المتحدة استمرت، على رغم انتقال الرئاسة من الجمهوريين إلى الديمقراطيين، في اتباع ما وصفته تلك الجهات بـ "الشيطان الأكبر"، وأنها لم تر فرقاً جوهرياً بين الحزبين الأميركيين في هذا المجال.
وأشارت الوثيقة، بصورة منفصلة، إلى تصريحات الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصرالله عشية إحياء مراسم عاشوراء، وذكرت أنه دعا المشاركين في المواكب المقررة في الـ 30 يونيو إلى توخي الحذر مما وصفه بـ"الحرب الغربية والأميركية" ضد الإسلام، بوصفه تعليماً دينياً.
وأضافت الوثيقة أن "يازبيك"، وهو عضو آخر في مجلس شورى "حزب الله"، بحسب البرقية، دعا المسلمين في سياق عاشوراء إلى الوقوف معاً في مواجهة ما وصفه بالطغيان، وكذلك أشارت الوثيقة إلى انتقاد من قال إنهم يسعون إلى تشويه حقيقة الإسلام والقرآن.
غير أن التقييم الختامي للسفارة البريطانية كان أكثر هدوءاً من بعض الخطابات المنقولة، فقد أكدت الوثيقة أن رد الفعل اللبناني العام كان فاتراً نسبياً، يتصدره الصمت الحكومي، وذكرت الوثيقة أن هناك تعاطفاً محدوداً مع العراق، وأن "حزب الله" نفسه كان منشغلاً بدرجة أكبر بالتحضير لمراسم عاشوراء، التي كانت السفارة تتوقع أن تمر بصورة سلمية، أكثر من انشغاله بالتطورات الخارجية.
وتكشف هذه الملاحظة الأخيرة الفارق بين نقل البرقية لخطاب سياسي حاد صادر عن بعض الجهات، وبين تقييم السفارة البريطانية الحال العامة في الشارع اللبناني، فالوثيقة لم تعتبر التصريحات الحادة دليلاً في حد ذاتها على وجود تعبئة شعبية واسعة ضد الولايات المتحدة.